من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وعشرين وثمانمائة
فيها توفي الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل بن الأفضل عبّاس بن المجاهد علي صاحب اليمن.
استقرّ في المملكة بعد أبيه سنة ثلاث وثمانمائة، وجرت له كائنات، وكان فاجرا جائرا.
قال ابن حجر: مات بسبب صاعقة سقطت على حصنه من زجاج فارتاع من صوتها فتوعك.
ثم مات في سادس عشر جمادى الآخرة.
قال الله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها من يَشاءُ.
انتهى بحروفه.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الله البوتيجي الشافعي.
تفقه ومهر، وحفظ «المنهاج» وكان يتكسّب بالشهادة، ثم تركها تورعا.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن أحمد النّويري المكّي المالكي، قاضي مكّة وإمام المالكية بحرمها الشريف وابن إمامهم.
ولد في صفر سنة ثمانين وسبعمائة، وسمع على والده، والعفيف عبد الله،
وبقراءة أخيه عبد العزيز المذكور في السنة التي قبلها على الشيخ نصر الله بن أحمد البغدادي الحنبلي، ومن جماعة أخر بمكّة. وحفظ «رسالة ابن أبي زيد المالكي» وتفقه على الشريف أبي الخير الفاسي وغيره، وأفتى، ودرّس، وولي بعد وفاة والده بمدة إمامة المالكية بالحرم، ثم بعد مدة طويلة ولي القضاء فلم يتمّ أمره، ودام مصروفا إلى أن توفي قبيل العصر من يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن بالمعلاة، وكان له ثروة.
وفيها القاضي محبّ الدّين أحمد بن الشيخ جمال الدّين محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي الشافعي قاضي مكّة وابن قاضيها، ومفتيها وابن مفتيها.
ولد في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وحفظ «المنهاج» وعدة كتب، وتفقه بوالده وغيره، وأذن له في الإفتاء الشّهاب الغزّي، والشّهاب ابن حجي، وغيرهما.
وكان ماهرا في الفقه والفرائض، حسن السيرة في القضاء، ولي من سنة ثماني عشرة إلى أن مات.
وتوفي في جمادى الأولى، وخلت مكّة بعده ممن يفتي فيها على مذهب الشافعي. قاله ابن حجر.
وفيها زين الدّين أبو بكر بن عمر بن محمد الطّريني ثم المحلّي المالكي الشيخ الفاضل المعتقد.
كان صالحا، ورعا، حسن المعرفة بالفقه، قائما في نصر الحق، وله أتباع وصيت كبير.
وتوفي في حادي عشر ذي الحجّة وقد جاوز الستين.
وفيها الملك العادل فخر الدّين أبو المفاخر سليمان بن الملك الكامل
غازي بن محمد بن أبي بكر بن شادي صاحب حصن كيفا وابن صاحبه.
تسلطن في الحصن بعد موت أبيه، وحسنت أيامه، وكان مشكور السيرة، محبّبا للرعية، مع الفضيلة التّامة، والذكاء، والمشاركة الحسنة، وله نظم، ونثر، وديوان شعر لطيف.
ومن شعره:
أريعان الشّباب عليك منّيسلام كلّما هبّ النّسيم
سروري مع زمانك قد تناءىوعندي بعده وجد مقيم
فلا برحت لياليك الغواديوبدر التّمّ لي فيها نديم
يغازلني بغنج والمحيّايضيء وثغره درّ نظيم
وقد مثل لدنّ إن تثنّىوريقته بها يشفي السّقيم
إذا مزجت رحيق مع رضابونحن بليل طرّته نهيم
ونصبح في ألذّ العيش حتّىتقول وشاتنا هذا النّعيم
ونرتع في رياض الحسن طوراوطورا للتّعانق نستديم
واستمرّ في مملكة الحصن إلى أن توفي، وأقيم بعده ولده الملك الأشرف أحمد المقتول بيد أعوان قرايلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
وفيها عبيد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن زبد- بالزاي والباء الموحدة - البعلبكي الشافعي، المعروف بان زبد.
ولد سنة ستين وسبعمائة تقريبا، وتفقه على ابن الشّريشي، والقرشي، وغيرهما بدمشق. ثم ولي قضاء بلده قبل اللّنك، ودرّس وأفتى، ثم ولي قضاء طرابلس في سنة عشر، ثم ولاه المؤيد قضاء دمشق عوضا عن نجم الدّين بن حجي في سنة تسع عشرة، ثم في سنة ست وعشرين في أيام الأشرف، وكانت مدته في الولايات يسيرة جدا الأولى ستة أشهر، والثانية شهرا ونصفا. ولما صرف في النّوبة الثانية حصل له ذلّ كبير، وقهر زائد، وذهب غالب ما كان حصّله في عمره، ولحقه فالج، فاستمرّ به إلى أن مات في ربيع الأول. قاله ابن حجر.
وفيها أبو محمد بن عبد الله بن مسعود بن علي الملبّي المعروف بابن القرشية.
أخذ عن أبيه عن الوادياشي، وعن أبي عبد الله بن عرفة، وأبي علي عمر بن قدّاح الهواري، وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية.
أخذ عنه «المسلسل بالأولية» و «مصافحة المعمّرين» وأبي عبد الله بن مرزوق في آخرين تتضمنهم «فهرسته» التي أجاز فيها لابن أخيه أبي الفرج سرور بن عبد الله القرشي.
وتوفي بتونس على ما ذكره ابن أخيه سرور.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الزّرندي المدني الحنفي قاضي الحنفية بالمدينة المنورة.
ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة، وسمع على عزّ الدّين بن جماعة، وصلاح الدّين العلائي، وأجاز له الزّبير بن علي الأسواني، فكان خاتمة أصحابه.
وتوفي في ربيع الأول.
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن أبي الفتح محمد بن أبي المكارم أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني الفاسي الأصل المكي الحنبلي أخو قاضي القضاة سراج الدّين عبد اللّطيف الحنبلي.
ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقرأ، وتفقه، وناب في الحكم عن أخيه شقيقه سراج الدّين المذكور.
وتوفي بمكة في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، ودفن بالمعلاة.
قاله تقي الدّين الفاسي في «تاريخه».
وفيها نور الدّين علي [بن محمد] بن عبد الكريم الفوي.
قال ابن حجر: سمع من الشيخ جمال الدّين بن نباتة، وأحمد بن يوسف الخلاطي، وغيرهما. وحدّث بالكثير.
سمعت عليه «السيرة النبوية» لابن هشام ونعم الشيخ كان.
مات في خامس ذي الحجّة وبلغ الستين.
وفيها نور الدّين علي بن لؤلؤ.
قال ابن حجر: كان عالما متورّعا، لا يأكل إلّا من عمل يده، ولم يتقلّد وظيفة قطّ، ولازم الإقراء بالجامع الأزهر وغيره، وانتفع الناس به، وله مقدّمة في العربية سهلة المأخذ.
مات في عشر الستين. انتهى.
وفيها عيسى بن يحيى الرّيغي- براء، ومثناة تحية، وغين معجمة، نسبة
إلى ريغة إقليم بالمغرب- المغربي المالكي، نزيل مكة.
قال الفاسي: كان خيرا متعبدا معتنيا بالعلم نظرا وإفادة، وله في النحو وغيره يد، وسمع الحديث بمكّة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها، وكان كثير السعي في مصالح الفقراء والطّرحاء، وجمعهم من الطرقات إلى البيمارستان المستنصري بالجانب الشامي من المسجد الحرام، وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحجّ إلى مكّة من منى، وجاور بمكة سنين كثيرة تقارب العشرين وتأهل فيها بنساء من أعيان مكة، ورزق بها أولادا، وبها توفي ليلة الاثنين سلخ المحرم، ودفن بالمعلاة وهو في عشر الستين ظنا وفيها محمد بن أحمد بن المبارك الحموي بن الخرزي الحنفي ولد قبل سنة ستين وسبعمائة، واشتغل على الصّدر منصور وغيره من أشياخ الحنفية بدمشق، ثم سكن حماة، وتحول إلى مصر بعد اللّنك، وناب في الحكم، ثم تحوّل إلى دمشق، ودرّس، وكان مشاركا في عدة فنون إلّا أن يده في الفقه ضعيفة، وكان كثير المرض. وتوفي في شعبان.
وفيها بدر الدّين محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي النحوي الأديب.
قال السيوطي في «طبقات النّحاة»: ولد بالإسكندرية سنة أربع وستين وسبعمائة، وتفقه، وتعانى الأدب ففاق في النحو والنّظم، والنّثر، والخط، ومعرفة الشّروط، وشارك في الفقه وغيره، وناب في الحكم، ودرّس بعدة مدارس، وتقدم، ومهر، واشتهر ذكره، وتصدّر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، ثم رجع إلى
الإسكندرية، واستمرّ يقرئ بها، ويحكم، ويتكسب بالتجارة، ثم قدم القاهرة، وعيّن للقضاء لم يتفق له، ودخل دمشق سنة ثمانمائة، وحجّ منها، وعاد إلى بلده، وتولي خطابة الجامع، وترك الحكم، وأقبل على الاشتغال، ثم أقبل على أشغال الدنيا وأمورها، فتعانى الحياكة، وصار له دولاب متّسع، فاحترقت داره، وصار عليه مال كثير، ففرّ إلى الصّعيد، فتبعه غرماؤه، وأحضروه مهانا إلى القاهرة، فقام معه الشيخ تقي الدّين بن حجة، وكاتب السرّ ناصر الدّين البارزي، حتّى صلحت حاله، ثم حجّ سنة تسع عشرة، ودخل اليمن سنة عشرين، ودرّس بجامع زبيد نحو سنة فلم يرج له بها أمر، فركب البحر إلى الهند، فحصل له إقبال كثير، وعظّموه، وأخذوا عنه، وحصل له دنيا عريضة، فبغته الأجل ببلد كلبرجة من الهند في شعبان، قتل مسموما.
وله من التصانيف: «شرح الخزرجية» و «جواهر البحور» في العروض، و «تحفة الغريب في شرح مغني اللّبيب» و «شرح البخاري» و «شرح التسهيل» و «الفواكه البدرية» من نظمه و «مقاطع الشرب ونزول الغيث» وهو حاشية على الغيث الذي انسجم في «شرح لامية العجم» للصّفدي و «عين الحياة» مختصر «حياة الحيوان» للدّميري، وغير ذلك.
روى لنا عنه غير واحد.
ومن شعره:
رماني زماني بما ساءنيفجاءت نحوس وغابت سعود
وأصبحت بين الورى بالمشيبغليلا فليت الشّباب يعود
وله في امرأة جبّانة:
مذ تعانت لصنعة الجبن خودقتلتنا عيونها الفتّانة
لا تقل لي كم مات فيها قتيل؟كم قتيل بهذه الجبّانة
انتهى كلام السيوطي بحروفه ومن نظمه أيضا:
قلت له والدّجى مولّونحن بالأنس في التّلاقي
قد عطس الصّبح يا حبيبيفلا تشمّته بالفراق
وله ملغزا في غزال:
إنّ من قد هويتهمحنتي في وقوفه
فإذا زال ربعهزال باقي حروفه
وفيها نجم الدّين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف الذّروي الأصل الصّعيدي ثم المكّي الشافعي، المعروف بالمرجاني.
ولد سنة ستين وسبعمائة بمكة، وأسمع على العزّ بن جماعة وغيره، وقرأ في الفقه والعربية، وتصدى للتدريس والإفادة، وله نظم حسن ونفاذ في العربية، وحسن عشرة، ورحل في طلب الحديث إلى دمشق، فسمع من ابن خطيب المزّة، وابن المحبّ، وابن الصّيرفي، وغيرهم بإفادة الياسوفي وغيره، وكان يثني عليه وعلى فضائله، وحدّث قليلا، فسمع منه ابن حجر. وتوفي في رجب.
وفيها شمس الدّين محمد بن سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد المقدسي الحنفي، المعروف بابن الدّيري نسبة إلى مكان بمردا من جبل نابلس.
ولد سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وسبعمائة، وتعانى الفقه والاشتغال في الفنون، وعمل المواعيد، ثم تقدم في بلده حتّى صار مفتيها والمرجوع إليه فيها، وكانت له أحوال مع الأمراء وغيرهم، يقوم فيها عليهم ويأمرهم بكف الظّلم، واشتهر اسمه، فلما مات ناصر الدّين بن العديم في سنة تسع عشرة استدعاه المؤيد فقرّره في قضاء الحنفية بالقاهرة، وكان قدمها مرارا، فباشرها بصرامة، وشهامة،
وقوة نفس، ثم انمزج مع المصريين، ومازج الناس، وكان منقادا لما يأمر ويروم ابن البارزي، ولما كملت المؤيدية قرّر في مشيختها، وظنّ أن السلطان لا يخرج عنه القضاء، فجاء الأمر بخلاف ظنّه، فإنه لما قرّره في المشيخة قال له: استرحنا واسترحت، يشير بذلك إلى كثرة الشكاوي عليه من الأمراء، وكان ابن الديري، كثير الازدراء بأهل عصره، لا يظنّ أن أحدا منهم يعرف شيئا، مع دعوى عريضة وشدّة إعجاب مع شدّة التعصب لمذهبه والحطّ على مذهب غيره، سامحه الله.
وكان يأسف على بيت المقدس، ويقول: سكنته أكثر من خمسين سنة، ثم أموت في غيره، فقدرت وفاته به في سابع ذي الحجّة، واستقرّ ولده سعد الدّين في مشيخة المؤيدية.
وفيها المولى حافظ الدّين محمد بن محمد الكردي الحنفي المشهور بابن البزّازي له كتاب مشهور من الفتاوى، اشتهر ب «الفتاوى البزّازية» وكتاب في مناقب الإمام الأعظم، وكتاب في «المطالب العالية» نافع جدا، ولما دخل بلاد الرّوم ذاكر وباحث المولى الفناري، وغلبه في الفروع، وغلبه الفناري في الأصول.
وتوفي في أواسط رمضان.
وفيها شرف الدّين يعقوب بن جلال، واسم جلال رسولا، ويسمى أيضا أحمد الرّومي الحنفي العجمي الأصل المصري المولد والدار والوفاة، المعروف بالتبّاني- بفتح المثناة الفوقية، وتشديد الموحدة التحتية، لسكنه بالتبانة خارج القاهرة-.
نشأ بالقاهرة، وتفقه بوالده وغيره، وبرع في الفقه، والأصلين، والعربية، والمعاني، والبيان، وأفتى، ودرّس سنين، وولي وكالة بيت المال، ونظر الكسوة،
ومشيخة خانقاه شيخون، كان ذا همّة عالية، ومكارم، وبرّ، وإيثار، وصدقة، وحرمة في الدولة، وكلمة مسموعة، وصلة بالأمراء والأكابر، واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاص كثيرا، وعظم، وضخم، وتردّد الناس إلى بابه، وهو منع ذلك ملازم للاشتغال والإشغال، مع الدّيانة والصّيانة. قاله في «المنهل الصّافي».
وشرع في شرح «المشارق».
وتوفي بالقاهرة فجأة يوم الأربعاء سادس عشر صفر عن نيف وسبعين سنة، واستقرّ بعده في الشيخونية سراج الدّين قارئ «الهداية»
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع