المقامة الثامنة والأربعون من «مقامات الحريري»
المقامة الحرامية
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
روى الحارثُ بنُ همّامٍ عنْ أبي زيدٍ السَّروجيّ قال: ما زِلْتُ مُذ رحَلْتُ عنْسي. وارتَحَلْتُ عنْ عِرْسي وغَرْسي. أحِنّ إلى عِيانِ البَصرَةِ. حَنينَ المظْلومِ إلى النُصرَةِ. لِما أجمَعَ عليْهِ أرْبابُ الدّرايَةِ. وأصْحابُ الرّوايَةِ. منْ خصائِصِ معالمِها وعُلَمائِها. ومآثِرِ مشاهِدِها وشُهَدائِها. وأسْألُ اللهَ أن يوطِئَني ثَراها. لأفوزَ بمرْآها. وأنْ يُمطيَني قَراها. لأقْتَري قُراها. فلمّا أحَلّنيها الحظُّ. وسرَحَ لي فيها اللّحْظُ. رأيتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً. ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ. فغلَسْتُ في بعض الأيامِ. حينَ نصَلَ خِضابُ الظّلامِ. وهتَفَ أبو المُنذِرِ بالنُّوّامِ. لأخْطوَ في خِطَطِها. وأقْضيَ الوطَرَ منْ توسُّطِها. فأدّاني الاخْتِراقُ في مَسالِكِها. والانصِلاتُ في سِككِها. إلى محلّةٍ موسومَةٍ بالاحْتِرامِ. منسوبَةٍ إلى بني حَرامٍ. ذاتِ مَساجِدَ مشهودَةٍ. وحِياضٍ موْرودَةٍ. ومَبانٍ وثيقَةٍ. ومغانٍ أنيقَةٍ. وخصائِصَ أثيرَةٍ. ومَزايا كثيرةٍ:
بها ما شِئْتَ منْ دِينٍ ودُنْياوجيرانٍ تنافَوْا في المعاني
فمَشغوفٌ بآياتِ المثانيومفْتونٌ برَنّاتِ المثاني
ومُضْطَلِعٌ بتلْخيصِ المعانيومُطّلِعٌ إلى تخْليصِ عانِ
وكمْ منْ قارِئٍ فيها وقارٍأضَرّا بالجُفونِ وبالجِفانِ
وكمْ منْ مَعْلَمٍ للعِلْمِ فيهاونادٍ للنّدى حُلْوِ المَجاني
ومَغْنًى لا تزالُ تغَنُّ فيهِأغاريدُ الغَواني والأغاني
فصِلْ إن شِئتَ فيها مَنْ يُصَلّيوإمّا شِئْتَ فادنُ منَ الدِّنانِ
ودونَكَ صُحبَةَ الأكياسِ فيهاأوِ الكاساتِ منطَلِقَ العِنانِ
قال: فبَينَما أنا أنفُضُ طُرُقَها. وأستَشِفُّ رونَقَها. إذْ لمحْتُ عندَ دُلوكِ بَراحِ. وإظْلالِ الرّواحِ. مسجِداً مُشتَهِراً بطَرائِفِهِ. مزدَهِراً بطوائِفِه. وقد أجْرى أهلُهُ ذِكْرَ حُروفِ البدَلِ. وجرَوْا في حلْبَةِ الجدَلِ. فعُجْتُ نحوَهُمْ. لأستَمطِرَ نوّهُمْ. لا لأقتَبِسَ نحوَهُمْ. فلمْ يكُ إلا كقَبْسَةِ العَجْلانِ. حتى ارتفَعَتِ الأصْواتُ بالأذانِ. ثمّ رَدِفَ التّأذينَ بُروزُ الإمامِ. فأُغْمِدَتْ ظُبى الكلامِ. وحُلّتِ الحِبى للقِيامِ. وشُغِلْنا بالقُنوتِ. عنِ استِمْدادِ القوتِ. وبالسّجودِ. عنِ استِنْزال الجودِ. ولمّا قُضيَ الفَرْضُ. وكادَ الجمْعُ ينفَضّ. انْبَرى منَ الجماعَةِ. كهْلٌ حُلْوُ البَراعةِ. لهُ منَ السّمتِ الحسَنِ. ذَلاقَةُ اللّسَنِ. وفَصاحَةُ الحسَنِ. وقال: يا جيرَتي. الذينَ اصْطفَيتُهُمْ على أغصانِ شجرَتي. وجعلْتُ خِطتَهُمْ دارَ هِجرَتي. واتّخَذْتُهُمْ كَرِشي وعَيبَتي. وأعددْتُهُمْ لمَحْضَري وغيْبَتي. أما تعْلَمونَ أنّ لَبوسَ الصّدقِ أبْهى الملابِسِ الفاخِرةٍ. وأنّ فُضوحَ الدُنيا أهوَنُ منْ فُضوحِ الآخِرَةِ؟ وأنّ الدّينَ إمْحاضُ النّصيحَةِ. والإرْشادَ عُنوانُ العَقيدَةِ الصّحيحةِ؟ وأنّ المُستَشارَ مُؤتَمَنٌ. والمستَرشِدَ بالنُصحِ قَمِنٌ؟ وأنّ أخاكَ هوَ الذي عذلَكَ. لا الذي عذَرَكَ؟ وصديقَكَ منْ صدقَكَ. لا مَنْ صدّقَكَ؟ فقال لهُ الحاضِرون: أيها الخِلّ الوَدودُ. والخِدْنُ الموْدودُ. ما سِرّ كلامِكَ المُلغَزِ. وما شرْحُ خِطابِكَ الموجِزِ. وما الذي تبْغيهِ منّا ليُنْجَزَ؟ فوَالذي حَبانا بمحبّتِكَ. وجعلَنا منْ صفْوَةِ أحِبّتِكَ. ما نألوكَ نُصْحاً. ولا ندّخِرُ عنْكَ نَضْحاً. فقال: جُزيتُمْ خيراً. ووُقيتُمْ ضَيراً. فإنّكُمْ ممّنْ لا يَشْقى بهِمْ جَليسٌ. ولا يصدُرُ عنهُمْ تلْبيسٌ. ولا يُخيَّبُ فيهِمْ مَظنونٌ. ولا يُطْوى دونَهُمْ مكْنونٌ. وسأبُثّكمْ ما حاكَ في صدْري. وأستَفْتيكُمْ في ما عيلَ فيهِ صبْري. اعْلَموا أني كُنتُ عندَ صُلودِ الزّنْدِ. وصُدودِ الجَدّ. أخْلَصْتُ معَ اللهِ نِيّةَ العقْدِ. وأعطَيتُهُ صَفقَةَ العهْدِ. على أنْ لا أسْبأ مُداماً. ولا أُعاقِرَ نَدامَي. ولا أحْتَسيَ قهوَةً. ولا أكْتَسيَ نشْوَةً. فسوّلَتْ ليَ النّفسُ المُضِلّةُ. والشّهوَةُ المُذلّةُ المُزِلةُ. أنْ نادَمْتُ الأبْطالَ. وعاطَيتُ الأرْطالَ. وأضَعْتُ الوَقارَ. وارتضَعْتُ العُقارَ. وامتطَيْتُ مَطا الكُمَيتِ. وتناسيْتُ التّوبَةَ تَناسيَ الميْتِ. ثمّ لمْ أقْنَعْ بهاتِيكُمُ المَرّةِ. في طاعَةِ أبي مُرّةَ. حتى عكفْتُ على الخَندَريسِ. في يومِ الخَميسِ. وبتُّ صَريعَ الصّهْباء. في اللّيلَةِ الغرّاء. وها أنا بادي الكآبَةِ. لرَفْضِ الإنابَةِ. نامي النّدامَةِ. لوصْلِ المُدامَةِ. شديدُ الإشْفاقِ. منْ نقْضِ الميثاقِ. مُعتَرِفٌ بالإسْرافِ. في عَبّ السُّلافِ:
فيَا قوْمِ هلْ كَفّارَةٌ تعْرِفونَهاتُباعِدُ منْ ذَنْبي وتُدني إلى ربّي
قال أبو زيد: فلمّا حلّ أُنشوطَةَ نفْثِهِ. وقَضى الوَطَرَ منِ اشتِكاء بثّهِ. ناجَتْني نفْسي يا أبا زيْدٍ. هذهِ نُهزَةُ صيْدٍ. فشمّرْ عن يدٍ وأيْدٍ. فانتهَضْتُ منْ مَجْثِمي انتِهاضَ الشّهْمِ. وانخرَطْتُ منَ الصّفّ انخِراطَ السّهْمِ. وقُلتُ:
أيها الأرْوَعُ الذيفاقَ مجْداً وسؤدُدا
والذي يبْتَغي الرّشادَ ليَنجو بهِ غَدا
إنّ عندي عِلاجَ مابِتَّ منهُ مسَهَّدا
فاستَمِعْها عجيبةًغادرَتْني مُلَدَّدا
أنا منْ ساكِني سَروجَ ذَوي الدّينِ والهُدى
كنتُ ذا ثرْوَةٍ بهاومُطاعاً مُسَوَّدا
مرْبَعي مألَفُ الضّيوفِ ومالي لهُمْ سُدَى
أشتَري الحمْدَ باللُّهىوأقي العِرْضَ بالجَدا
لا أُبالي بمُنفِسٍطاحَ في البَذْلِ والنّدى
أوقِدُ النارَ باليَفاعِ إذا النِّكسُ أخْمَدا
وبَراني المؤمِّلونَ مَلاذاً ومَقْصِدا
لمْ يشِمْ بارِقي صَدٍفانْثَنى يشْتَكي الصّدَى
لا ولا رامَ قابِسٌقدْحَ زَندي فأصْلَدا
طالَما ساعَدَ الزّمانُ فأصْبَحْتُ مُسْعَدا
فقَضى اللهُ أنْ يُغيّـرَ ما كانَ عَوّدا
بوّأ الرّومَ أرْضَنابعْدَ ضِغْنٍ تولَّدا
فاسْتباحوا حريمَ مَنْصادَفوهُ موَحِّدا
وحوَوْا كلَّ ما استسـرّ بها لي وما بدا
فتطوّحْتُ في البِلادِ طَريداً مُشرَّدا
أجْتَدي الناسَ بعْدَماكُنتُ من قَبْلُ مُجْتَدى
وتُرى بي خَصاصَةٌأتَمنّى لها الرّدى
والبَلاءُ الذي بهِشمْلٌ أُنسي تبَدّدا
إسْتِباءُ ابْنَتي التيأسَروها لتُفْتَدى
فاسْتَبِنْ مِحنَتي ومـدّ إلى نُصْرَتي يَدا
وأجِرْني منَ الزّمانِ فقدْ جارَ واعْتَدى
وأعِنّي على فَكاكِ ابْنَتي منْ يدِ العِدَى
فبِذا تَنْمَحي المآثِمُ عمّنْ تمرّدا
وبِهِ تُقبَلُ الإنابَةُ ممّنْ تزَهّدا
وهْوَ كفّارَةٌ لمَنْزاغَ منْ بعْدِ ما اهْتَدى
ولَئِنْ قُمتُ مُنشِداًفلقَدْ فُهْتُ مُرشِدا
فاقْبَلِ النُصْحَ والهِدايَةَ واشْكُرْ لمَنْ هَدى
واسمَحِ الآنَ بالّذييتسنّى لتُحْمَدا
قال أبو زيدٍ: فلمّا أتْمَمْتُ هذْرَمَتي. وأُوهِمَ المسؤولُ صِدْقَ كلِمَتي. أغْراهُ القرَمُ إلى الكرَمِ بمؤاساتي. ورغّبَهُ الكلَفُ بحمْلِ الكُلَفِ في مُقاساتي. فرضَخَ لي على الحافِرَةِ. ونضَخَ لي بالعِدَةِ الوافِرَةِ. فانقلَبْتُ إلى وَكْري. فرِحاً بنُجْحِ مَكْري. وقد حصلْتُ منْ صوْغِ المَكيدةِ. على سوْغِ الثّريدَةِ. ووصلْتُ منْ حوْكِ القَصيدَةِ. إلى لوْكِ العَصيدَةِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ سُبحانَ منْ أبدعَكَ. فما أعْظمَ خُدَعَكَ. وأخْبَثَ بدَعَكَ! فاستَغْرَبَ في الضّحِك. ثمّ أنشدَ غيرَ مُرتَبِكٍ:
عِشْ بالخِداعِ فأنتَ فيدهْرٍ بَنوهُ كأُسْدِ بِيشَهْ
وأدِرْ قَناةَ المَكْرِ حتـى تسْتَديرَ رَحى المَعيشَهْ
وصِدِ النّسورَ فإنْ تعذرَ صيدُها فاقْنَعْ بريشَهْ
واجْنِ الثّمارَ فإنْ تفُتْـكَ فرَضّ نفسَكَ بالحشيشَهْ
وأرِحْ فؤادَكَ إنْ نَبادهْرٌ منَ الفِكَرِ المُطيشَهْ
فتغايُرُ الأحْداثِ يؤذِنُ باستِحالَةِ كُلّ عيشَهْ
النص من «مقامات الحريري» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). المصدر · الرخصة · مصادر الموقع