تجاوز إلى المحتوى

المقامة الرابعة عشرة من «مقامات الحريري»

المقامة المكية

لأبي محمد القاسم الحريري (ت ٥١٦هـ) · يرويها الحارث بن همام عن أبي زيد السروجي · فيها ٤٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: نهضْتُ من مدينةِ السّلامِ. لحِجّةِ الإسلامِ. فلمّا قضيْتُ بعَونِ اللهِ التّفَثَ. واستبَحْتُ الطّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ موسِمُ الخيْفِ. معْمَعانَ الصّيفِ. فاستَظْهَرْتُ للضّرورةِ. بِما يَقي حرَّ الظّهيرةِ. فبَينَما أنا تحتَ طِرافٍ. مع رُفقَةٍ ظِرافٍ. وقدْ حَمِيَ وَطيسُ الحصْباء. وأعْشى الهَجيرُ عينَ الحِرْباء. إذ هجَمَ عليْنا شيخٌ مُتَسَعْسِعٌ. يتْلوهُ فتًى متَرَعرِعٌ. فسلّمَ الشيخُ تسْليمَ أديبٍ أريبٍ. وحاوَرَ مُحاوَرَةَ قَريبٍ لا غَريبٍ. فأُعْجِبْنا بما نثَرَ منْ سِمْطِهِ. وعِجبْنا منِ انبِساطِه قبلَ بسْطِهِ. وقُلْنا لهُ: ما أنتَ. وكيفَ ولَجْتَ وما استأذَنْتَ؟ فقال: أما أنا فعَافٍ. وطالِبُ إسْعافٍ. وسِرُّ ضُرّي غيرُ خافٍ. والنّظَرُ إليّ شفيعٌ لي كافٍ. وأمّا الانْسِيابُ. الذي علِقَ بهِ الارتِيابُ. فَما هوَ بعُجابٍ. إذ ما علَى الكُرَماء منْ حِجابٍ. فسألْناهُ: أنّى اهْتَدَى إليْنا. وبِمَ استَدَلّ علَيْنا؟ فقال: إنّ للكرَمِ نشْراً تَنُمّ بهِ نفَحاتُهُ. وتُرْشِدُ إلى روضِهِ فوْحاتُهُ. فاستَدْلَلْتُ بتأرّجِ عَرْفِكُمْ. على تبلّجِ عُرفِكُم! وبشّرَني تضوُّعُ رندِكُمْ. بحُسْنِ المُنقَلَبِ منْ عِندِكُم! فاستخْبَرْناهُ حينَئِذٍ عنْ لُبانَتِهِ. لنتَكفّلَ بإعانتِهِ. فقال: إنّ لي مأرَباً. ولفَتايَ مَطلَباً. فقُلْنا لهُ: كِلا المَرامَينِ سيُقْضى. وكِلاكُما سوفَ يرْضى. ولكِنِ الكُبرَ الكُبْرَ. فقال: أجَلْ ومنْ دَحا السّبْعَ الغُبْرَ. ثمّ وثبَ للمَقالِ. كالمُنشَطِ منَ العِقالِ. وأنشَدَ:

إني امرُؤٌ أُبدِعَ بيبعدَ الوَجى والتّعَبِ
وشُقّتي شاسِعةٌيقْصُرُ عنها خَبَبي
وما معي خرْدَلَةٌمطبوعةٌ منْ ذهَبِ
فحيلَتي مُنسَدّةٌوحَيرَتي تلعَبُ بي
إنِ ارتَحَلْتُ راجِلاًخِفْتُ دَواعي العطَبِ
وإنْ تخلّفْتُ عنِ الرُفْقَةِ ضاقَ مذْهَبي
فزَفْرَتي في صُعُدٍوعَبْرتي في صبَبِ
وأنتُمُ مُنتجَعُ الرّاجي ومرْمَى الطّلَبِ
لُهاكُمُ منهَلّةٌولا انْهِلالَ السُحُبِ
وجارُكُمْ في حرَمٍووَفْرُكُمْ في حرَبِ
ما لاذَ مُرْتاعٌ بكُمْفخافَ نابَ النُوَبِ
ولا استَدَرّ آمِلٌحِباءكُمْ فما حُبي
فانعَطِفوا في قِصّتيوأحسِنوا مُنقلَبي
فلوْ بلوْتُمْ عيشَتيفي مطْعمي ومَشرَبي
لساءكُمْ ضُرّي الذيأسلَمَني للكُرَبِ
ولوْ خبَرْتُمْ حسَبيونسَبي ومذْهَبي
وما حوَتْ معرِفَتيمنَ العُلومِ الُّخَبِ
لما اعتَرَتْكُمْ شُبهَةٌفي أنّ دائي أدَبي
فلَيْتَ أنّي لمْ أكُنْأُرضِعْتُ ثَدْيَ الأدَبِ
فقد دَهاني شُؤمُهوعَقّني فيهِ أبي

فقُلْنا له: أمّا أنتَ فقدْ صرّحَتْ أبياتُكَ بفاقَتِك. وعطَبِ ناقَتِكَ. وسنُمْطيكَ ما يوصّلُكَ إلى بلدِكَ. فما مأرَبَةُ ولَدِكَ؟ فقال له: قُمْ يا بني كما قام أبوكَ. وفُهْ بما في نفسِك لا فُضّ فوكَ. فنهضَ نُهوضَ البطَلِ للبِرازِ. وأصْلَتَ لِساناً كالعضْبِ الجُرازِ. وأنشأ يقول:

يا سادَةً في المَعاليلهُمْ مبانٍ مَشيدَهْ
ومَنْ إذا نابَ خطْبٌقاموا بدَفْعِ المكيدَهْ
ومن يهونُ عليهِمْبذْلُ الكُنوزِ العَتيدَهْ
أريدُ منكُمْ شِواءًوجرْدَقاً وعصيدَهْ
فإنْ غَلا فَرُقاقٌبهِ تُوارَى الشّهيدَهْ
أو لمْ يكُنْ ذا ولا ذَافشُبْعَةٌ منْ ثَريدَهْ
فإنْ تعذّرْنَ طُرّاًفعجْوَةٌ ونَهيدَهْ
فأحْضِروا ما تسنّىولوْ شَظًى منْ قَديدَهْ
وروِّجوهُ فنَفْسيلِما يروجُ مُريدَهْ
والزّادُ لا بُدّ منْهُلرِحْلَةٍ لي بَعيدَهْ
وأنتُمُ خيْرُ رهْطٍتُدعَوْنَ عند الشّديدهْ
أيدِيكُمُ كلَّ يومٍلَها أيادٍ جَديدَهْ
وراحُكُمْ واصِلاتٌشمْلَ الصِّلاتِ المُفيدَهْ
وبُغْيَتي في مَطاويما تَرفِدونَ زهيدَهْ
وفيّ أجْرٌ وعُقْبَىتنْفيسِ كَرْبي حَميدَهْ
ولي نتائِجُ فِكرٍيفضَحْنَ كُلّ قَصيدَهْ

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا رأيْنا الشّبْلَ يُشبِهُ الأسَدَ. أرحَلْنا الوالِدَ وزوّدْنا الولَدَ. فقابَلا الصُّنْعَ بشُكْرٍ نشَرَ أرديَتَهُ. وأدّيا بِه ديَتَهُ. ولمّا عزَما على الانْطِلاقِ. وعَقَدا للرّحلَةِ حُبُكَ النّطاقِ. قُلتُ للشّيخِ: هلْ ضاهَتْ عِدَتُنا عِدَةَ عُرْقوبٍ. أو هلْ بقيَتْ حاجةٌ في نفْسِ يعْقوبَ؟ فقال: حاشَ للهِ وكَلاّ. بل جَلّ مَعروفُكُمْ وجَلّى. فقُلتُ لهُ: فَدِنّا كما دِنّاكَ. وأفِدْنا كما أفَدْناكَ. أينَ الدّوَيْرَةُ. فقدْ ملَكَتْنا فيكَ الحَيرَةُ؟ فتنفّسَ تنفُّسَ منِ ادّكَرَ أوطانَهُ. وأنشدَ والشّهيقُ يلَعثِمُ لسانَه:

سَروجُ داري ولكِنْكيفَ السّبيلُ إلَيْها
وقدْ أناخَ الأعاديبها وأخْنَوْا علَيْها
فوالّتي سِرْتُ أبْغيحَطّ الذُنوبِ لدَيْها
ما راقَ طرْفيَ شيءٌمُذْ غِبتُ عنْ طرَفَيْها

ثمّ اغرَوْرَقَتْ عيناهُ بالدّموعِ. وآذَنَتْ مَدامِعُهُ بالهُموعِ. فكَرِهَ أن يستَوكِفَها. ولم يملِكْ أن يكَفْكِفَها. فقطَعَ إنْشادَهُ المُستَحْلى. وأوجَزَ في الوَداعِ وولّى.

النص من «مقامات الحريري» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). المصدر · الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

كل مقامات الحريري