من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)
القاسم بن الفتح بن محمد بن يوسف: من أهل مدينة الفرج، يكنى: أبا محمد
، ويعرف: بابن الريوالي.
روى عن أبيه، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي محمد الشنتجيالي. ورحل إلى المشرق وأدى الفريضة، وروى عن أبي عمران القابسي وغيره، وكان عالما بالحديث، ضابطا له، عارفا باختلاف الأئمة، عالما بكتاب الله تعالى، عالما بالقراءات السبع، متكلما في أنواع العلم، لم يكن يرى التقليد بل كان مختارا. وله رسائل كثيرة وتواليفه حسنة. وشرع في جمع الحديث في كتابٍ سماه الاستيعاب، فقطع عن إتمامه منيته. وكان شاعرا أديبا، متقدما في المعارف كلها، صادقا، دينا، ورعا، متقللا من الدنيا، وله روايات مشهورة عن أبيه وغيره وهو القائل:
يا طالبا للعلا مهلاما سهمك اليوم بالمعلى
كم أملٍ دونه احتراموكم عزيزٍ أذيق ذلا
أبعد خمسين قد تولتتطلب ما قد نأى وولى
في الشيب إما نظرت وعظٌقد كان بعضا فصار كلاً
نادى حسامي عليك ماضٍلم يحدث الدهر فيه فلا
فاعقل فتحت للمشيب سراجل له الخطب ثم جلا
وقال أبو القاسم بن صاعدٍ: كان أبو محمد القاسم بن الفتح واحد الناس في وقته في العلم والعمل، سالكاً سبيل السلف في الورع والصدق والبعد عن الهزل، متقدما في علم اللسان والقرآن وأصول الفقه وفروعه، ذا حظ جليل من البلاغة ونصيب صالح من قرض الشعر، وتوفي ﵀ على ذلك جميل المذهب سديد الطريقة، عديم النظير.
وقال الحميدي: أبو محمد الريوالي فقيه مشهور عالم زاهد، يتفقه بالحديث، ويتكلم على معانيه، وله أشعارٌ كثيرة في الزهد وغيرها. ومنها ما أنشدنيه غير واحدٍ عنه:
ألا أيها العائب المعتديومن لم يزل في العمى يزدد
مساعيك يكتبها الحافظانفبيض كتابك أو سود
وله:
يا معجبا بعلائه وغنائهومطولا في الدهر حبل رجائه
كم ضاحك أكفانه منشورةومؤملٍ والموت من تلقائه
وله:
أيام عمرك تذهبوجميع سعيك يكتب
ثم الشهيد عليك منكفأين أين المهرب
قال ابن صاعدٍ: توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين وأربع مائة. زاد غيره في
صفر ومولده سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة. قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري: وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة.
وكان ﵀ إماما مختارا ولم يكن مقلدا. وكان عاملا بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ متبعا للآثار الصحاح، متمسكا بها لا يرى الأخذ إلا على شيء من العلم والدين وثيقة، والتزام الصلاة بمسجد وغير ذلك. وكان يقول بالعلة المنصوص عليها والمعقولة، ولا يقول بالمستنبطة ومضى عليه دهر يقول بدليل الخطاب، ثم ظهر إليه فساد القول فيه فنبذه واطرحه. وتوفي في بلده بعد مطالبة جرت عليه من جهة القضاة بها ﵀.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع