من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مَجْنُون بني سَعْد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ إملاءً من حَدِيثه سنة سِتّ وَعشْرين وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن صَالح الْيَشْكُرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن محبّ الْمَازِنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لمّا قَدِمَ سُلَيْمَان بْن عليّ الْبَصْرَة واليًا عَلَيْهَا قيل لَهُ: إنَّ بالْمِرْبد رَجلا من بني سَعْد، مَجْنُونا سريع الْجَواب لَا يتَكَلَّم إِلَّا بالشعر، فَأرْسل إِلَيْهِ سُلَيْمَان بْن عليّ قَهْرمانه، فَقَالَ لَهُ: أجب الْأَمِير، فَامْتنعَ فجرّه وَزبَره، وخرَّق ثَوْبه، وَكَانَ الْمَجْنُون يَسْتَقِي عَلَى نَاقَة لَهُ فاستاق القهرمان النَّاقة وأتى بهَا سُلَيْمَان بْن عليّ، فَلَمّا وقف بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان، حيّاك اللَّه يَا أَخا بني سَعْد، فَقَالَ:
حيّاك ربُّ النّاس من أَمِيريَا فاضلَ الأَصْل عَظِيم الخيرِ
إِنِّي أَتَانِي الفاسِقُ الجلْوازُوالقلبُ قَدْ طَار بِهِ اهتزازُ
فَقَالَ سُلَيْمَان: إنّما بعثنَا إِلَيْكَ لنشتري نَاقَتك، فَقَالَ:
مَا قَالَ شَيْئا فِي شِرَاء الناقهْوَقد أَتَى بِالْجَهْلِ والحماقةْ
فَقَالَ: مَا أَتَى؟ فَقَالَ:
خَرّق سِرْبالي وشَقّ بُرْدتيوَكَانَ وَجْهي فِي الملا وزيني
فَقَالَ: أفتعزم على النَّاقة؟ فَقَالَ:
أبيعُها بَعْدَ مَا أُوكَسُوالبيعُ فِي بَعْض الأوان أَكيس
قَالَ: كم شراؤها عَلَيْكَ؟ فَقَالَ:
شراءها عشرٌ بِبَطن مكهْمن الدَّنَانِير الْقيام السُّكهْ
وَلَا أبيعُ الدهرَ أَو أزادُإنّي لريحٍ فِي الورى مُعْتَاد
قَالَ: فبكم تبيعها؟ فَقَالَ:
خُذْها بعشرٍ وبخمسٍ وازنهْفَإِنَّهُ نَاقَة صدق مَازنه
قَالَ: فحطّنا، فَقَالَ:
تبَارك اللَّه العليُّ العاليتَسْألُني الحطّ وَأَنت الْوَالِي
قَالَ: فنأخذها مِنْك وَلَا نعطيك شَيْئا، فَقَالَ:
فَأَيْنَ ربِّي ذُو الْجلَال الْأَفْضَلإنَّ أنتَ لَمْ تَخْشَ الْإِلَه فافعلِ
قَالَ: فكم أزنُ لَك فِيهَا؟ فَقَالَ:
وَالله مَا يُنعِشُني مَا تُعطيوَلَا يُدَاني الْفقر مني حطّي
خُذْهُ بِمَا أحببتَ يَا بْن عباسِيَا بْن الْكِرَام من قريشِ الرّاسِ
فَأمر لَهُ سُلَيْمَان بِأَلف دِرْهَم وَعشرَة أَثوَاب، فَقَالَ:
إِن رَمَتْنِي نَحْوك الْفِجَاجُأَبُو عيالٍ مُعْدَمٌ محتاجُ
طَاوي الْمِعَى ضَيّق المعيشِفأنبتَ اللَّه لديك ريشي
شَرّفتني مِنْك بألفٍ فاخرهشَرَّفَك اللَّهُ بهَا فِي الآخِرَة
وكسوةٍ طاهرةٍ حسانِكساك رَبِّي حلل الجنانِ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع