من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)
هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي الأديب، من أهل قرطبة وأصله من
مجريط؛ يكنى: أبا نصر.
سمع من أبي عيسى الليثي، وأبي علي البغدادي وغيرهما. روى عنه الخولاني وقال: كان رجلا صالحا، منقبضا مقتصدا مسمتا عاقلا مهيبا صحيح الأدب، يختلف إليه الأحداث ووجوه الناس. وكان: من الثقات في دينه وعلمه، وافى شيوخا جلة في العلم والآداب وسمع منهم وروى عنهم، وقد أخذ عنه أيضا أبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما.
قرأت بخط أبي علي الغساني ﵀: قال الفقيه أبو الحزم بن عليم، قال لي أبو بكر محمد بن موسى البطليوسي، المعروف بابن الغراب: قال لي أبو نصر هارون بن موسى بن جندل النحوي: كنا نختلف إلى أبي علي البغدادي ﵀ وقت إملائه النوادر بجامع الزهراء ونحن في فصل الربيع فبينا أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة فما وصلت إلى مجلسه ﵀ إلا وقد ابتلت ثيابي كلها، وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة فأمرني بالدنو منه وقال لي: مهلا يا أبا نصر لا تأسف على ما عرض لك فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة بثياب غيرها تبدلها ولقد عرض لي ما أبقى بجسمي فدوبا يدخل معي القبر، ثم قال لنا: كنت أختلف على ابن مجاهد ﵀ فادلجت إليه لا تقرب منه.
فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقاً وارث علي فتحه. فقلت: سبحان الله أبكر هذا البكور، وأغلب على القرب منه. فنظرت إلى سربٍ بجنب الدار فاقتحمته فلما توسطته ضاق بي ولم أقدر على الخروج ولا على النهوض، فاقتحمته أشد اقتحام حتى نفذت بعد أن تخرقت ثيابي وأثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم ومن الله علي بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على هذه الحال. فأين أنت مما عرض لي وأنشدنا:
دببت للمجد والساعون قد بلغواجهد النفوس والفوا دونه الأزرا
فكابدوا المجد حتى مل أكثرهموعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكلهلن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو نصر فكتبناها عنه من قبل أن يأتي موضعها في نوادره. وسلاني بما حكاه، وهان عندي ما عرض لي من تلك الثياب، واستكثرت من الاختلاف إليه ولم أفارقه حتى مات ﵀. كتب من عندي هذه الحكاية شيخنا القاضي أبو عبد الله ابن الحاج ﵀ واستحسنها وأعجب بها. قال ابن حيان: توفي يوم الاثنين لأربع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربع مائة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع