من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الشّعبِيّ يروي قصَّة دُخُوله على الْحجَّاج
وجدت بِخَط القَاضِي أبي جَعْفَر أَحْمد بن البهلول الْأَنْبَارِي، قَالَ الشّعبِيّ: كنت فِيمَن خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث، على الْحجَّاج، فَلَمَّا هزم، هربت، فَأتيت يزِيد بن أبي مُسلم، وَكَانَ لي صديقا، وَذكرت لَهُ أَمْرِي.
فَقَالَ: يَا عَامر، أَنا أَخُوك الَّذِي تعرف، وَوَاللَّه، مَا أَسْتَطِيع نفعك عِنْد الْحجَّاج، وَمَا أرى لَك إِلَّا أَن تمثل بَين يَدَيْهِ، فتقر بذنبك، فَإِن الْحجَّاج لَيْسَ مِمَّن يكذب، فاصدقه، واستشهدني على مَا بدا لَك.
قَالَ الشّعبِيّ: فَمَا شعر الْحجَّاج، إِلَّا وَأَنا قَائِم بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: عَامر؟ قلت: نعم, أصلح الله الْأَمِير.
قَالَ: ألم أقدم الْعرَاق، فوجدتك خاملا، فشرفتك، وأوفدتك إِلَى
أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأثبتك عريف قَوْمك، واستشرتك؟ قلت: بلي.
قَالَ: فَمَا الَّذِي أخرجك عَليّ، وَأَيْنَ كنت فِي هَذِه الْفِتْنَة؟ قلت: أصلح الله الْأَمِير، أوحش الجناب، وأحزن بِنَا الْمنزل، فاستشعرنا الْخَوْف، واكتحلنا السهر، واستحلسنا الْبلَاء، وفقدنا صَالح الإخوان، وشملتنا فتْنَة، لم نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء، وَلَا فجرة أقوياء، وَمَا أعْتَذر أَلا أكون سعيت، وَهَذَا يزِيد بن أبي مُسلم، يشْهد لي بذلك، وَأَنِّي كنت أكتب إِلَيْهِ بعذري.
فَقَالَ ابْن أبي مُسلم: صدق، أعز الله الْأَمِير.
فَقَالَ الْحجَّاج: هَذَا عَامر، ضرب وُجُوهنَا بِسَيْفِهِ، وأتانا يعْتَذر بِالْبَاطِلِ، ردوا عَلَيْهِ عطاءه.
وَعَفا عَنهُ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع