تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وسبعين وتسعمائة

فيها كان ميلاد صاحب «النّور السافر في أعيان القرن العاشر» في عشية يوم الخميس لعشرين خلت من شهر ربيع الأول كما قاله في «نوره».

وفيها توفي المولى أحمد بن عبد الله، المعروف بفوري أفندي مفتي الحنفية بدمشق الشام.

قال في «الكواكب»: كان من العلماء البارعين والفضلاء المحقّقين، ولي تدريس السليمانية بدمشق والإفتاء بها، وعمل درسا عاما استدعى له العلماء، وكتب إلى شيخ الإسلام الوالد يستدعيه إليه وكان الشيخ مريضا مدة طويلة، فكتب يعتذر إليه:

حضوري عند مولاي منايولكنّ الضّرورة لا تساعد
لضعف ليس يمكنني ركوبولا مشي يقارب أو يباعد
وأشهر علّتي لا شكّ عشرتعذّر أن أرى فيهنّ قاعد
وأحسن حالتي ذا الحين مشييكون به المعاون والمساعد
ولولا ذاك مولانا قعدنالسمع دروسك العليا مقاعد
بقيت مدى الزّمان فريد عصرإلى أعلى المراتب أنت صاعد

وكانت وفاة المفتي يوم الثلاثاء ختام شوال ودفن بتربة باب الصغير بالقلندرية، رحمه الله تعالى.

وفيها رحمة الله بن قاضي عبد الله السّندي الحنفي نزيل مكّة.

قال في «الكواكب»: كان عالما فاضلا، له رسالة سمّاها «غاية التحقيق ونهاية التدقيق» في مسائل ابتلي بها أهل الحرمين الشريفين. انتهى وفيها الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله، المعروف بالزّغبي الشيخ الصّالح المجذوب.

قال في «الكواكب»: كان سمينا طويل اللحية، له شيبة بيضاء، وكان له ذوق ونكت ولطائف على لسان القوم وإشارات الصوفية.

وكان قد صحب في طريق الله جماعة، منهم الشيخ عمر العقيبي.

وحدثني بعض إخواننا الصّالحين قال: كنت مرة مع الزّغبي بقرية برزة بالمقام، فسألته بماذا أعطي ما أعطي، قال: فقال لي: ما لك بهذا السؤال، فقلت: لا بد أن تخبرني، فقال: يا ولدي ما نلت هذه الرّتبة حتّى سحت في البرّية أربع عشرة سنة.

وحكى لي أنه في بدء أمره وحال تجرّده وقف على جبل الرّبوة المعروف بالمنشار، فوثب منه إلى جبل المزّة وأنا أنظر.

وكان الزّغبي يحبّ أن يشرب الماء عن الرّماد ويصفه لكل من شكا إليه مرضا أي مرض كان، وكان يقول هو الصفوة.

وكان منزله بمحلّة القيمرية، ومرّ يوما على دكان جزار بمحلّة القيمرية فوجد الشيخ شهاب الدّين الطّيبي واقفا على الجّزار، فقال الزّغبي للجزّار: يا معلّم توصّ من هذا الشيخ، فإنه يتصرّف في الألوف من الناس ويطاوعونه ولا يتجرأ أحد على مخالفته، إن طأطأ رأسه طأطؤوا معه، وإن رفع رأسه رفعوا معه.

قال: وسأله بعض الناس عن أسفار زوجته فقال: وَالْقَواعِدُ من النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً الآية.

وكانت وفاة زوجته قبله في سنة سبع وسبعين بقرية حرستا، ودفنت هناك، ولما توفيت قال: تقدمتنا الحجّة واتسعنا لحزنها ولو تقدمناها ما وسعت حزننا.

ومرّ قبل موته بنحو سنة بالمكان الذي هو مدفون فيه الآن، فقال لا إله إلّا الله إن لنا هنا حبسة طويلة، فلما توفي دفن هناك قريبا من الشيخ أبي بكر بن قوام، وقبره مشهور يزار، وعليه قبّة حسنة، وقيل: إن يوم موته وافق فتح قبرس. انتهى باختصار.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.