تجاوز إلى المحتوى

المقامة السادسة والعشرون من «مقامات بديع الزمان الهمذاني»

المقامة الوعظية

لبديع الزمان الهمذاني (ت ٣٩٨هـ) · يرويها عيسى بن هشام عن أبي الفتح الإسكندري · فيها ٣٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ:

بَيْنَا أَنا بِالْبَصْرَةِ أَمِيسُ، حَتَّى أَدَّانِي السَّيْرُ إِلَى فُرْضَةٍ قَدْ كَثُرَ فِيها قَوْمٌ عَلَى قَائِمٍ يَعِظُهُمْ وَهْوَ يَقُولُ: أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ لَمْ تُتْرَكُوا سُدَى، وَإِنَّ مَعَ اليَوْمِ غَداً، وَإِنَّكُمْ وَاردُو هُوَّةٍ، فَأِعُّدوا لهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَإِنَّ بَعْدَ المَعَاشِ مَعاداً، فَأَعِدُّوا لهُ زَاداً، أَلا لاَ عُذْرَ فَقَدْ بُيِّنَتْ لَكُمُ المَحَجَّةُ، وَأَخِذَتُ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، مِنَ السَّماءِ بِالخَبَرِ، وَمِنَ الأَرْضِ بَالعِبَرِ، أَلا وَإِنَّ الَّذِي بَدَأَ الخَلْقَ عَلِيماً، يُحْيِ العَظامَ رَمِيماً، أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا دَارُ جَهَازٍ، وَقَنْطَرَةُ جَوَازٍ، مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، وَمَنْ عَمَرها نَدِمَ، أَلا وَقَدْ نَصَبَتْ لَكُمُ الفَخَّ وَنَثرَتْ لَكُمُ الْحَبَّ؛ فَمَنْ يَرْتَعْ، يَقَعْ، وَمَنْ يَلْقُطْ، يَسْقُطْ، أَلا وَإِنَّ الفَقْرَ حِلْيَةُ نَبِيِّكُمْ فَاكْتَسُوهَا، وَالغِنى حُلَّةُ الطُّغْيَانِ فَلاَ تَلْبَسُوها، كَذَبَتْ ظُنْونُ المُلْحِدِينَ، الَّذَينَ جَحَدُوا الدِّينَ، وَجَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، إِنَّ بَعْدَ الحَدثِ جَدَثاً، وَإنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا عَبَثاً، فَحَذَارِ حَرَّ النَّارِ، وَبَدَارَ عُقْبَى الدَّارِ، أَلا وَإِنَّ العِلْم أَحْسَنُ علَىَ عِلاَّتِهِ، وَالجَهْلَ أَقْبَحُ عَلَى حَالاتِهِ، وَإِنَّكُمْ أَشْقَى مَنْ أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، إِنْ شَقِيَ بِكُمُ العُلماءُ، النَّاسُ بِأَئِمَّتِهمْ، فإِنِ انْقَادُوا بِأَزِمَّتِهِمْ، نَجَوْا بِذِمَّتِهمْ، وَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: عَالِمٌ يَرْعَى، وَمُتَعَلِّمٌ يَسْعَى، وَالبَاقُونَ هامِلُ نَعامٍ، وَرَاتِعُ أَنْعَامٍ، وَيْلُ عَالٍ أُمِرَ مِنْ سَافِلِهِ، وَعَالِمِ شَيْءٍ مِنْ جاهِلِهِ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ عَلِيَّ بْنُ الحُسَيْنِ كَانَ قَائِماً يَعِظُ النَّاسَ وَيَقُولُ: يا نَفْسُ حَتَّامَ إِلى الحَياةِ رُكُونُكِ، وَإِلَى الدُّنْيَا وَعِمَارَتِهَا سُكُوُنُكِ؟ أَما اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلاَفِكِ، وَبِمَنْ وَارَتْهُ الأَرْضُ مِنْ أُلاَّفِكِ، وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى دَارِ البِلَى مِنْ أَقْرانِكِ؟؟

فُهْم في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظهورهامَحاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ
خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْوَسَاقَتْهُمُ نَحْوَ المَنايَا المَقادِرُ
وَخَلُّوْا عَنِ الدُّنْيا وِما جَمَعُوا لهَاوَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّرابِ الحَفائِرُ

كَمْ اخْتَلَسَتْ أَيْدي المَنُونِ، مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ؟ َوكَمْ غَيَّرَتْ بِبِلاهَا، وَغَيَّبَتْ أَكْثَرَ الرِّجَالِ في ثَرَاها؟؟؟

وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيا مُكِبٌ مٌنافِسٌلِخُطَّابِها فيها حَريصٌ مُكاثِرُ
عَلَى خَطَرٍ تَمْشِي وَتُصْبِحُ لاهِياًأَتَدْري بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخاطِرُ
وَإِنِ امْرَؤٌ يَسْعى لِدُنْياهُ جاهِداًوَيُذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لا شَكَّ خَاسِرُ

انْظُرْ إِلى الأُمَمِ الخَالِيةِ، وَالمُلُوكِ الفَانِيَةِ، كَيْفَ انْتَسَفَتْهُمُ الأَيَّامُ، وَأَفْنَاهُمُ الحِمَامُ؟ فَانْمَحَتْ آثارُهُمْ، وَبَقِيَتْ أَخْبارُهمْ.

فَأَضْحَوْا رَمِيماً في التُّرَابِ وَأَقْفَرَتْمَجالِسُ مِنْهُمْ عُطِّلَتْ وَمَقَاصِرُ
وَخَلَّوْا عَنِ الدُّنْيَا وَما جَمَعُوا بِهاوَما فَازَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَنْ هُوَ صَابِرُ
وَحَلوا بِدَارٍ لاَ تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْوَأَنَّى لِسُكَّانِ القُبورِ التزَاوُرُ
فَمَا إِنْ تَرَى إِلاَّ رُمُوساً ثَوَوْا بِهامُسَطَّحَةً تًسْفِي عَلَيْها الأَعَاصِرُ

كَمْ عَايَنْتَ مِن ذِي عِزَّةٍ وَسُلْطانٍ، وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، قَدْ تَمكَّنَ مِنْ دُنْياهُ، وَنالَ مِنْهَا مُنَاهُ، فَبَنَى الحُصُونَ وَالدَّسَاكِرَ، وَجَمَعَ الأَعْلاَقَ وَالعَساكِرَ

فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ المَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْمُبادِرَةً تًهْوِى إِلَيْهِ الذَّخائِرُ
وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الحُصونُ الَّتي بَنَىوَحَفَّتْ بِها أَنْهارُها والدَّساكِرُ
وَلا قَارَعَتْ عَنْهُ المَنِيَّةَ حِيلَةٌوَلا طَمِعَتْ في الذَّبِّ عَنْهُ العَساكِرُ

يا قَوْمُ الحَذَرَ الحَذَرَ، وَالبِدارَ البِدارَ، مِنْ الدُّنْيا وَمَكايدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لكُمْ من مَصايِدِها، وَتَجَلَّتْ لَكُمْ مِنْ زِينَتِها، واسْتَشْرَفَتْ لَكُمْ مِنْ بَهْجَتِهَا.

وَفي دُونِ مَاعَاَينْتَ مِنْ فَجَعاتِهَاإِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَبالزُّهْدِ آمِرُ
فَجِدَّ وَلا تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ بَائِدٌوَأَنْتَ إِلَى دارِ المَنِيَّةِ صائِرُ
وَلا تَطْلُبِ الدُّنْيا فَإِنَّ طِلابَهاوَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا رَغْبَةً لَكَ ضَائِرُ

وَكَيْفَ يَحْرِصُ عَلَيْها لَبيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَريبٌ، وَهْوَ عَلى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا؟ أَلاَ تَعْجَبُونَ مِمَّنْ يَنامُ وَهْوَ يَخْشى الْمَوتَ، وَلا يَرْجُو الفَوْتَ؟

أَلاَ، لاَ، وَلكِنَّا نَغُرُّ نُفوسناوَتَغَلُهَا اللَّذَّاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌبِمَوْقِفِ عَدْلٍ حَيْثُ تُبْلى السَرَائِرُ
كَأَنَّا نَرى أَنْ لا نُشُورَ، وَأَنَّنَاسُدَىً، مَا لَنَا بَعْدَ الفَنَاءِ مَصَائِرُ!

كَمْ َغَرَّتِ الدُّنْيا مِنْ مُخْلِدٍ إِلَيْهَا وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٍّ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ تُنْعِشْهُ مِنْ عَثْرَتِهِ؟ وَلَمْ تُقِلْهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تُداوِهِ مِنْ سَقَمِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ.

بَلى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَرِفْعَةِمَوَارِدَ سُوءٍ ما لَهُنَّ مصادِرُ
فَلَمَّا رَأَى أَنْ لاَ نَجَاةَ وَأَنَّهُهُوَ المَوْتُ لاَ يُنْجِيهِ مِنْهُ المُؤازِرُ
تَنَدَّمَ لَوْ أَغْناهُ طُولُ نَدَامَةٍعَلَيْهِ وَأَبْكتهُ الذُّنُوبُ الكَبَائِرُ

بَكَى عَلى مَا سَلَفَ مِنْ خَطَايَاهُ، وَتَحَسَّرَ عَلى مَا خَلَّفَ مِنْ دُنْيَاهُ، حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ الاِسْتِعْبَارُ، وَلَمْ يُنْجِهَ الاعْتَذَارُ.

أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمومهُوَأَبْلَسَ لَمَا أَعْجَزَتْهُ المَعاذِرُ
فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كرْبَةِ المَوْتِ فَارِجٌوَلَيْسَ لَهُ مَمَّا يُحاذِرُ نَاصِرُ
وَقَدْ خَسِئَتْ فَوْقَ المَنِيَّةِ نَفْسُهُتُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللُّهَى وَالحَنَاجِرُ

فَإِلَى مَتَى تُرَقِّعُ بِآخِرَتِكَ دُنْيَاكَ، وَتَرْكَبُ في ذاكَ هوَاكَ؟ إِنِّي أَرَاكَ ضَعيفَ اليَقينِ، يَا رَاقِعَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، أَبِهذا أَمَرَكَ الرَّحْمنْ، أَمْ عَلى هَذا دَلَّكَ القُرْآنُ؟

تُخَرِّبُ مَا يَبْقَى، وَتعْمُرُ فَانِياًفَلاَ ذَاكَ مَوْفُورٌ، وَلاَ ذَاكَ عَامرُ
فَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةًوَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرَاً لَدَى اللهِ عَاذِرُ؟؟
أَتَرْضَى بِأَنْ تُقْضَى الحَياةُ وَتَنْقَضِيوَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالكَ وَافِرُ؟؟

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ لِبَعْضِ الحَاضِرِينَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: غَرِيبٌ قَدْ طَرَأَ لاَ أَعْرِفُ شَخْصَهُ، فَاصْبِرْ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ مَقَامَتِهِ، لَعَلَّهُ يُنْبِئُ بِعَلاَمَتِهِ، فَصَبَرْتُ فَقَالَ: زَيِّنُوا العِلْمَ بِالعَمَلِ، وَاشْكُرُوا القُدْرَةَ بِالْعَفْوِ، وَخُذُوا الصَّفْوَ وَدَعوا الكَدَرَ، يَغْفِرِ اللهُ لِي وَلَكُمْ، ثُمَّ أَرَادَ الذَّهَابَ، فَمَضَيْتُ عَلى أَثَرِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! لَمْ تَرْضَ بِالْحِلْيَةِ غَيَّرْتَها، حَتَّى عَمَدْتَ إِلى المَعْرِفةِ فَأَنْكَرْتَهَا! أَنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: حَفِظَكَ اللهُ، فَمَا هَذا الشَّيْبُ؟ فَقَالَ:

نَذِيرٌ، وَلَكِنَّهُ سَاكِتُوَضَعِيفٌ، وَلَكِنَّهُ شَامِتُ
وَأَشْخَاصُ مَوْتٍ، وَلَكِنَّهُإِلَى أَنْ أُشَيِّعَهُ ثَابِتُ

النص من «مقامات بديع الزمان الهمذاني» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). المصدر · الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

كل مقامات بديع الزمان الهمذاني