من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
خطبة الكتاب
أما بعد حمداً لله الذي أشعرنا إلهاماً، وصير لنا أفهاماً، ويسر لنا بُرُود آداب، ونشرنا للانبعاث إلى إثباتها والانتداب، وصلى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبأه منّة ونعمة، وسلم تسليماً: فإنه كان بالأندلس أعلام، فُتنوا بسِحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلّدوها بمحاسنهم وطوّقوها ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا وبقيت مآثرهم غير مُثبتةٍ في ديوان، ولا مُجملةٍ في تصنيف أحد
من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشّط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حثَّ عليه فأجبتُ رغبته، وحلّيتُ بالإسعاف لَبَّته، وذهبتُ إلى إبدائها، وتخليد عليائِها، وأمليتُ منها في بعض الأيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء وتناسق دُرر الكُتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء وأعيان القُضاة والفُهماء. القسم الثالث: يشتمل على سرد محاسن الأدباء، النوابغ النُجباء. وسميتها: مطمح الأنفُس ومسرح التأنُّس في مُلَح أهل الأندلس، وأبقيتها لذوي
الآداب ذِكراً، ولأهل الإحسان فخراً، يُساجلون بها أهل العراق، ويُحاسنون بمحاسنها الشمس عند الإشراق. والله أسأله إلهام المقصد، وانفراج بابه المُرصد بمنّه وكرمه.
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع