من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
عبد الرحمن بن عوف
بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو محمد.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشّورى الذين أخبر عمر عن رسول اللَّه ﷺ أنه توفي وهو عنهم راض، وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان، ثبت ذلك في الصحيح.
واسم أمّه صفية، ويقال الصفاء، حكاه ابن مندة. ويقال الشفاء، وهي زهريّة أيضا، أبوها عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، حكاه أبو عمر.
ولد بعد الفيل بعشر سنين، وذكره ابن أبي خيثمة عن المدائني، وأسلم قديما قبل دخول دار الأرقم، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا وسائر المشاهد.
وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال عبد عمرو، فغيّره النبيّ ﷺ. وجزم ابن مندة بالثاني.
وأخرجه أبو نعيم بسند حسن، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، كما ثبت في الصحيح من حديث أنس، وبعثه النبيّ ﷺ إلى دومة الجندل، وأذن له أن يتزوّج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي، ففتح عليه، فتزوّجها وهي تماضر أم ابنه أبي سلمة.
روى عن النبيّ ﷺ، وعن عمر.
روى عنه أولاده: إبراهيم، وحميد، وعمر، ومصعب، وأبو سلمة، وابن ابنه المسور بن إبراهيم، وابن أخته المسور بن مخرمة، وابن عباس، وابن عمر، وجبير بن مطعم، وجابر، وأنس، ومالك بن أوس بن الحدثان، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، وبجالة بن عبدة، وآخرون.
وقال أبو نعيم: روى عنه عمر، فقال فيه العدل الرضى.
وعن نيار الأسلمي، عن أبيه: كان عبد الرحمن ممن يفتي على عهد رسول اللَّه ﷺ، رواه الواقدي.
وقال معمر، عن الزهري: تصدّق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول اللَّه ﷺ بشطر ماله، ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه وخمسمائة راحلة، وكان أكثر ماله من التجارة وقيل: إنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا.
أخرجه ابن المبارك، وروى أحمد في مسندة، من طريق حميد، عن أنس: كان بين خالد بن الوليد، وعبد الرحمن كلام، فقال خالد: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فقال النبيّ ﷺ: «دعوا لي أصحابي ... » الحديث.
وروى الزهري، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف- أن عبد الرحمن مرض فأغمي عليه فصاحت امرأته، فلما أفاق قال: أتاني رجلان فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فلقيهما رجل فقال: لا تنطلقا به، فإنه ممن سبقت له السعادة في بطن أمه.
وقال ابن المبارك في «الزّهد»: أنبأنا شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه، كان عبد الرحمن يصلّي قبل الظهر صلاة طويلة، فإذا سمع الأذان شدّ عليه ثيابه وخرج.
وهو [الّذي رجع] عمر بحديثه من سرغ، ولم يدخل الشام من أجل الطاعون.
قال الزّهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه وعبد اللَّه بن عامر- أنّ عمر رجع بالناس لحديث عبد الرحمن، وهو في الصحيحين بتمامه، ورجع إليه عمر في أخذ الجزية من المجوس. رواه البخاري.
وذكر خليفة بسند له قويّ عن ابن عمر، قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حجّ عمر في بقية عمره، وصلّى رسول اللَّه ﷺ خلفه في سفرة سافرها ركعة من صلاة الصبح، أخرجه من حديث المغيرة بن شعبة.
وأخرج علي بن حرب في فوائده، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح- أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: «الّذي يحافظ على أزواجي من بعدي هو الصّادق البارّ».
فكان عبد الرحمن بن عوف يخرج بهنّ، ويحجّ معهن، ويجعل على هوادجهنّ الطيالسة، وينزل بهنّ في الشّعب الّذي ليس له منفذ.
وقال عمر: عبد الرحمن سيد من سادات المسلمين.
وأخرج الحارث بن أبي أسامة، عن عليّ- رفعه في قصة، قال: عبد الرحمن أمين في السماء، وأمين في الأرض.
وفي سنده أبو معلى الجزري.
وأخرج الزّبير بن بكّار، من طريق سهلة بنت عاصم، قالت: كان عبد الرحمن بن عوف أبيض أعين، أهدب أقنى، له جمّة أسفل من أذنيه.
وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: كان طويلا أبيض مشربا حمرة، حسن الوجه، دقيق البشرة، لا يخضب. ويقال: إنه جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة.
وأخرج السراج، من طريق إبراهيم بن سعد، قال: بلغني أنّ عبد الرحمن أصيب في رجله، فكان أعرج.
وأخرج الطّبرانيّ من طريق سهلة بنت عاصم: كان عبد الرحمن أبيض أعين، أهدب الأشعار، أقنى، طويل النابين الأعليين، له جمّة، أعنق، ضخم الكفين، غليظ الأصابع.
وأخرج التّرمذيّ والسّرّاج في «تاريخه» من طريق نوفل بن إياس الهذلي، قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليسا، ونعم الجليس، فانقلب بنا ذات يوم إلى منزله فدخل فاغتسل، ثم خرج، فأتانا بقصعة فيها خبز ولحم ثم بكى، فقلنا: ما يبكيك يا أبا محمد؟
قال: مات رسول اللَّه ﷺ ولم يشبع هو وأهله من خبز الشعير، ولا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وقال جعفر بن برقان: بلغني أنّ عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة.
أخرجه أبو نعيم في الحلية. ومن وجه آخر عن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان عبد الرحمن حرّم الخمر في الجاهلية.
وذكر البخاريّ في «تاريخه»، من طريق الزهري، قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدرا بأربعمائة دينار، فكانوا مائة رجل.
مات سنة إحدى وثلاثين. وقيل سنة اثنتين، وهو الأشهر. وعاش اثنتين وسبعين سنة، وقيل ثمانيا وسبعين، والأول أثبت، ودفن بالبقيع، وصلّى عليه عثمان، ويقال الزبير بن العوام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع