من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)
ذكر استخلاف عمر، ﵀ (٤)
الصفحة ١ من ٢
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر يوم طعن فما منعني أن أكون في الصف المتقدم إلا هيبته، وكان رجلا مهيبا فكنت في الصف الذي يليه، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المقدم
بوجهه فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الذي منعني منه، فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجى عمر غير بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات. قال فسمعت عمر وهو يقول هكذا بيده وقد بسطها: دونكم الكلب قد قتلني. وماج الناس فجرح ثلاثة عشر، وشد عليه رجل من خلفه فاحتضنه، واحتمل عمر وماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الصلاة عباد الله قد طلعت الشمس، فدفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن: إذا جاء نصر الله والفتح وإنا أعطيناك الكوثر، واحتمل عمر فدخل الناس عليه فقال: يا عبد الله بن عباس اخرج فناد في الناس أيها الناس إن أمير المؤمنين يقول أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله ما علمنا ولا اطلعنا، فقال: ادعوا لي طبيبا، فدعي له الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: نبيذ، فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته فقال الناس: هذا صديد، اسقوه لبنا، فسقي لبنا فخرج فقال الطبيب: ما أرى أن تمسي فما كنت فاعلا فافعل، فقال: يا عبد الله بن عمر ناولني الكتف فلو أراد الله أن يمضي ما فيها أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها، فقال: لا والله لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده وكان فيها فريضة الجد، ثم قال: ادعوا لي عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدا، فلم يكلم أحدا منهم غير علي وعثمان فقال: يا علي لعل هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك من النبي، ﷺ، وصهرك وما آتاك الله من الفقه والعلم فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه، ثم دعا عثمان فقال: يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله، ﷺ، وسنك وشرفك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس. ثم قال: ادعوا لي صهيبا، فدعي فقال: صل بالناس ثلاثا وليخل
هؤلاء القوم في بيت فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه. فلما خرجوا من عند عمر قال عمر: لو ولوها الأجلح سلك بهم الطريق، فقال له بن عمر: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا. ثم دخل عليه كعب فقال: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قد أنبأتك أنك شهيد فقلت من أين لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب؟
قال: أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي قال: أخبرنا حاتم بن أبي صفيرة عن سماك أن عمر بن الخطاب لما حضر قال إن أستخلف فسنة وإلا أستخلف فسنة، توفي رسول الله، ﷺ، ولم يستخلف، وتوفي أبو بكر فاستخلف. فقال علي: فعرفت والله أنه لن يعدل بسنة رسول الله، ﷺ، فذاك حين جعلها عمر شورى بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وقال للأنصار أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام فإن استقاموا وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة عن حسين بن عمران عن شيخ عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى بن عباس وعنده بن عمر وسعيد بن زيد فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا ولم أستخلف بعدي أحدا وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. قال سعيد بن زيد بن عمرو: إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس، فقال عمر: قد رأيت من أصحابي
حرصا سيئا وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله، ﷺ، وهو عنهم راض. ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة بن الجراح.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عمر: من أستخلف لو كان أبو عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فأين أنت من عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا ليس يحسن يطلق امرأته!
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة أن بن عمر قال لعمر بن الخطاب: لو استخلفت، قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلا حتى يرجع؟ قال حماد: فسمعت رجلا يحدث أيوب أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني. فلما عرض بهذا ظننت أنه ليس بمستخلف.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد قال: قال ناس لعمر بن الخطاب: ألا تعهد إلينا؟ ألا تؤمر علينا؟ قال: بأي ذلك آخذ فقد تبين لي.
قال: أخبرنا شهاب بن عباد العبدي قال: حدثنا إبراهيم بن حميد عن بن أبي خالد قال: أخبرنا جبير بن محمد بن مطعم بن جبير بن مطعم قال: أخبرت أن عمر قال لعلي: إن وليت من أمر المسلمين شيئا فلا تحملن بني عبد المطلب على رقاب الناس، وقال لعثمان: يا عثمان إن وليت من أمر
المسلمين شيئا فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال بن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: دخل الرهط على عمر قبيل أن ينزل به عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي والزبير وسعد فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون فيكم، فإن كان شقاق فهو فيكم، وإنما الأمر إلى الستة: إلى عبد الرحمن وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد، وكان طلحة غائبا في أمواله بالسراة، ثم إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة، لعبد الرحمن وعثمان وعلي، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا علي فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. ثم قال: قوموا فتشاوروا فأمروا أحدكم. قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولا والله ما أحب أني كنت فيه عالما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه قط إلا كان حقا، فلما أكثر عثمان علي قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟ فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد فقال عمر: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ثم اجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.
قال بن شهاب قال سالم: قلت لعبد لله ابدأ بعبد الرحمن قبل علي؟ قال: نعم والله.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا، قال: قال عمر: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها
وباللين الذي لا وهن فيه.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن بن شهاب قال: كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد نقاش نجار. فكتب إليه عمر فأذن له أن يرسل به إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم كل شهر، فجاء إلى عمر يشتكي إليه شدة الخراج فقال له عمر: ماذا تحسن من العمل؟ فذكر له الأعمال التي يحسن، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في كنه عملك. فانصرف ساخطا يتذمر فلبث عمر ليالي، ثم إن العبد مر به فدعاه فقال له: ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت العبد ساخطا عابسا إلى عمر، ومع عمر رهط، فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس. فلما ولى العبد أقبل عمر على الرهط الذين معه فقال لهم: أوعدني العبد آنفا، فلبث لي ليالي ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في غلس السحر فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة صلاة الفجر، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته، ثم انحاز أيضا على أهل المسجد فطعن من يليه حتى طعن سوى عمر أحد عشر رجلا، ثم انتحر بخنجره، فقال عمر حين أدركه النزف وانقصف الناس عليه: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصل بالناس، ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه. قال بن عباس: فاحتملت عمر في رهط حتى أدخلته بيته، ثم صلى بالناس عبد الرحمن فأنكر الناس صوت عبد الرحمن فقال بن عباس: فلم أزل عند عمر ولم يزل في غشية
واحدة حتى أسفر الصبح، فلما أسفر أفاق فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ قال فقلت: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى ثم قال: اخرج يا عبد الله بن عباس فسل من قتلني، قال بن عباس: فخرجت حتى فتحت باب الدار فإذا الناس مجتمعون جاهلون بخبر عمر، قال فقلت: من طعن أمير المؤمنين؟ فقالوا: طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال فدخلت فإذا عمر يبد في النظر يستأني خبر ما بعثني إليه فقلت أرسلني أمير المؤمنين لأسأل من قتله فكلمت الناس فزعموا أنه طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، ثم طعن معه رهطا، ثم قتل نفسه. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني. قال سالم فسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال عمر أرسلوا إلي طبيبا ينظر إلى جرحي هذا. قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقى عمر نبيذا فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، قال فدعوت طبيبا آخر من الأنصار ثم من بني معاوية فسقاه لبنا فخرج اللبن من الطعنة يصلد أبيض، قال فقال له الطبيب: يا أمير المؤمنين اعهد، فقال عمر: صدقني أخو بني معاوية ولو قلت غير ذلك لكذبتك. قال فبكى عليه القوم حين سمعوا فقال: لا تبكوا علينا، من كان باكيا فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله، ﷺ، قال: يعذب الميت ببكاء أهله عليه، فمن أجل ذلك كان عبد الله بن عمر لا يقر أن يبكى عنده على هالك من ولده ولا غيرهم. وكانت عائشة زوج النبي، ﷺ، تقيم النوح على الهالك من أهلها فحدثت بقول عمر عن رسول الله، ﷺ، فقالت: يرحم الله عمر وابن عمر فوالله ما كذبا ولكن عمر وهل، إنما مر رسول الله، ﷺ، على نوح يبكون على هالك لهم فقال: إن هؤلاء يبكون وإن صاحبهم
ليعذب، وكان قد اجترم ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن عمارة عن أبي الحويرث قال: لما قدم غلام المغيرة بن شعبة ضرب عليه عشرين ومائة درهم كل شهر، أربعة دراهم كل يوم. قال وكان خبيثا إذا نظر إلى السبي الصغار يأتي فيمسح رؤوسهم ويبكي ويقول: إن العرب أكلت كبدي. فلما قدم عمر من مكة جاء أبو لؤلؤة إلى عمر يريده فوجده غاديا إلى السوق وهو متكئ على يد عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين إن سيدي المغيرة يكلفني ما لا أطيق من الضريبة، قال عمر: وكم كلفك؟ قال: أربعة دراهم كل يوم، قال: وما تعمل؟ قال: الأرحاء، وسكت عن سائر أعماله. فقال: في كم تعمل الرحى؟ فأخبره، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره، فقال: لقد كلفك يسيرا، انطلق فأعط مولاك ما سألك. فلما ولى قال عمر: ألا تجعل لنا رحى؟ قال: بلى أجعل لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار. ففزع عمر من كلمته، قال وعلي معه فقال: ما تراه أراد؟ قال: أوعدك يا أمير المؤمنين، قال عمر: يكفيناه الله، قد ظننت أنه يريد بكلمته غورا.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: كان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: لما طعن عمر هرب أبو لؤلؤة، قال وجعل عمر ينادي: الكلب الكلب. قال: فطعن نفرا فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش عبد الله بن عوف الزهري وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ورجل من بني سهم فطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه فانتحر بالخنجر حين أخذ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه
قال: إنما طعن نفسه به حتى قتل نفسه، واحتز عبد الله بن عوف الزري رأس أبي لؤلؤة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن محمد بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت عمر يقول لقد طعنني أبو لؤلؤة وما أظنه إلا كلبا حتى طعنني الثالثة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما طعن عمر بن الخطاب اجتمع الناس إليه، البدريون المهاجرون والأنصار، فقال لابن عباس: اخرج إليهم فسلهم: عن ملأ منكم ومشورة كان هذا الذي أصابني؟ قال فخرج بن عباس فسألهم فقال: القوم لا والله ولوددنا أن الله زاد في عمرك من أعمارنا.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح قال: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب يوم أصيب عليه إزار أصفر، قال وكنت أدع الصف الأول هيبة له وكنت في الصف الثاني يومئذ، قال فجاء فقال: الصلاة عباد الله استووا، ثم كبر، قال فطعنه طعنة أو طعنتين، قال وعليه إزار أصفر قد رفعه على صدره فأهوى وهو يقول: وكان أمر الله قدرا مقدروا. قال ومال على الناس فقتل وجرح بضعة عشر، فمال الناس عليه فاتكأ على خنجره فقتل نفسه.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون قال: لما طعن عمر تلك الطعنة انصرف وهو يقول: وكان أمر الله قدرا مقدورا، قال فطلبوا القاتل وكان عبدا للمغيرة بن شعبة، وكان في يده خنجر له طرفان، قال فجعل لا يدنو منه أحد إلا طعنه فجرح ثلاثة عشر رجلا، فأفلت أربعة ومات تسعة، أو أفلت تسعة ومات أربعة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا مسعر عن مهاجر عن عمرو بن ميمون قال: صلى عمر الفجر في العام الذي أصيب فيه فقرأ: لا أقسم بهذا البلد والتين والزيتون.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد قال: أخبرنا أبو عوانة عن رقبة بن مصقلة عن أبي صخرة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت عمر بن الخطاب حين طعن يقول: وكان أمر الله قدرا مقدورا.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا العمري عن نافع عن بن عمر عن عمر أنه كان يكتب إلى أمراء الجيوش: لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا جرت عليه المواسي. فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: من هذا؟ قالوا: غلام المغيرة بن شعبة، قال: ألم أقل لكم لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا؟ فغلبتموني.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر من حين طعن وطعن الذي طعنه ثلاثة عشر أو تسعة عشر فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن، بالعصر وإذا جاء نصر الله، في الفجر.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: طعن الذي طعن عمر اثني عشرة رجلا بعمر فمات منهم ستة بعمر وأفرق ستة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن عمر بن أبي عاتكة عن أبيه عن بن عمر قال: لما طعن عمر حمل فغشي عليه فأفاق فأخذنا بيده، قال ثم أخذ عمر بيدي فأجلسني خلفه وتساند إلي وجراحه تشعب دما إني لأضع إصبعي هذه الوسطى فما تسد الرتق، فتوضأ ثم صلى الصبح فقرأ في الأولى والعصر، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون.
قال: أخبرنا وهب بن جرير وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا جرير
ابن حازم قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: رأى عبد الرحمن بن عوف السكين التي قتل بها عمر فقال: رأيت هذه أمس مع الهرمزان وجفينة فقلت: ما تصنعان بهذه السكين؟ فقالا: نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم. فقال له عبيد الله بن عمر: أنت رأيتها معهما؟ قال: نعم. فأخذ سيفه ثم أتاهما فقتلهما فأرسل إليه عثمان فأتاه فقال: ما حملك على قتل هذين الرجلين وهما في ذمتنا؟ فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناس إليه فحجزوه عنه، قال وقد كان حين بعث إليه عثمان تقلد السيف فعزم عليه عبد الرحمن أن يضعه فوضعه.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي قال: أخبرنا مسلم بن خالد قال: حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن أسلم أنه لما طعن عمر قال: من أصابني؟ قالوا: أبو لؤلؤة، واسمه فيروز، غلام المغيرة بن شعبة، قال: قد نهيتكم أن تجلبوا علينا علوجهم أحدا فعصيتموني.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة ان بن عباس دخل على عمر بعدما طعن فقال: الصلاة، فقال: نعم لا حظ لامرئ في الإسلام أضاع الصلاة. فصلى والجرح يثعب دما.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب بن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة أن عمر لما طعن جعل يغمى عليه فقيل إنكم لن تفزعوه بشيء مثل الصلاة إن كانت به حياة؛ فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، الصلاة قد صليت فانتبه فقال: الصلاة هاء الله إذا ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، قال فصلى وإن جرحه ليثعب دما.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها المسور بن مخرمة قال: دخلت على عمر بن الخطاب حين طعن أنا وابن العباس وأوذن بالصلاة فقيل: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال فرفع رأسه فقال: الصلاة، ولا حظ
في الإسلام لمن ترك الصلاة. قال فصلى وإن جرحه ليثعب دما، قال ودعي له طبيب فسقاه نبيذا فخرج مشاكلا للدم، فسقاه لبنا فخرج أبيض فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك. فذاك حين دعا أصحاب الشورى.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال: أخبرنا مسعر عن سماك قال: سمعت بن عباس قال: دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه فقال: بأي شيء تثني علي، بالإمرة أو بغيرها؟ قال: قلت بكل؟ قال: ليتني أخرج منها كفافا لا أجر ولا وزر.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي وعبيد الله بن موسى عن مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت بن عباس يقول: قلت لعمر مصر الله بك الأمصار وفتح بك الفتوح وفعل بك وفعل، فقال: لوددت أني أنجو منه لا أجر ولا وزر.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة قال: بالإمارة تغبطونني؟ فوالله لوددت أني أنجو كفافا لا علي ولا لي. قال مالك: فقال سليمان بن يسار للوليد بن عبد الملك ذلك فقال: كذبت، فقال سليمان أو كذبت.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة قالا: قال: بن شهاب أخبرنا سليمان بن يسار عن حديث المسور بن مخرمة عن عمر ليلة طعن دخل هو وابن عباس فلما أصبح أفزعوه وقالوا: الصلاة، ففزع فقال: نعم ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى والجرح يثعب دما.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس عن كثير النواء عن أبي عبيد مولى بن عباس عن بن عباس قال: كنت مع علي فسمعنا الصيحة على عمر، قال فقام وقمت معه حتى دخلنا عليه البيت الذي
هو فيه فقال: ما هذا الصوت؟ فقالت له امرأة: سقاه الطبيب نبيذا فخرج وسقاه لبنا فخرج، فقال: لا أرى تمسي، فما كنت فاعلا فافعل. فقالت أم كلثوم: وا عمراه! وكان معها نسوة فبكين معها وارتج البيت بكاء فقال عمر: والله لو أن لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع. فقال بن عباس: والله إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله: وإن منكم إلا واردها إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وأمين المؤمنين وسيد المؤمنين تقضي بكتاب الله وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي فاستوى جالسا فقال: أتشهد لي بهذا يا بن عباس؟ قال فكففت فضرب على كتفي فقال: اشهد لي بهذا يا بن عباس؟ قال قلت: نعم أنا أشهد.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة قال: أخبرنا بن عون عن محمد بن سيرين قال: لما طعن عمر جعل الناس يدخلون عليه فقال لرجل: انظر، فأدخل يده فنظر، فقال: ما وجدت؟ فقال: إني أجده قد بقي لك من وتينك ما تقضي منه حاجتك، قال: أنت أصدقهم وخيرهم. قال فقال رجل: والله إني لأرجو أن لا تمس النار جلدك أبدا. قال فنظر إليه حتى رثينا أو أوينا له ثم قال: إن علمك بذلك يا فلان لقليل، لو أن ما في الأرض لي لافتديت به من هول المطلع.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة قال: أخبرنا عوف عن محمد قال: قال بن عباس لما كان غداة أصيب عمر كنت فيمن احتمله حتى أدخلناه الدار، قال: فأفاق إفاقة فقال: من أصابني؟ قلت: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال عمر: هذا عمل أصابك، كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي فغلبتموني على أن غلبت على عقلي، فاحفظ مني اثنتين: إني لم أستخلف أحدا ولم أقض في الكلالة شيئا، قال عوف وقال غير محمد إنه قال: لم أقض في الجد والأخوة شيئا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا عبد الله بن طاؤوس عن أبيه عن بن عباس أنه دخل على عمر لما أصيب فقال: يا أمير المؤمنين إنما أصابك رجل يقال له أبو لؤلؤة، فقال: إني أشهدكم أني لم أقض في ثلاثة إلا بما أقول لكم، جعلت في العبد عبدا وفي بن الأمة عبدين.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: أخبرنا داود بن عبد الرحمن الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: أخبرنا بن عباس بالبصرة قال: أنا أول من أتى عمر بن الخطاب حين طعن فقال: احفظ مني ثلاثا، فإني أخاف أن لا يدركني الناس، أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء، ولم أستخلف على الناس خليفة، وكل مملوك لي عتيق، قال فقال له الناس: استخلف، فقال: أي ذلك ما أفعل فقد فعله من هو خير مني، إن أترك للناس أمرهم فقد تركه نبي الله ﷺ وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، فقلت: أبشر بالجنة، صاحبت رسول الله فأطلت صحبته، ووليت أمر المؤمنين فقويت وأديت الأمانة، فقال: أما تبشيرك إياي بالجنة فوالله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك في إمرة المؤمنين فوالله لوددت أن ذلك كفاف لا لي ولا علي، وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله، ﷺ، فذاك.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت تاسع تسعة عشر رجلا حين طعن عمر فأدخلناه فشكا إلينا ألم الوجع.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا يوسف بن سعد عن عبد الله بن حنين عن شداد بن أوس عن كعب
قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي، ﷺ، أن يقول له: اعهد عهدك واكتب إلي وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان في اليوم الثالث وقع بين الجدر وبين السرير ثم جأر إلى ربه فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتبعت هواك وكنت وكنت، فزدني في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته. فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله، فأخبر بذلك عمر فقال عمر: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد والفضل بن دكين قالا: أخبرنا هارون بن أبي إبراهيم عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب لما طعن قال له الناس: يا أمير المؤمنين لو شربت شربة، فقال: اسقوني نبيذا، وكان من أحب الشراب إليه، قال فخرج النبيذ من جرحه مع صديد الدم فلم يتبين لهم ذلك أنه شرابه الذي شرب، فقالوا: لو شربت لبنا، فأتي به فلما شرب اللبن خرج من جرحه، فلما رأى بياضه بكى وأبكى من حوله من أصحابه، فقال: هذا حين، لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، قالوا: وما أبكاك إلا هذا؟ قال: ما أبكاني غيره، قال فقال له بن عباس: يا أمير المؤمنين والله إن كان إسلامك لنصرا وإن كانت إمامتك لفتحا، والله لقد ملأت إمارتك الأرض عدلا، ما من اثنين يختصمان إليك إلا انتهيا إلى قولك. قال فقال عمر: أجلسوني، فلما جلس قال لابن عباس: أعد علي كلامك، فلما أعاد عليه قال: أتشهد لي بذلك عند الله يوم تلقاه؟ فقال بن عباس: نعم
قال ففرح عمر بذلك وأعجبه.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب حين طعن جاء الناس يثنون عليه ويودعونه فقال عمر: أبالإمارة تزكونني؟ لقد صحبت رسول الله، ﷺ، فقبض الله رسوله وهو عني راض، ثم صحبت أبا بكر فسمعت وأطعت فتوفي أبو بكر وأنا سامع مطيع، وما أصبحت أخاف على نفسي إلا إمارتكم هذه.
قال: أخبرنا يحيى بن خليف بن عقبة قال: أخبرنا بن عون عن محمد بن سيرين قال: لما طعن عمر جعل الناس يدخلون عليه فقال: لو أن لي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع