من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أبو راشد الضّبّي
وكان أعرج ثم عمي، ثم أقعد من رجله، فقال حين عمي، وقد كان ابن حبيب وهب له عصا حين
عرج، وكان يمشي عليها:
وهبت عصا العرجان عونا ومرفقافأين عصا العميان يا ابن حبيب
فقد صرت أعمى بعد أن كنت أعرجاأنوء على عود أصمّ صليب
فلمّا صار أعرج أعمى لم يتعاط المشي، فلما طال قعوده أقعد من رجليه، فقال:
أرى كلّ داء فيه للقوم حيلةوداؤك مسمور الرّتاج عسير
فصبرا فإن الصبر أجدى مغبّةعليك، وأنواع البلاء كثير
فقال حين جفاه أصحابه وجيرانه وأهله:
قد كنت أنضي الخافقين برحلتيفصار جماع الأرض كفّة حابل
أبول وأنجو في مكاني ومقعديوعندي عجوز ما تعين بطائل
وأبكار صدق من عقائل معشركواسد قد عوّدن بعض المغازل
كساد فتاة الحيّ في الدار مغزلوما البعل إلّا معقل للعقائل
وفي الموت للزّمنى جمال وراحةوفي القبر ستر للفقير المحامل
وما كلّ محتاج يجود بعرضهويؤثر في الأقوام لؤم المداخل
كذاك وما للمرء صهر وحسبهإذا ما ابتلي فيها بجوع مطاول
وليس بمعذور إذا طال صمتهفيهلك بؤسا من مخافة عاذل
وما ذاك من عدل ولا خور بهفيثنى عليه لومه في المحافل
ولكنّه ما دام حيّا كميّتفلا بدّ أن يحيا ببعض المآكل
يقيم حشاشات النّفوس بمذقةويشرب غبّا من فضول المناهل
ويصبر صبر العير من دون رهطهويخشى حديثا غبّه غير طائل
ويشكو بطرف العين إيماض مشفقإلى كلّ مجهول المناسب خامل
سأعرف قومي ثم أعرف جيرتيوما أنا عن ذمّ القريب بغافل
ولا أشتهي ذكر اللّئام تكلّفافأصبح فيهم عارفا مثل جاهل
وأسأل ربّي أن يبسّطني لهمويشرح صدري بالهجاء المداخل
ويرزقني فيهم عروضا محبّباوصدق مقال غير قيل الأباطل
فيصبح وسمي لائحا بجلودهموأعلم أني مدرك بطوائلي
وكان بكر بن بكّار إذا أنشد قوله:
ولكنه ما دام حيّا كميتفلا بدّ أن يحيا ببعض المآكل
أنشد قوله الآخر:
على كلّ حال يأكل المرء زادهعلى الضّرّ والسّرّاء والحدثان
قال: وقتل لبعض العرب بنون، فاشتدّ حزنه وترك كلام الناس دهرا، فقيل له بعد أن رأوه قد تحدّث وضحك: نراك قد تحدّثت وضحكت.
قال كان جرحا فبرأ.
وقالت الخنساء:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرتفإنّما هي إقبال وإدبار
وقال أبو العتاهية:
فكما تبلى وجوه في الثّرىفكذا يبلى عليهنّ الحزن
قال: ولمّا نظرت نائلة بنت الفرافصة في المرآة فرأت حسن ثناياها تناولت فهرا فدقّت به ثناياها، فقيل لها في ذلك فقالت: إنّي أرى
الحزن يبلى كما الثّوب، فخفت أن يبلى حزني على عثمان فأتزوّج بعده..
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع