تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

خَالِد بْن صَفْوَان يرد على مفاخر اليمنية

حَدثنَا أبحمد بنب الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سعدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جعفرٍ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب بْن دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عديٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاس يُعجبهُ السمر ومنازعة الرِّجَال، فحضره ذَات ليلةٍ فِي سمره إِبْرَاهِيم بْن مخرمَة الْكِنْدِيّ وناس من بني الْحَارِث بْن كَعْب، وهم أَخْوَاله، وخَالِد بْن صَفْوَان بْن إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي فخاضوا فِي الحَدِيث وتذاكروا مُضر واليمن، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْيمن هم الْعَرَب الَّذين دَانَتْ لَهُم الدُّنْيَا، وَكَانَت لَهُم الْقرى، وَلم يزَالُوا ملوكًا أَرْبَابًا، ورثوا ذَلِك كَابِرًا عَن كابرٍ وأولا عَن آخر، مِنْهُم النعمانيات والمنذريات والقابوسيات والتبابعة، وَمِنْهُم من حمت لَحْمه الدبر، وَمِنْهُم غسيل الْمَلَائِكَة، وَمِنْهُم من اهتز لمَوْته الْعَرْش، وَمِنْهُم مُكَلم الذِّئْب، وَمِنْهُم الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كل سفينة غصبا، وَلَيْسَ شَيْء لَهُ خطر إِلَّا وإليهم ينْسب: من فرس رائع، أَو سيفٍ قَاطع، أَو درعٍ حصينةٍ، أَو حلةٍ مصونةٍ، أَو درةٍ مكنونةٍ،

إِن سئلوا أعْطوا، وَإِن سيموا أَبَوا، وَإِن نزل بهم ضيف قروا، لَا يبلغهم مُكَاثِر، وَلَا ينالهم مفاخر، هم الْعَرَب العاربة وَغَيرهم المتعربة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَا أَظن التَّمِيمِي يرضى بِقَوْلِك، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقول يَا خَالِد؟ قَالَ: إِن أَنْت أَذِنت لي فِي الْكَلَام وأمنتني من الموجدة تَكَلَّمت، قَالَ: قد أَذِنت لَك فَتكلم وَلَا تهب أحدا، فَقَالَ: أَخطَأ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ المتقحم بِغَيْر علمٍ، ونطق بِغَيْر صَوَاب، فَكيف يكون مَا قَالَ؟ الْقَوْم لَيست لَهُم ألسن فصيحة، وَلَا لُغَة صَحِيحَة، وَلَا حجَّة نزل بهَا كتاب، وَلَا جَاءَت بهَا سنة، وهم منا على منزلتين: إِن جاروا عَن قصدنا أكلُوا، وَإِن جازوا حكمنَا قتلوا، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وَغير ذَلِك مِمَّا سنأتي عَلَيْهِ، ونفخر عَلَيْهِم بِخَير الْأَنَام، وَأكْرم الْكِرَام، مُحَمَّد ﵇، وَللَّه عز جلّ علينا الْمِنَّة بِهِ وَعَلَيْهِم، لقد كَانُوا أَتْبَاعه فبه عزوا وَله أكْرمُوا، فمنا النَّبِي المصطفي، وَمنا الْخَلِيفَة المرتضى، وَلنَا الْبَيْت الْمَعْمُور والمسعى وزمزم وَالْمقَام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء، مَعَ مَالا يخفى من المآثر، وَلَا يدْرك من المفاخر، وَلَيْسَ يعدل بِنَا عَادل، وَلَا يبلغ فضلنَا قَول قَائِل. وَمنا الصّديق والفاروق وَالْوَصِيّ وَأسد الله سيد الشُّهَدَاء، وَذُو الجناحين وَسيف الله، عرفُوا الدَّين وأتاهم الْيَقِين، فتمن زاحمنا زحمناه، وَمن عَادَانَا اصطلمناه. ثُمَّ الْتفت فَقَالَ: أعالم أَنْت بلغَة قَوْمك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَمَا اسْم الْعين؟ قَالَ: الجحمة قَالَ: فَمَا اسْم السن؟ قَالَ: الميزم. قَالَ: فَمَا اسْم الْأذن؟ قَالَ: الصنارة، قَالَ: فَمَا اسْم الْأَصَابِع؟ قَالَ الشناتر، قَالَ: فَمَا اسْم الْأذن؟ قَالَ: الزب، قَالَ: فَمَا اسْم الذِّئْب؟ قَالَ: الكتع، قَالَ فَقَالَ لَهُ: أفمؤمن أَنْت بِكِتَاب الله تَعَالَى؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " يُوسُف: وَقَالَ: " بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " الشُّعَرَاء: وَقَالَ: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ " إِبْرَاهِيم: فَنحْن الْعَرَب وَالْقُرْآن بلساننا نزل؛ ألم تَرَ أَن الله ﷿ قَالَ: " وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ " الْمَائِدَة: وَلم يقل: الجحمة بالجحمة. وَقَالَ: " وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ " الْمَائِدَة: وَلم يقلك الميزم بالميزم وَقَالَ جلّ اسْمه " وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ " الْمَائِدَة: وَلم يقل الصنارة بالصنارة. وَقَالَ: " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ " الْبَقَرَة: وَلم يقل شناترهم فِي صناراتهم وَقَالَ تَعَالَى: " لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي " طه: وَلم يقل لَا تَأْخُذ بزبي. وَقَالَ: " فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ " يُوسُف: وَلم يقل فَأَكله الكتع. ثُمَّ قَالَ: أَسأَلك عَن أَربع إِن أَنْت أَقرَرت بِهن قهرت وَإِن جحدتهن كفرت. قَالَ: وَمَا هن؟ قَالَ: الرَّسُول منا أَو مِنْكُم؟ قَالَ: مِنْكُم، قَالَ: وَالْقُرْآن نزل علينا أَو عَلَيْكُم؟ قَالَ: عَلَيْكُم، قَالَ: فالبيت الْحَرَام لنا أَبُو لكم؟ قَالَ: لكم، قَالَ: فالخلافة فِينَا أَو فِيكُم؟ قَالَ فِيكُم. قَالَ خَالِد فَمَا كَانَ بعد هَذِه الْأَرْبَع فلكم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.