تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الأول في مدح العبيد والاماء والاستيصاء بهم خيرا

عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«أول من يدخل الجنة شهيد وعبد أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (رفعه): إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين».

وكان زيد بن حارثة خادما لخديجة رضي الله تعالى عنها، اشتري لها بسوق عكاظ، فوهبته لرسول الله ﷺ، فجاءه أبوه يريد شراءه منه، فقال رسول الله ﷺ إن رضي بذلك فعلت، فسئل زيد فقال: ذل الرق مع صحابة رسول الله ﷺ أحب إليّ من عز الحرية مع مفارقته. فقال رسول الله ﷺ إذا اختارنا اخترناه، فأعتقه وزوجه أم أيمن، وبعدها زينب بنت جحش.

وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر كلام

رسول الله ﷺ: «أوصيكم بالصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم».

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. وعن ابن مسعود الأنصاري قال: ضربت غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا: «اعلم يا أبا مسعود إن الله أقدر عليك منك عليه».

فالتفت فإذا هو النبي ﷺ، فقلت يا رسول الله: هو حر لوجه الله تعالى، فقال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار.

وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كم تعفو عن الخادم؟ ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال له: أعفو عنه كل يوم سبعين مرة.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبو القاسم نبي التوبة ﷺ «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا». وقيل: أراد رجل بيع جاريته فبكت، فقال لها: مالك؟ فقالت: لو ملكت منك ما ملكت مني ما أخرجتك من يدي، فأعتقها وتزوجها.

وقال أبو اليقظان: إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثة هم خير أهل زمانهم، علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه أتى ببنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى مسبيات، فأراد بيعهن فأعطاهن للدلال ينادي عليهن بالسوق، فكشف عن وجه إحداهن فلطمته لطمة شديدة على وجهه فصاح: واعمراه، وشكا إليه، فدعاهن عمر وأراد أن يضربهن بالدرة، فقال علي رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قال: «أكرموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر». إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن، فقومهن وأعطاه أثمانهن، وقسمهن بين الحسن بن علي ومحمد بن أبي بكر وعبد الله بن عمر، فولدن هؤلاء الثلاثة.

وقيل: إستبق بنو عبد الملك فسبقوا مسلمة وكان ابن أمة، فتمثل عبد الملك بقول عمرو العبدي:

نهيتكموا أن تحملوا فوق خيلكمهجينا لكم يوم الرهان فيدرك
فتعثر كفّاه ويسقط سوطهويخدر ساقاه فما يتحرك
وهل يستوي المرآن هذا ابن حرّةوهذا ابن أخرى ظهرها متشرّك

فقال له مسلمة: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين ليس هذا مثلي، ولكن كما قال ابن المعمر هذه الأبيات:

فما أنكحونا طائعين بناتهمولكن خطبناهم بأرماحنا قسرا
فما زادنا فيها السباء مذلةولا كلّفت خبزا ولا طبخت قدرا
وكم قد ترى فينا من ابن سبيةإذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا
ويأخذ ريّان الطعان بكفّهفيوردها بيضا ويصدرها حمرا

فقبل رأسه وعينيه وقال: أحسنت يا بني ذاك والله أنت، وأمر له بمائة ألف درهم مثل ما أخذ السابق والله أعلم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثامن والخمسون في ذكر العبيد والاماء والخدم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.