تجاوز إلى المحتوى

من «الفلاكة والمفلوكون» للدلجي (ت ٨٣٨هـ)

مقدمة المؤلف

﷽

الحمد لمن يستحق الحمد لذاته وهويته، ويستوجب الشكر لكمال إلهيته، وتتقاصر الأوهام عن دقائق أقداره وأقضيته، وتتحير الأفهام في لطائف آلائه ورأفته وتدهش العقول في كمال مصنوعاته وحكمته، وتقف الأفكار حيرى في كبريائه وقاهريته. الخلق مقهورون محجوجون بساطع حجته، والقلوب في تصرفه يقلبها كيف يشاء على وفق مشيئته. ما من شيء إلا وفي خزائنه غير معدوم، وما ننزله إلا بقدر معلوم. ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. على علمه الخير والشر، والنفع والضر، والحركة والسكون، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره كل في فلك يسبحون. جعل لكل أجل كتاباً، وللمسببات أسباباً، وربط المسببات بالأسباب وهو خالق الأسباب والمسببات، وأوقع الشبع عقيب الأكل دائما على العادة وهو غني عن العادات، وهب العقل فيسربه سواء السبيل، وركب الحرق فنقص به الخط من التحصيل. ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنه على صراط مستقيم﴾، ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾. أغنى وأقنى، وأضحك وأبكى وأمات واحيا. ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم أشد عذاب أليم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي بإذنه إلى صراط مستقيم ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف

رحيم﴾ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذويه، وسائر أتباعه وأوليائه ومحبيه وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد، فقد منحتكم يا معشر إخواني المفاليك كتاباً بديع المثال، منسوجاً على غير منوال، مخترعاً من غير سابقة مثال مسلاة وتمثلا وحكمة وعللا، تتخذونه مفاكهة وأمثالاً، وتتصرفون به في ظنونكم رداً وأعمالاً، وتنزعون به أيديكم من ربقة انتزاعاً، وترفعون به نحو الأغراض والمقاصد شرعاً.

وكان المحرك لهذه الكتابة أن سائلا سأل عن السبب في علية الفلاكة والإهمال على نوع الإنسان، فصادف مني نشاطاً للكلام في ذلك نفشة مصدور وضربة موتور، وناراً ساكنة ألقمها حطباً، ودعوة وافقت إرادة ومطلباً.

وأنا أعتذر عما لا يوافق الغرض ولا يصيب الغرض، وعن استبدال الجوهر بالعرض، بأن استكشاف أسرار الدقائق واستشفاف أنوار الحقائق مما يتعذر أو يتعسر مع العوائق البدنية والصوارف النفسانية، ولو كان الخاطر صقيلا باتراً ومواد الكلام بحراً زاخراً، فكيف إذا كانت الفكرة كليلة، والبضاعة من العلم قليلة، والصوارف متناصرة، والبواعث متقاصرة والشواغل إلى حد المنع من معاودة التنقيح والتهذيب، والوقت ضيق عن اختيار الألفاظ وجودة الترتيب، والكتب مفقودة أو مستعارة، والهموم تشن غارة بعد غارة.

هذا مع إن المخترعات التي لم تسبق بتصنيف ولا بتدوين وترصيف لا تبلغ بها الفائدة نصابها، وتفتح للمعاذير أبوابها. ومن الله استمد العصمة من وصمة الغلط، وغوائل الأوهام وبوادر السقط، وأن يوفقنا لإخلاص النية وإحسان الطوية.

ورتبت مقصود هذا الجمع في فصول:

الفصل الأول: في تحقيق معنى المفلوك الذي قصر عليه هذا الكتاب.

الفصل الثاني: في خلق الأعمال وبيان أن لا حجة للمفلوك في التعلق بالقضاء والقدر.

الفصل الثالث: في أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسباب وان الزهد لا ينافي كون المال في اليدين.

الفصل الرابع: في الآفات التي تنشأ من الفلاكة وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها.

الفصل الخامس:

في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك.

الفصل السادس: في مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة ليس إلا بعد كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف وبيان السبب في ذلك.

الفصل السابع: في علية الفلاكة والإهمال والإملاق على نوع الإنسان وبيان السبب في ذلك.

الفصل الثامن: في أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية.

الفصل التاسع: في أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس والمبالغة في الاعتذار إليهم وإظهار حبهم ومناصحتهم من أحسن أحوال المفلوكين وأليق الصفات بهم وأفضى الطريق بهم إلى مقاصدهم وبيان الدليل على ذلك.

الفصل العاشر: في تراجم العلماء الذين تقلبت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل.

الفصل الحادي عشر: في مباحث تتعلق بالفصل قبله ومن المباحث النكبات الحاصلة للأعيان.

الفصل الثاني عشر: في أشعار المفلوكين أو من في معناهم وما فيها من مقاصد شتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة.

الفصل الثالث عشر: في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة نختم به الكتاب.

النص من طبعة مطبعة الشعب بمصر (١٣٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفلاكة والمفلوكون»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.