من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
الفرزدق (٢)
ماذا روى «الإصابة في تمييز الصحابة» عن الفرزدق؟
قال أبو موسى المديني: أورده أبو بكر بن أبي علي، وأخرج من طريق أبي الدحداح عن شعيب بن عمرو، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن الفرزدق- أنه أتى النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله فقرأ عليه:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ إلى آخر السورة، فقال حسبي، لا أبالي ألّا أسمع غيرها.
قال أبو موسى: هذا وهم، ولعله أراد عن صعصعة عمّ الفرزدق، مع أن صعصعة إنما هو عم الأحنف.
قلت: وهو الّذي لا يتجه غيره، فقد أخرجه النسائي في التفسير من الكبرى من طريق جرير بن حازم، عن الحسن: حدثنا صعصعة عمّ الفرزدق.
قال ابن الأثير: صعصعة بن معاوية هذا عمّ الأحنف لا الفرزدق، وصعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق لا عمه، لأنه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية. وهذا تعقّب ساقط، فإنّهما من بني تميم جميعا، والعرب تطلق على الكبير عم الصغير. ويجوز أن يكون عمه من قبل أم
أو من الرضاعة. وقد ذكر المرزباني في معجم الشعراء أن الفرزدق قارب المائة، وأنه مات سنة عشر ومائة، وأنّ الرياشي روى عن سعيد بن عامر أن الفرزدق بلغ مائة وثلاثين سنة، قال: والأول أثبت قال: روى الفرزدق أنه قال: خضت الهجاء في زمن عثمان.
قلت: فهذا يدل على أنه قارب المائة، لأنه بين وفاته ووفاة عثمان خمس وسبعون سنة: قتل عثمان في آخر خمس وثلاثين، وأقلّ ما يبلغ من يخوض الهجاء من يقارب العشرين.
وقال المرزبانيّ: صحّ أنه قال الشعر أربعا وسبعين سنة، لأن أباه أتى إلى عليّ فقال:
إن ابني شاعر، وذلك في سنة ست وثلاثين.
وقال المرزبانيّ: كان الفرزدق منشدا جوادا فاضلا وجيها عند الخفاء والأمراء، وأكثر أهل العلم يقدمونه على جرير، ومن تشبيهات الفرزدق قوله:
والشّيب ينهض في الشّباب كأنّهليل يصيح بجانبيه نهار
وهو القائل:
تصرّم عنّي ودّ بكر بن وائلوما خلت دهري ودّهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونهاوقد يملأ القطر الإناء فيعمم
وقال المرزبانيّ: وفد غالب على عليّ، ومعه ابنه الفرزدق، فقال له: من أنت؟ قال أنا غالب بن صعصعة المجاشعي، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم قال: فما فعلت إبلك؟
قال: دعدعتها الحقوق والنوائب. قال: ذاك خير سبيلها. فقال: من هذا الفتى معك؟ قال:
ابني الفرزدق، وهو شاعر، فقال: علّمه القرآن، فإنه خير له من الشعر.
قال: فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه وآلى أن لا يحلّ نفسه حتى يحفظ القرآن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع