من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)
سلمة ابن الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي
(ع)
هُوَ: سَلَمَةُ بنُ عَمْرِو بنِ الأَكْوَعِ، وَاسمُ الأَكْوَعِ: سِنَانُ بنُ عَبْدِ اللهِ، أَبُو عَامِرٍ، وَأَبُو مُسْلِمٍ.
وَيُقَالُ: أَبُو إِيَاسٍ الأَسْلَمِيُّ، الحِجَازِيُّ، المَدَنِيُّ.
قِيْلَ: شَهِدَ مُؤْتَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ.
رَوَى: عِدَّةَ أَحَادِيْثَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُهُ؛ إِيَاسٌ، وَمَوْلاَهُ؛ يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وَيَزِيْدُ بنُ خُصَيْفَةَ.
قَالَ مَوْلاَهُ يَزِيْدُ: رَأَيْتُ سَلَمَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: بَايَعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَى المَوْتِ، وَغَزَوتُ مَعَهُ سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
بَيَّتْنَا هَوَازِنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، فَقَتَلْتُ بِيَدي لَيْلَتَئِذٍ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبيَاتٍ.
عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
خَرَجْتُ أَنَا وَرَبَاحٌ غُلاَمُ النَّبِيِّ ﷺ بِظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَخَرَجْتُ بِفَرسٍ لِطَلْحَةَ، فَأَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُيَيْنَةَ عَلَى الإِبِلِ، فَقَتلَ رَاعِيْهَا، وَطَرَدَ الإِبِلَ هُوَ وَأَنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ، فَقُلْتُ:
يَا رَبَاحُ! اقعُدْ عَلَى هَذَا الفَرَسِ، فَألْحِقْهُ بِطَلْحَةَ، وَأَعْلِمْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ.
وَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ، ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلاَثاً: يَا صَبَاحَاهُ! وَاتَّبَعْتُ القَوْمَ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِم، وَأَعْقِرُ بِهِم، وَذَلِكَ حِيْنَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ، قَعَدْتُ لَهُ فِي أَصلِ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَمَيْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَرمِيْهِم، وَأَقُوْلُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِوَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
وَأَصَبتُ رَجُلاً بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَكُنْتُ إِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا، عَلَوْتُ الجَبلَ، فَرَدَأْتُهُم بِالحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ شَأْنِي وَشَأْنُهُم حَتَّى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَاسْتَنْقَذْتُهُ.
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيْهِم حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِيْنَ رُمْحاً، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِيْنَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، وَلاَ يُلْقُوْنَ شَيْئاً إِلاَّ جَعَلْتُ عَلَيْهِ حِجَارَةً، وَجَمَعتُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا امتَدَّ الضُّحَى، أَتَاهُم عُيَيْنَةُ بنُ بَدْرٍ مَدَداً لَهُم، وَهُم فِي ثَنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، ثُمَّ عَلَوْتُ الجَبَلَ.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: مَا هَذَا؟
قَالُوا: لَقِيْنَا مِنْ هَذَا البَرْحَ، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ
إِلَى الآنَ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِي أَيْدِيْنَا.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلاَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ وَرَاءهُ طَلَباً لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُم.
فَصَعِدَ إِلَيَّ أَرْبَعَةٌ، فَلَمَّا أَسْمَعتُهُم الصَّوتَ، قُلْتُ: أَتَعرِفُونِي؟
قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟
قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالَّذِي أَكَرَمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لاَ يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُم فَيُدْرِكَنِي، وَلاَ أَطْلُبُهُ فَيَفُوتَنِي.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: إِنِّيْ أَظُنُّ.
فَمَا بَرِحْتُ ثَمَّ، حَتَّى نَظَرتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّلُوْنَ الشَّجَرَ، وَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَالمِقْدَادُ؛ فَولَّى المُشرِكُوْنَ.
فَأَنْزِلُ، فَأَخَذتُ بِعِنَانِ فَرَسِ الأَخْرَمِ، لاَ آمَنُ أَنْ يَقتَطِعُوكَ، فَاتَّئِدْ حَتَّى يَلْحَقَكَ المُسْلِمُوْنَ.
فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! إِنْ كُنْتَ تُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتَعلَمُ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلاَ تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ.
فَخَلَّيتُ عِنَانَ فَرَسِهِ، وَلَحِقَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُيَيْنَةَ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الأَخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، ثُمَّ قَتلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَتَحوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ، فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ، فَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَتَحوَّلَ عَلَى فَرسِهِ.
وَخَرَجْتُ أَعْدُو فِي أَثَرِ القَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ أَصْحَابِنَا شَيْئاً، وَيَعرِضُونَ قُبَيْلَ المَغِيبِ إِلَى شِعْبٍ فِيْهِ مَاءٌ، يُقَالَ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، فَأَبْصرُوْنِي أَعْدُو وَرَاءهُم، فَعَطَفُوا عَنْهُ، وَأَسْنَدُوا فِي الثَّنِيَّةِ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلاً، فَأَرمِيْهِ؛ فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَاليَوْمَ
يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَقَالَ: يَا ثُكْلَ أُمِّي، أَكْوَعِيٌّ بُكْرَةَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ.
وَكَانَ الَّذِي رَمَيتُهُ بُكْرَةَ، فَأَتْبَعتُهُ سَهْماً آخَرَ، فَعَلِقَ بِهِ سَهمَانِ.
وَيُخَلِّفُوْنَ فَرَسَينِ، فَسُقْتُهُمَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُم عَنْهُ - ذُو قَرَدٍ - وَهُوَ فِي خَمْسِ مائَةٍ، وَإِذَا بِلاَلٌ نَحَرَ جَزُوْراً مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشوِي لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ:
يَا رَسُوْلَ اللهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبَ مِنْ أَصْحَابِكَ مائَةً، فآخُذَ عَلَيْهِم بِالعَشْوَةِ، فَلاَ يَبْقَى مِنْهُم مُخَبِّرٌ.
قَالَ: (أَكُنْتَ فَاعِلاً يَا سَلَمَةُ؟).
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ فِي ضَوءِ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّهُم يُقْرَوْنَ الآنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ).
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَأَخبرَ أَنَّهُم مَرُّوا عَلَى فُلاَنٍ الغَطَفَانِيِّ، فَنَحَرَ لَهُم جَزُوْراً، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ جِلْدَهَا، رَأَوْا غَبْرَةً، فَهَرَبُوا.
فَلَمَّا أَصْبَحنَا، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (خَيْرُ فُرْسَانِنَا: أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا: سَلَمَةُ).
وَأَعطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالفَارِسِ جَمِيْعاً، ثُمَّ أَرْدَفَنِي وَرَاءهُ عَلَى العَضْبَاءِ رَاجِعِيْنَ إِلَى المَدِيْنَةِ.
فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا قَرِيباً مِنْ ضَحْوَةٍ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ كَانَ لاَ يُسبَقُ، جَعلَ يُنَادِي: أَلاَ رَجُلٌ يُسَابِقُ إِلَى المَدِيْنَةِ؟
فَأَعَادَ ذَلِكَ مِرَاراً، فَقُلْتُ: مَا تُكرِمُ كَرِيْماً وَلاَ تَهَابُ شَرِيفاً؟
قَالَ: لاَ، إِلاَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! بِأَبِي وَأُمِّي، خَلِّنِي أُسَابِقْهُ.
قَالَ: (إِنْ شِئْتَ).
وَقُلْتُ: امْضِ.
وَصَبَرْتُ عَلَيْهِ شَرفاً أَوْ شَرَفَيْنِ حَتَّى اسْتبْقَيْتُ نَفسِي، ثُمَّ إِنِّيْ عَدَوْتُ حَتَّى أَلحَقَهُ، فَأَصُكُّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقُلْتُ: سَبَقتُكَ وَاللهِ - أَوْ كَلمَةً نَحْوَهَا -.
فَضَحِكَ، وَقَالَ: إِنْ أَظُنُّ، حَتَّى قَدِمْنَا المَدِيْنَةَ.
أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ مُطوَّلاً.
العَطَّافُ بنُ خَالِدٍ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ رَزِيْنٍ، قَالَ:
أَتَينَا سَلَمَةَ ابْنَ الأَكْوَعِ بِالرَّبَذَةِ، فَأَخرَجَ إِلَيْنَا يَداً ضَخْمَةً، كَأَنَّهَا خُفُّ البَعِيرِ، فَقَالَ: بَايَعتُ بِيَدِي هَذِهِ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ.
قَالَ: فَأَخَذْنَا يَدَهُ، فَقَبَّلْنَاهَا.
الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ يَزِيْدَ الأَسْلَمِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
أَرْدَفَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِرَاراً، وَمَسَحَ عَلَى وَجْهِي مِرَاراً، وَاسْتَغْفرَ لِي مِرَاراً، عَدَدَ مَا فِي يَدَيَّ مِنَ الأَصَابِعِ.
قَالَ يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ: عَنْ سَلَمَةَ:
أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي البَدْوِ، فَأَذِنَ لَهُ.
رَوَاهُ: أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ)، عَنْ حَمَّادِ بنِ مَسْعَدَةَ، عَنْهُ.
ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ زِيَادِ بنِ مِيْنَاءَ، قَالَ:
كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ، وَرَافِعُ بنُ خَدِيْجٍ، وَسَلَمَةُ ابْنُ الأَكْوَعِ مَعَ أَشْبَاهٍ لَهُم يُفْتُوْنَ بِالمَدِيْنَةِ،
وَيُحدِّثُونَ مِنْ لَدُنْ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ إِلَى أَنْ تُوُفُّوا.
وَعَنْ عُبَادَةَ بنِ الوَلِيْدِ: أَنَّ الحَسَنَ بنَ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ:
اذْهَبْ بِنَا إِلَى سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ، فَلْنَسْأَلْهُ، فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ القُدْمِ.
فَخَرَجْنَا نُرِيْدُهُ، فَلَقِيْنَاهُ يَقُودُهُ قَائِدُهُ، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ.
وَعَنْ يَزِيْدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ:
لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، خَرَجَ سَلَمَةُ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَداً، وَقَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، نَزَلَ إِلَى المَدِيْنَةِ.
قَالَ الوَاقِدِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ.
قُلْتُ: كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التِّسْعِيْنَ، وَحَدِيْثُه مِنْ عَوَالِي (صَحِيْحِ البُخَارِيِّ).
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع