من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في الدعاء وآدابه
قال الله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
. اختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء في رمضان فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك ورجع مغتما، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن: إن قوما قالوا للنبي ﷺ: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية. قوله تعالى:
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
. أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول.
وقال قوم: إن الله تعالى يجيب كل الدعاء، فإما أن يعجل الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة لاحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ثوابها، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها». وروي أنه إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنة في الجنة، فبينما العبد المؤمن في قصره، وإذا ملائكة من عند ربه يأتونه بتحف من عند الله، فيقول ما هذا؟ أليس الله قد أنعم علي وأكرمني، فيقولون ألست كنت تدعو الله في الدنيا؟ هذا دعاؤك الذي كنت تدعوه قد أدخر لك.
واعلم أن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط، فشرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر إلا الله، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب لاه، وأن يكون متجنبا لأكل الحرام ولا يمل من الدعاء، ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال ﵊: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم.
قال ابن عطاء الله: إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار إلى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه نجح، فأركانه حضور القلب والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على النبي ﷺ ومن شروط الدعاء أن يكون سليما من اللحن، كما قال بعضهم:
ينادي ربّه باللحن ليثكذلك إذ دعاه لا يجاب
وقيل: إن الله تعالى لا يستجيب دعاء عريف ولا شرطي ولا جاب ولا عشار ولا صاحب عرطبة، وهي الطنبور، ولا صاحب كوبة، وهي الطبل الكبير الضيق الوسط. ومن آداب الدعاء أن يدعو الداعي مستقبل القبلة ويرفع يديه.
لما روي عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ربكم حي كريم ليستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا». أو أن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء، لما روي عن عمر قال:
كان رسول الله ﷺ إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه وأن لا يرفع بصره إلى السماء لقوله ﷺ: «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء، أو ليخطفن الله أبصارهم» وأن يخفض الداعي صوته بالدعاء لقوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
. وعن أبي عبد الرحمن الهمداني قال:
صليت مع أبي إسحاق الغداة فسمع رجلا يجهر في الدعاء
فقال: كن كزكريا إذ نادى ربه نداء خفيا، وينبغي للداعي أن لا يتكلف وأن يأتي بالكلام المطبوع غير المسجوع، لقوله ﷺ: «إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم.
يقول: أللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل».
وقيل: ادعوا بلسان الذلة والاحتقار ولا تدعوا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات، فما دونها، كما في آخر سورة البقرة. وعن سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فقد أجاب الله دعاء شر الخلق إبليس، إذ قال:
«رب انظرني إلى يوم يبعثون» وعن النبي ﷺ: إذا سأل أحدكم مسألة فتعرف الاجابة، فليقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل: الحمد لله على كل حال. وعن سلمة بن الأكوع قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا قال:
«سبحان ربي الأعلى الوهاب». وعن أبي سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة، فليبدأ بالصلاة على رسول الله ﷺ وينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء وأن يكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما.
وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك وقت السحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة، وعند جلسة الخطيب بين الخطبتين إلى أن يسلم من الصلاة، وعند نزول الغيث وعند التقاء الجيش في الجهاد في سبيل الله تعالى، وفي الثلث الأخير من الليل لما جاء في الحديث: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه». وفي حالة السجود لقوله ﵊ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض. هذا كله جاءت به الآثار. قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: دعا رسول الله ﷺ في مسجد الفتح ثلاثة أيام: يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرفت السرور في وجهه، قال جابر: ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فادعو فيها فأعرف الإجابة.
وفي بعض الكتب المنزلة: يا عبدي إذا سألت فاسألني فإني غني وإذا طلبت النصرة فاطلبها مني فإني قوي، وإذا أفشيت سرك فافشه إلي فإني وفي وإذا أقرضت فأقرضني فإني ملي، وإذا دعوت فادعني فإني حفي». وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له». وقال وهب بن منبه بلغني أن موسى مر برجل قائم يبكي ويتضرع طويلا، فقال موسى: يا رب أما تستجيب لعبدك؟ فأوحى الله تعالى إليه: «يا موسى لو أنه بكي حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغ عنان السماء ما استجبت له». قال: يا رب لم ذلك؟ قال: لأن في بطنه الحرام. ومر إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة فاجتمع الناس إليه وقالوا: يا أبا إسحاق ما لنا ندعوا فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: الأول أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، الثاني زعمتم أنكم تحبون رسول الله ﷺ ثم تركتم سنته، الثالث: قرأتم القرآن ولم تعملوا به، الرابع أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها، الخامس قلت إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، السادس: قلتم إن الجنة حق فلم تعملوا لها، السابع قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها، الثامن: قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له، التاسع: انتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، العاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
وكان يحيى بن معاذ يقول: من أقر لله باساءته جاد الله عليه بمغفرته، ومن لم يمن على الله بطاعته أوصله إلى جنته، ومن أخلص لله في دعوته منّ الله عليه بإجابته.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: ارفعوا أفواج البلايا بالدعاء. وعن أنس رضي الله تعالى عنه (يرفعه):
«لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد».
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع