من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الجليس الصَّالح
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المَنْصُورِيّ، عَنِ القثمي، عَنْ مبارك الطَّبَريّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّه، يَقُولُ سَمِعت الْمَنْصُور يَقُولُ للمهدي: يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَا تجْلِس مَجْلِسا إِلَّا ومعك فِيهِ رَجُل من أَهْلَ الْعلم يحدثك، فَإِن مُحَمَّد بن مُسلم بْن شهَاب قَالَ: إِن الحَدِيث ذَكَرَ يُحِبهُ الذُّكُور من الرِّجَال ويكرهه مؤنثوهم، قَالَ الْمَنْصُور: صدق أَخُو بني زهرَة.
وَقَالَ آخر:
إِن المشيبَ وَمَا بدا فِي عَارِضِيصَرَفَ الغواني فانصرفتُ كَرِيمًا
وسخوتُ إِلَّا عَنْ جليسٍ صالحِحسنِ الحديثِ يزيدُني تَعْلِيما
قَالَ القَاضِي:
وَلَقَد سئمتُ مآربِيفَكَأَن طيِّبُها خبيثُ
إِلَّا الحديثُ فإنّهمثل اسْمه أبدا حَدِيث
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد الْخُزَاعِيّ الْأَزْهَرِي: قَالَ: دخلت إِلَى سُرّ من رَأَى فَقيل إنَّ بهَا رَجُلا يكنى أَبَا الفَضْل وَيعرف بِالْعَبَّاسِ بْن أبي العبيس بْن حمدون النديم، لَهُ أدب وَمَعَهُ ظرْف وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى مثلك يعاشره، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ أبياتًا فَكتبت إِلَيْهِ:
أَبَا الفَضْل يَا من لَيْسَ تُحْصَى فضائلهُوَمن مَاله فِي الْخلق خَلْقٌ يعادله
أتقبل خِلا جَاءَ يتبعُ شَوْقَهإِلَيْكَ عَلَى عَلَمُ بأنك قَابله
يرحّل عَنْكَ الْهم عِنْدَ حُلُولهويُلهيك بالآداب حِين تساجله
يكسِّر طمح الْعين من لحظاتهويغمض مِنْهُ الجفن حِين تخاتله
ويشربُ مَا تَسْقيه غَيْر مماكسإِلَى أَن يُرى وَالرَّأْس تهتز مائله
فَحِينَئِذٍ تُثْنَى إِلَى الْبَاب رجلُهوَإِن لَمْ يكن بِالْبَابِ مَا هُوَ حامله
فَكتب إليَّ فِي جوابها من سَاعَته:
أَتَانَا مقَال أوجب الشُّكْر حاملهوَدلّ عَلَى فضلِ الَّذِي هُوَ قَائِله
ومكّن ودَّاً قَبْلَ تمكينِ رؤيةٍوَمن قبلُ مَا لاحت بِذَاكَ مخايِله
سنقبلُ مَا أهداه من صفو برهونبذل مِنْهُ فَوق مَا هُوَ باذله
ونقصد أسبابَ التهاجر بَيْننَافنقطعها مذمومة ونواصله
فَإِن دَامَ دُمنا لَمْ نرد بَدَلا بِهِوَإِن زَالَ عَنْ عهد فلسنا نزايله
وَتَحْت هَذِهِ الأبيات: تفضل - جُعِلْتُ فدَاك - بالمصير إِلَيْنَا من ساعتك، فصرت إِلَيْهِ فَوَجَدته فَوق الْوَصْف، فَلم نزل نتعاشر طول مُقامي هُنَاكَ إِلَى أَن انحدرت.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع