تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

أبو هريرة الدوسي عبد الرحمن بن صخر (٢)

الصفحة ٢ من ٢

وَقَدْ وَلِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ البَحْرَيْنِ لِعُمَرَ، وَأَفتَى بِهَا فِي مَسْأَلَةِ المُطَلَّقَةِ طَلْقَةً ثُمَّ

يَتَزَوَّجُ بِهَا آخَرُ، ثُمَّ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَارَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ، هَلْ تَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ كَمَا هُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي المَشْهُوْرِ عَنْهُ، أَوْ تُلْغَى تِلْكَ التَّطْلِيْقَةُ، وَتَكُوْنُ عِنْدَهُ عَلَى الثَّلاَثِ.

كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي حَنِيْفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِصَابَةَ الزَّوْجِ تَهْدِمُ مَا دُوْنَ الثَّلاَثِ، كَمَا هَدَمَتْ إِصَابَتُهُ لَهَا الثَّلاَثَ.

فَالأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إِصَابَةَ الزَّوْجِ الثَّانِي، إِنَّمَا هِيَ غَايَةُ التَّحْرِيْمِ الثَّابِتِ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، فَهُوَ الَّذِي يَرْتَفِعُ، وَالمُطَلَّقَةُ دُوْنَ الثَّلاَثِ لَمْ تَحْرُمْ، فَلاَ تَرْفَعُ الإِصَابَةُ مِنْهَا شَيْئاً، وَبِهَذَا أَفتَى أَبُو هُرَيْرَةَ.

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَوْ أَفْتَيْتَ بِغَيْرِهِ، لأَوْجَعْتُكَ ضَرْباً.

وَكَذَلِكَ أَفْتَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي دِقَاقِ المَسَائِلِ مَعَ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ عَمِلَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسَائِلَ كَثِيْرَةٍ، تُخَالِفُ القِيَاسَ، كَمَا عَمِلُوا كُلُّهُمْ بِحَدِيْثِهِ:

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ خَالَتِهَا).

وَعَمِلَ أَبُو حَنِيْفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيْثِهِ: (أَنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِياً، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)، مَعَ أَنَّ القِيَاسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ، فَتَرَكَ القِيَاسَ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَهَذَا مَالِكٌ عَمِلَ بِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ سَبْعاً مِنْ وُلُوْغِ الكَلْبِ، مَعَ أَنَّ القِيَاسَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لاَ يُغْسَلُ؛ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ.

بَلْ قَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيْفَةَ القِيَاسَ لِمَا هُوَ دُوْنَ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي مَسْأَلَةِ القَهْقَهَةِ، لِذَاكَ الخَبَرِ المُرْسَلِ.

وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيْقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيْثٍ.

بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ المُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ جَالِساً فِي الشَّمْسِ، فَقَلُصَتْ عَنْهُ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَجْلِسِهِ.

بَقِيٌّ: حَدَّثَنَا طَالُوْتُ بنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلاَلٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِيْرِيْنَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (لَوْ آمَنَ بِي عَشْرَةٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُوْدٍ، لآمَنَ بِي كُلُّ يَهُوْدِيٍّ عَلَى الأَرْضِ).

إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي خَالِدٍ: عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيْقِ:

يَا لَيْلَةً مِنْ طُوْلِهَا وَعَنَائِهَاعَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ لِي غُلاَمٌ، فَلَمَّا قَدِمْتُ وَبَايَعْتُ، إِذْ طَلَعَ الغُلاَمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَذَا غُلاَمُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟).

قُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.

وَرَوَى: أَيُّوْبُ، عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِبِنْتِهِ: لاَ تَلْبَسِي الذَّهَبَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكِ اللَّهَبَ.

الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَالِمٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوْلُ:

سَأَلَنِي قَوْمٌ مُحْرِمُوْنَ عَنْ مُحِلِّيْنَ أَهْدَوْا لَهُمْ صَيْداً، فَأَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، ثُمَّ لَقِيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا، لأَوْجَعْتُكَ.

زَيْدُ بنُ الحُبَابِ: عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُوْسَى، أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بنُ المُحَرَّرِ بنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ جَدِّهِ:

أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ، فِيْهِ أَلْفَا عُقْدَةٍ، لاَ يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ.

شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيْهِ:

رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَخْرُجُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيَقْبِضُ عَلَى رُمَّانَتَيِ المِنْبَرِ قَائِماً، وَيَقُوْلُ:

حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ ﷺ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ، فَلاَ يَزَالُ يُحَدِّثُ حَتَّى يَسْمَعَ فَتْحَ بَابِ المَقْصُوْرَةِ لِخُرُوْجِ الإِمَامَةِ، فَيَجْلِسُ.

أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا الفَتْحُ بنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، وَمُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ القَاضِي، قَالُوا:

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ بنُ المُسْلِمَةِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيْعَةَ، عَنْ أَبِي يُوْنُسَ،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِيْ كَافِراً، يَبِيْعُ دِيْنَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيْلٍ، المُتَمَسِّكُ مِنْهُم عَلَى دِيْنِهِ، كَالقَابِضِ عَلَى خَبَطِ الشَّوْكِ، أَوْ جَمْرِ الغَضَى).

أَبُو يُوْنُسَ هَذَا: اسْمُهُ سُلَيْمُ بن جُبَيْرٍ، مِنْ مَوَالِي أَبِي هُرَيْرَةَ، صَدُوْقٌ، وَهَذَا أَعْلَى شَيْءٍ يَقَعُ لَنَا مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ سَلاَمٍ، وَالخَضِرُ بنُ حَمَّوَيْه - إِجَازَةً - عَنْ أَبِي الفَرَجِ بنِ كُلَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيْلُ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الصَّلْتِ بنِ قُوَيْدٍ الحَنَفِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوْلُ:

قَالَ رَسُوْل اللهِ ﷺ: (لاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ تَنْطِحُ ذَاتُ قَرْنٍ جَمَّاءَ).

الصَّلْتُ هَذَا: كَنَّاهُ النَّسَائِيُّ أَبَا الأَحْمَرِ، وَقَالَ: لاَ أَدْرِيْ كَيْفَ هُوَ؟

ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ هَذَا الحَدِيْثَ، وَقَالَ: قَالَهُ أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ - يَعْنِي المَرْوَزِيَّ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَوْنٍ الخَرَّازُ، عَنْ عَمَّارٍ.

قُلْتُ: وَيَرْوِي عَنْهُ: عَلِيُّ بنُ ثَابِتٍ الجَزَرِيُّ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّلْتُ، عَنْ أَبِي الأَحْمَرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: الصَّلْتُ بنُ قُوَيْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنِي عَنْهُ عَمَّارُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بنُ ثَابِتٍ الجَزَرِيُّ.

ابْنُ المُبَارَكِ: عَنْ وُهَيْبِ بنِ الوَرْدِ، عَنْ سَلْمِ بنِ بَشِيْرٍ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ بَكَى فِي مَرَضِهِ، فَقِيْلَ: مَا يُبْكِيْكَ؟

قَالَ: مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ عَلَى بُعْدِ سَفَرِي، وَقِلَّةِ زَادِي، وَأَنِّي أَمْسَيْتُ فِي صُعُوْدٍ، وَمَهْبَطُهُ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، فَلاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا يُؤْخَذُ بِي ؟

مَالِكٌ: عَنِ المَقْبُرِيِّ، قَالَ:

دَخَلَ مَرْوَانُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَكْوَاهُ، فَقَالَ: شَفَاكَ اللهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ.

فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءكَ، فَأَحِبَّ لِقَائِي.

قَالَ: فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ القَطَا حَتَّى مَاتَ.

الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ، عَنْ ثَابِتِ بنِ مِسْحَلٍ، قَالَ: كَتَبَ

الوَلِيْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِمَوْتِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:

انْظُرْ مَنْ تَرَكَ، فَأَعْطِهِمْ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَأَحْسِنْ جِوَارَهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَصْرَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ.

قَالَ عُمَيْرُ بنُ هَانِئ العَنْسِيُّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ لاَ تُدْرِكْنِي سَنَةُ سِتِّيْنَ.

فَتُوُفِّيَ فِيْهَا، أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ.

قَالَ الوَاقِدِيُّ: كَانَ يَنْزِلُ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلَهُ بِالمَدِيْنَةِ دَارٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَوَالِيْهِ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ، وَلَهُ ثَمَانٌ وَسَبْعُوْنَ سَنَةً، وَهُوَ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ.

قَالَ: وَهُوَ صَلَّى عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ.

قُلْتُ: الصَّحِيْحُ خِلاَفُ هَذَا.

وَرَوَى: سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ:

أَنَّ عَائِشَةَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ مَاتَا سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ، قَبْلَ مُعَاوِيَةَ بِسَنَتَيْنِ.

تَابَعَهُ: يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ، وَابْنُ المَدِيْنِيِّ، وَخَلِيْفَةُ، وَالمَدَائِنِيُّ، وَالفَلاَّسُ.

وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، وَضَمْرَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَغْرَاءَ، وَالهَيْثَمُ، وَغَيْرُهُمْ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو عُمَرَ الضَّرِيْرُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ: سَنَةَ تِسْعٍ، كَالوَاقِدِيِّ.

وَقِيْلَ: صَلَّى عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ الأَمِيْرُ الوَلِيْدُ بنُ عُتْبَةَ، بَعْدَ العَصْرِ، وَشَيَّعَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيْدٍ، وَدُفِنَ بِالبَقِيْعِ.

وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي (طَبَقَاتِ القُرَّاءِ)، وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ.

أَخَذَ عَنْهُ: الأَعْرَجُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَطَائِفَةٌ.

وَذَكَرْتُهُ فِي (تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ)، فَهُوَ رَأْسٌ فِي القُرْآنِ، وَفِي السُّنَّةِ، وَفِي الفِقْهِ.

قَالَ أَبُو القَاسِمِ النَّحَّاسُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بنِ أَبِي دَاوُدَ يَقُوْلُ:

رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ - وَأَنَا بِسِجِسْتَانَ أُصَنِّفُ حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ كَثَّ اللِّحْيَةِ، أَسْمَرَ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ غِلاَظٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ.

فَقَالَ: أَنَا أَوَّلُ صَاحِبِ حَدِيْثٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا.

فِي (الكُنَى) لأَبِي أَحْمَدَ: أَبُو بُكَيْرٍ إِبْرَاهِيْمُ، عَنْ رَجُلٍ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ إِذَا اسْتَثْقَلَ رَجُلاً، قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَأَرِحْنَا

مِنْهُ.

حَدَّثَ بِهَذَا: بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ السَّاجِ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ ابْنُ سِيْرِيْنَ:

تَمَخَّطَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبُ كَتَّانٍ، فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ، أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَخِرُّ فِيْمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ، يَجِيْءُ الرَّجُلُ يَظُنُّ بِي جُنُوْناً.

شُعْبَةُ: عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ: رَأَيْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ كِسَاءَ خَزٍّ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَشَأْتُ يَتِيْماً، وَهَاجَرْتُ مِسْكِيْناً.

قَيْسُ بنُ الرَّبِيْعِ: عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ خَبَّابِ بنِ عُرْوَةَ، رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.

وَفِي (سُنَنِ النَّسَائِيِّ): أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَعَا لِنَفْسِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً لاَ يُنْسَى.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (آمِيْنَ).

قَالَ الدَّانِيُّ: عَرَضَ أَبُو هُرَيْرَةَ القُرْآنَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ.

قَرَأَ عَلَيْهِ: الأَعْرَجُ.

قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ مُسْلِمِ بنِ جَمَّازٍ، سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْكِي لَنَا قِرَاءةَ

أَبِي هُرَيْرَةَ فِي: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يُحَزِّنُهَا شِبْهَ الرِّثَاءِ.

مَعْمَرٌ: عَنْ أَيُّوْبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لابْنَتِهِ: لاَ تَلْبَسِي الذَّهَبَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكِ اللَّهَبَ.

هَذَا صَحِيْحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى تَحْرِيْمِ الذَّهَبِ عَلَى النِّسَاءِ أَيْضاً، أَوْ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ تَخْتَالُ فِي لُبْسِ الذَّهَبِ وَتَفْخَرُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، كَمَا فِيْمَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ.

معَاذُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُعَاذِ بنِ أُبَيٍّ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، قَالَ:

كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَرِيْئاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نسَأَلُهُ عَنْهَا.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيْثِهِ.

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ (الإِحْكَامِ، فِي أُصُوْلِ الأَحْكَامِ): المُتَوَسِّطُوْنَ فِيْمَا رُوِيَ عَنْهُم مِنَ الفَتَاوَى:

عُثْمَانُ، أَبُو هُرَيْرَةَ، عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ، أُمُّ سَلَمَةَ، أَنَسٌ، أَبُو سَعِيْدٍ، أَبُو مُوْسَى، عَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ، سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، سَلْمَانُ، جَابِرٌ، مُعَاذٌ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ.

فَهُمْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ فَقَط، يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُم جُزْءٌ صَغِيْرٌ.

وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ: الزُّبَيْرُ، طَلْحَةُ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، أَبُو بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، مُعَاوِيَةُ.

ثُمَّ بَاقِي الصَّحَابَةِ مُقِلُّوْنَ فِي الفُتْيَا، لاَ يُرْوَى عَنِ الوَاحِدِ إِلاَّ المَسْأَلَةُ وَالمَسْأَلَتَانِ.

ثُمَّ سَرَدَ ابْنُ حَزْمٍ عِدَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم: أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَجَرِيْرٌ، وَحَسَّانٌ.

مِزْوَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا المُهَاجِرُ مَوْلَى آلِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

أَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ لِي فِيْهِنَّ يَا رَسُوْلَ اللهِ بِالبَرَكَةِ.

فَقَبَضَهُنَّ، ثُمَّ دَعَا فِيْهِنَّ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: (خُذْهُنَّ، فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ، فَخُذْ، وَلاَ تَنْثُرْهُنَّ نَثْراً).

فَقَالَ: فَحَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا وَسْقاً فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَكُنَّا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ المِزْوَدُ مُعَلَّقاً بَحَقْوِي، لاَ يُفَارِقُ حَقْوِي، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْقَطَعَ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، غَرِيْبٌ.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ قُدَامَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفَضْلِ الطُّوْسِيُّ، وَشُهْدَةُ، وَتَجْنِي الوَهْبَانِيَّةُ، قَالُوا:

أَخْبَرَنَا طِرَادٌ

الزَّيْنَبِيُّ، أَخْبَرَنَا هِلاَلٌ الحَفَّارُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سَهْلُ بنُ زِيَادٍ أَبُو زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوْبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَصَابَهُمْ عَوَزٌ مِنَ الطَّعَامٍ، فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، عِنْدَكَ شَيْءٌ؟).

قُلْتُ: شَيْءٌ مِنْ تَمْرٍ فِي مِزْوَدٍ لِي.

قَالَ: (جِئْ بِهِ).

فَجِئْتُ بِالمِزْوَدِ، فَقَالَ: (هَاتِ نِطْعاً).

فَجِئْتُ بِالنِّطْعِ، فَبَسَطَهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ، فَقَبَضَ عَلَى التَّمْرِ، فَإِذَا هُوَ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ تَمْرَةً.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (بِسْمِ اللهِ).

فَجَعَلَ يَضَعُ كُلَّ تَمْرَةٍ وَيُسَمِّي، حَتَّى أَتَى عَلَى التَّمْرِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، فَجَمَعَهُ، فَقَالَ: (ادْعُوا فُلاَناً، وَأَصْحَابَهُ).

فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَخَرَجُوا.

ثُمَّ قَالَ: (ادْعُوا فُلاَناً، وَأَصْحَابَهُ).

فَأَكَلُوا، وَشَبِعُوا، وَخَرَجُوا.

ثُمَّ قَالَ: (ادْعُوا فُلاَناً، وَأَصْحَابَهُ).

فَأَكَلُوا، وَشَبِعُوا، وَخَرَجُوا، وَفَضَلَ تَمْرٌ.

فَقَالَ لِي: (اقْعُدْ).

فَقَعَدْتُ، فَأَكَلْتُ، وَفَضَلَ تَمْرٌ، فَأَخَذَهُ، فَأَدْخَلَهُ فِي المِزْوَدِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِذَا أَرَدْتَ شَيْئاً، فَأَدْخِلْ يَدَكَ، فَخُذْ، وَلاَ تَكْفَأْ، فَيُكْفَأَ عَلَيْكَ).

قَالَ: فَمَا كُنْتُ أُرِيْدُ تَمْراً إِلاَّ أَدْخَلْتُ يَدِي، فَأَخَذْتُ مِنْهُ خَمْسِيْنَ وَسْقاً فِي سَبِيْلِ اللهِ ﷿ فَكَانَ مُعَلَّقاً خَلْفَ رَحْلِي، فَوَقَعَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، فَذَهَبَ.

هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ.

تَفَرَّدَ بِهِ: سَهْلٌ، وَهُوَ صَالِحٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - وَهُوَ فِي (أَمَالِي ابْنِ شَمْعُوْنَ)، عَنْ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلْمٍ، عَنْ حَفْصٍ الرَّبَالِيِّ.

مُسْنَدُهُ: خَمْسَةُ آلاَفٍ وَثَلاَثُ مائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسَبْعُوْنَ حَدِيْثاً.

المُتَّفَقُ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْهَا: ثَلاَثُ مائَةٍ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُوْنَ.

وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِثَلاَثَةٍ وَتِسْعِيْنَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِيْنَ حَدِيْثاً.

جَاءَ فِي آخِرِ المُجَلَّدِ الثَّالِثِ مِنَ الأَصْلِ الَّذِي اعْتَمَدْنَاهُ مَا نَصُّهُ:

تَمَّ الجُزْءُ الثَّالِثُ مِنْ كِتَابِ (سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ)، لِلشَّيْخِ، الإِمَامِ، النَّاقِدِ، البَارِعِ، شَيْخِ المُحَدِّثِيْنَ، شَمْسِ الدِّيْنِ، أَبِي عَبْدِ اللهِ، مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيِّ - أَمْتَعَ اللهُ بِحَيَاتِهِ، وَنَفَعَ المُسْلِمِيْنَ بِبَرَكَتِهِ -.

وَيَتْلُوْهُ فِي الجُزْءِ الرَّابِعِ: تَرْجَمَةُ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ؛ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ.

وَكَانَ الفَرَاغُ مِنْ نَسْخِهِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، مُسْتَهَلَّ شَهْرِ شَعْبَانَ المُبَارَكِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ.

وَالحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيْماً.

سَيَبْقَى الخَطُّ بَعْدِي فِي الكِتَابِوَتَبْلَى اليَدُ مِنِّي فِي التُّرَابِ
فَيَا لَيْتَ الَّذِي يَقْرَا كِتَابِيدَعَا لِي بِالخَلاَصِ مِنَ الحِسَابِ

كَتَبْتُ هَذِهِ النُّسْخَةَ المُبَارَكَةَ مِنْ نُسْخَةٍ بِخَطِّ: المُصَنِّفِ، الشَّيْخِ، الإِمَامِ الأَوْحَدِ، الحُجَّةِ، إِمَامِ المُحَدِّثِيْنَ، مُؤَرِّخِ الإِسْلاَمِ، شَمْسِ الدِّيْنِ، أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيِّ - فَسَحَ اللهُ فِي مُدَّتِهِ، وَنَفَعَ المُسْلِمِيْنَ بِبَرَكَتِهِ، بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعِتْرَتِهِ -.

الْجُزْءُ الْثَّالِثُ

بَقِيَّةُ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سير أعلام النبلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.