من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)
الحجاج بن يوسف الثقفي
أَهْلَكَهُ اللهُ: فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، كَهْلاً.
وَكَانَ ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ، وَإِقْدَامٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَبَلاَغَةٍ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ.
قَدْ سُقْتُ مِنْ سُوْءِ سِيْرَتِهِ فِي (تَارِيْخِي الكَبِيْرِ)، وَحِصَارِهِ لابْنِ الزُّبَيْرِ بِالكَعْبَةِ، وَرَمْيِهِ إِيَّاهَا بِالمَنْجَنِيْقِ، وَإِذْلاَلِهِ لأَهْلِ الحَرَمَيْنِ، ثُمَّ وِلاَيَتِهِ عَلَى العِرَاقِ وَالمَشْرِقِ كُلِّهِ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَحُرُوْبِ ابْنِ الأَشْعَثِ لَهُ، وَتَأْخِيْرِهِ لِلصَّلَوَاتِ إِلَى أَنِ اسْتَأْصَلَهُ اللهُ، فَنَسُبُّهُ وَلاَ نُحِبُّهُ، بَلْ نُبْغِضُهُ فِي اللهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الإِيْمَانِ.
وَلَهُ حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، وَلَهُ تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ، وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ وَالأُمَرَاءِ.
- أَبُو بُرْدَةَ بنُ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ (ع)
الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، الثَّبْتُ، حَارِثٌ - وَيُقَالُ:
عَامِرٌ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ - ابْنُ صَاحِبِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بنِ حَضَّارٍ الكُوْفِيُّ، الفَقِيْهُ، وَكَانَ قَاضِيَ الكُوْفَةِ لِلْحَجَّاجِ، ثُمَّ عَزَلَهُ بِأَخِيْهِ أَبِي بَكْرٍ.
حَدَّثَ عَنْ: أَبِيْهِ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ سَلاَمٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ، وَالبَرَاءِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَالأَغَرِّ المُزَنِيِّ، وَعِدَّةٍ.
وَيَنْزِلُ إِلَى: عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وَالرَبِيْعِ بنِ خُثَيْمٍ، وَزِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، وَطَائِفَةٍ.
حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ سَعِيْدٌ، وَيُوْسُفُ، وَالأَمِيْرُ بِلاَلٌ، وَحَفِيْدُهُ؛ بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالقَاسِمُ بنُ مُخَيْمَرَةَ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ الشَّامِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَمْرُو بنُ مُرَّةَ، وَطَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ، وَعَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ، وَعَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ، وَعَوْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَالنَّضْرُ بنُ أَنَسٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بنُ شَدَّادٍ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَأَشْعَثُ بنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ، وَحَكِيْمُ بنُ الدَّيْلَمِ، وَحُمَيْدُ بنُ هِلاَلٍ، وَطَلْحَةُ بنُ يَحْيَى بنِ طَلْحَةَ، وَأَبُو حُصَيْنٍ، وَفُرَاتُ بنُ السَّائِبِ، وَلَيْثُ بنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَبُكَيْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ، وَيُوْنُسُ بنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الاجْتِهَادِ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ.
وَقَالَ العِجْلِيُّ: كُوْفِيٌّ، تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ.
أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِيْهِ:
أَنَّ يَزِيْدَ بنَ المُهَلَّبِ لَمَّا وَلِيَ خُرَاسَانَ، قَالَ: دُلُّوْنِي عَلَى رَجُلٍ كَامِلٍ لِخِصَالِ الخَيْرِ.
فَدُلَّ عَلَى أَبِي بُرْدَةَ الأَشْعَرِيِّ، فَلَمَّا جَاءَ، رَآهُ رَجُلاً فَائِقاً، فَلَمَّا كَلَّمَهُ، رَأَى مِنْ مَخْبَرَتِهِ أَفَضْلَ مِنْ مَرْآتِهِ، فَقَالَ: إِنِّي وَلَّيْتُكَ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَمَلِي.
فَاسْتَعْفَاهُ، فَأَبَى أَنَّ يُعْفِيَهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيْرُ، أَلاَ أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ حَدَّثَنِيْهُ أَبِي إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ؟
قَالَ: هَاتِهِ.
قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (مَنْ تَوَلَّى عَمَلاً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ العَمَلِ بِأَهْلٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)، وَأَنَا أَشْهَدُ أَيُّهَا الأَمِيْرُ أَنِّي لَسْتُ بِأَهْلٍ لِمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ حَرَّضْتَنَا عَلَى نَفْسِكَ، وَرَغَّبْتَنَا فِيْكَ، فَاخْرُجْ إِلَى عَهْدِكَ، فَإِنِّي غَيْرُ مُعْفِيْكَ.
فَخَرَجَ، ثُمَّ أَقَامَ فِيْهِم مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُقِيْمَ، فَاسْتَأْذَنَ فِي القُدُوْم عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيْرُ، أَلاَ أُحَدِّثُكَ بِشَيْءٍ حَدَّثَنِيْهُ أَبِي سَمِعَهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ؟
قَالَ: قَالَ: (مَلْعُوْنٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُوْنٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْراً)، وَأَنَا سَائِلُكَ بِوَجْهِ اللهِ إِلاَّ مَا أَعْفَيْتَنِي أَيُّهَا الأَمِيْرُ مِنْ عَمَلِكَ، فَأَعْفَاهُ.
رَوَاهُ: الرُّوْيَانِيُّ فِي (مُسْنَدِهِ)، عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَأَلَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ أَبَا بُرْدَةَ بنَ أَبِي مُوْسَى: كَمْ
أَتَى عَلَيْكَ؟
قَالَ: أَشُدَّانِ - يَعْنِي: أَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِيْنَ -.
ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ فِي وَفَاةِ أَبِي بُرْدَةَ:
رَوَى: الهَيْثَمُ بنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ المَنْتُوْفِ: أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَمائَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَخَلِيْفَةُ، وَطَائِفَةٌ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمائَةٍ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ مَاتَ وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً.
وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمائَةٍ.
- أَيُّوْبُ ابْنُ القِرِّيَّةِ النَّمَرِيُّ
وَهِيَ أُمُّهُ.
وَاسْمُ أَبِيْهِ: يَزِيْدُ بنُ قَيْسِ بنِ زُرَارَةَ النَّمَرِيُّ، الهِلاَلِيُّ، أَعْرَابِيٌّ، أُمِّيٌّ، فَصِيْحٌ، مُفَوَّهٌ، يُضْرَبُ بِبَلاَغَتِهِ المَثَلُ.
وَفَدَ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ، وَعَلَى الحَجَّاجِ، فَأُعْجِبَ بِفَصَاحَتِهِ، ثُمَّ بَعَثَهُ رَسُوْلاً إِلَى ابْنِ الأَشْعَثِ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلَعَ الحَجَّاجَ، وَيَقُوْمَ بِذَلِكَ وَيَشْتِمَهُ.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَسُوْلٌ.
فَقَالَ: لَتَفْعَلَنَّ، أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ.
فَفَعَلَ، فَلَمَّا انْتَصَرَ الحَجَّاجُ، جِيءَ بِابْنِ القِرِّيَّةِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ العِرَاقِ؟
قَالَ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَقٍّ وَبِبَاطِلٍ.
قَالَ: فَأَهْلُ الحِجَازِ؟
قَالَ: أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَى فِتْنَةٍ، وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهَا.
قَالَ: فَأَهْلُ الشَّامِ؟
قَالَ: أَطْوَعُ شَيْءٍ لأُمَرَائِهِمْ.
قَالَ: فَأَهْلُ مِصْرَ؟
قَالَ: عَبِيْدُ مَنْ عَلِمْتَ.
قَالَ: فَأَهْلُ الجَزِيْرَةِ؟
قَالَ: أَشْجَعُ فُرْسَانٍ، وَأَقْتَلُ لِلأَقْرَانِ.
قَالَ: فَأَهْلُ اليَمَنِ؟
قَالَ: أَهْلُ سَمْعٍ وَطَاعَةٍ.
ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ قبَائِلِ العَرَبِ، وَعَنِ البُلْدَانِ، وَهُوَ يُجِيْبُ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَنَدِمَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ.
طَوَّلَ أَخْبَارَهُ: ابْنُ عَسَاكِرَ.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع