تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

لَطِيفَة بَيْنَ خَالِد بْن عَبْد اللَّه وأعرابي قَصده

حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير الْعَبْدِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن الْهَيْثَم، قَالَ: بَيْنَمَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه بظَهْرِ الْكُوفة مُتَنَزِّهًا إذْ حَضَره أعرابيُّ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي! أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ الْقرْيَة - يَعْنِي الْكُوفَة - قَالَ: وماذا تحاولُ بهَا؟ قَالَ: قصدتُ خَالِد بْن عَبْد اللَّه متعرِّضًا لمعروفه، قَالَ: فَهَل تعرِفُه؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل بَيْنك وَبَينه قرَابَة؟ قَالَ: لَا، ولكنْ لِمَا بَلَغنِي من بَذْله

المعروفَ، وَقَدْ قُلْتُ فِيهِ شعرًا أتقرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: فأنشِدْني مِمَّا قُلْتُ فِيهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

إليكَ ابنَ كُرْزِ الخَيْر أقبلتُ رَاغِبًالتجبُرَ منّي مَا وَهى وتبدَّدا
إِلَى الْمَاجِد الْبُهْلولِ ذِي الْحلم والنَّدىوأكرمِ خَلْقِ اللَّهِ فرعا ومَحْتَدَا
إِذا مَا أناسٌ قصَّرُوا فِي فَعَالِهمْنَهَضْتَ فَلم يُلْفَى هُنَالك مَقْعَدَا
فيا لَك بحرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُإِذا يُسْأَلُ المعروفُ جاشَ وأزْبدا
بلوتُ ابْن عَبْد اللَّهِ فِي كُلّ موطنٍفألفيتُ خير النّاس نَفْسًا وأمْجدا
فَلَو كَانَ فِي الدُّنْيَا من النّاس خالدٌلجودٍ بِمَعْرُوف لَكُنْت مُخَلَّدا
فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْك مَا قَدْ رجوتُهُفيصبحَ وَجْهي كَالِحَ اللَّونِ أرْبَدا

فحفظ خَالِد الشّعْر، وقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ، صَنَعَ اللَّه لَك.

فَلَمَّا كَانَ من غدٍ وَدخل الناسُ إِلَى خالدٍ واسْتوى السِّماطانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، تقدَّمَ الأَعْرابي وَهُوَ يَقُولُ: إليكِ ابنَ عبدِ الْقَيْس، فَأَشَارَ إِلَيْهِ خالدٌ بِيَدِهِ أَن اسْكُتْ.

ثُمّ أنْشد خَالِد بَقِيَّة الشّعْر، وقَالَ لَهُ: يَا أعرابيُّ! قَدْ قِيلَ هَذَا الشّعْر قبل قَوْلك، فتحَّير الأعرابيُّ وَورد عَلَيْه مَا أدْهَشَه، وقَالَ: واللَّه مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ سَبَبًا لخيبةٍ وحِرْمان، فانصرفَ وأتْبَعَهُ خالدٌ برسولٍ ليسمعَ مَا يَقُولُ، فَسَمعهُ الرسولُ يَقُولُ:

أَلا فِي سَبِيل اللَّهِ ماكنت أَرْتَجِيلديْهِ وَمَا لاقَيْتُ من نَكَدِ الجَدِّ
دخلْتُ عَلَى بحرٍ يجودُ بمالِهِويُعطي كثيرَ المالِ فِي طلب الحَمْدِ
فحالَفَني الجَدُّ المشومُ لِشِقْوتِيوقارنني نَحْسِي وفارَقَني سَعْدِي
فَلَو كَانَ لي رزقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُوَلكنه أمرٌ من الْوَاحِد الفَرْدِ

فَقَالَ لَهُ الرسولُ: أجب الْأَمِير، فَلَمَّا انْتهى إِلَى خالدٍ، قَالَ لَهُ: كَيفَ قُلْتُ فأنشده، ثُمّ استعاده فَأَعَادَهُ ثَلَاثًا إعجابًا مِنْهُ بِهِ، ثُمّ أَمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجِلسُ الثَامِن وَالْعِشرُونْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.