وليـلةٍ حـامـت عـليـهـا النـجـوم
الشاعر: وديع عقل · البحر: السريع
هذه القصيدة من شعر وديع عقل، من العصر الحديث، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر السريع، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
وليـلةٍ حـامـت عـليـهـا النـجـوم — خــافــقــةً وجــداً لنــأي القـمـر
سـهـرتـهـا وحـدي أليـف الهـمـوم — ومـن يـوالي الهـم والي السـهر
النـفـس فـي وادي أسـاهـا تـهيم — والعـيـن ما بين دراري الرقيع
ولم أزل حـتـى تـسـاري النـسـيم — يـــحـــمــل أنــات فــؤاد وجــيــع
ولاح لي فـي الحـي طـيـفٌ حـزيـن — يــدلف مـا بـيـن سـجـوف الظـلام
يــطـارح الليـل اسـاه الكـمـيـن — والحــي اهــلوه جـمـيـعـاً نـيـام
وعــنــدمــا دانــيــتــه أبــصــرت — جـيـنـاي حـسـنـاء بـشـرخ الصـبـا
ومــذ رأتــنــي مــاثــلاً ســتــرت — بـراحـتـيـهـا وجـهـهـا الكـوكـبا
آنــســتــهــا مـنـي بـقـولٍ لطـيـف — مـهـلاً فـمـا أدركت غير النصير
هـذا فـتـىً يـرثي لحالي الضعيف — وليــس عــنــد اللَه أمـر عـسـيـر
فـانـزلت عـن وجـنـتـيها اللثام — كـفـيـن شـقـا عـن نـظـير الشقيق
وجــاوبــتــنـي بـفـصـيـح الكـلام — ذي هـنـد هـل تـعوفها يا صديقي
ربـاه مـا هذا التلاقي الغريب — ومــا لهـنـد كـالغـزال الطـريـد
ومــا لهــنـدٍ وجـدهـا والحـبـيـب — فـي مـعـزلٍ يـا هند اين السويد
فــانــطــرحــت ذاهــلةً لا تــعــي — واصـفـر جـوري المـحـيـا النضير
وبـــت أذرى فـــوقــهــا ادمــعــي — حـتـى أفـاقـت بـالبـكا والزفير
وبـــد أن أمـــلكـــهـــا رشــدهــا — أفـصـح عـنـهـا دمـعـهـا فالكلام
وخــبــرت كــيـف انـطـوي سـعـدهـا — ومـا انـطوى في صدرها من سهام
عـرفـت هـنـداً مـنـذ عـشـر سـنـين — حـسـنـاءَ فـي حجرِ أبيها الفقير
لا أم لا اهــــل لا مــــعـــيـــن — إلا أبٌ شــيــخٌ شــديـد النـكـيـر
عــرفــتــهـا جـارتـنـا العـامـله — لخـيـاطـةً فـي ليـلهـا والنـهـار
جـــمـــيـــلةً لكـــنــهــا فــاضــله — غــنــيـةً بـالخـلق لا بـالنـضـار
مـا أبـصـرت بـيـروت هـنـداً عـلى — غــيــر طـريـقٍ للمـصـلى القـريـب
لا بــدعـةٌ فـي ثـوبـهـا لا حـلى — إلا حـــيـــاءٌ وجــمــالٌ عــجــيــب
وزارنــي يــومــاً صــديــقٌ غــنــي — مــن بــعــلبــك البــلدِ الزاهــرِ
مـا أبـصـر الحـسـنـاءَ حـتـى مُني — بــفــتـنـةٍ مـن لحـظـهـا السـاحـر
وبــات يــســتــطــلعــنــي أمـرهـا — والوجــدُ قــد جــد ولجَّ الغــرام
وســــره لمــــا رأى فــــقـــرهـــا — أن اقـتـناص الظبي سهل المرام
وبـاح للشـيـخ بـنـجـوى الضـمـير — فـابـتـهـج الشـيـخ بذاك النصيب
واقــتـرنـت جـارتـنـا بـالأمـيـر — تـسـتـبـدلُ الطـمـر بـثـوبٍ قـشـيب
ووســوس الحــلي عــلى المــعـصـم — ولألأ المـــاس عـــلى الأنــمــل
وســافـرت مـع بـعـلهـا المـنـعـم — تــصــاحــب العــيــش بــبـالٍ خـلي
واصــطــحــبــت هـنـدٌ أبـاهـا إلى — مـرتـعـهـا يـقـضـي شـتاءَ الحياة
فــجــرَّ ذيــلَ العــمـرِ فـيـه عـلى — رغــدٍ إلى أن حــان حـيـنٌ فـمـات
مــضــي وهــنــدٌ أُمُّ طــفـلٍ فـطـيـم — وبــعــلهـا مـسـتـمـسـكٌ بـالوفـاء
لكن هو الدهر المداجي الذميم — يـسـتـل مـن ضلع الهناء الشقاء
خــمــســةُ أعـوامٍ قـضـاهـا فـريـد — فــي حــبِّ ذاك المــلكِ الطــاهــرِ
ثــم تــجــافــى كـلَّ طـبـعٍ حـمـيـدٍ — واســتــبـدلَ الطـاهـرَ بـالعـاهـرِ
واسـتـفَّ يـسـتـرسـلُ في المنكرات — مــســتـهـلكـاً ثـروتـه بـالقـمـار
واسـتـعـبـدتـه عـادةُ المـسـكرات — وراحَ قـــواداً عـــلى كـــل عـــار
وحــال حــال الغـادةِ التـاعـسـه — واصـبـحـت مـع طـفـلهـا فـي جحيم
مــــرذولةً مـــعـــزولةً يـــائســـه — تـبـكي على عهدِ الصفاءِ القديم
خـمـسـةُ أعـوامٍ مـضـت فـي النـعم — وخـمـسـةٌ مـن بـعـدهـا فـي شـقـاء
فـــي ســـهــرٍ فــي جــزعٍ فــي ألم — فــي مــحــنٍ فـي غـصـصٍ فـي بـكـاء
قـد ضـيَّعـَ المـالَ وبـاعَ الديـارِ — ولمــيـدع مـن مـقـتـنـى للمـعـاش
وبـاعَ مـا فـي زنـدهـا مـن سوار — وكـل مـا فـي بـيـتـهـا مـن رياش
وليــلة اعــوز هــنــد الطــعــام — لطـفـلهـا البـاكـي وعـز المجير
يـا رب ليـس الذنب ذنب الغلام — يـا رب لطـفـاً بـالبريء الصغير
وبـعـد وهـن الليـل وافـى فـريد — وانـسـل كـالثـعبان نحو المنام
فــاقــبــلت هــنــدٌ عـليـه تـريـد — عـونـاً عـلى جـوعٍ يـمـيتُ الغلام
فــاقــفــل البــاب مــن الداخــل — وضـــنَّ حـــتــى يــقــيــح الكــلام
واسـتـرجـعـت فـي وجـدها الشاعل — الى وليـــد جـــائع لا يـــنـــام
كــذا قــضــت ليــلتــهــا سـاهـره — حـتـى إذا ما افتر ثغر الصباح
قــامــت إلى جــيـرانـهـا سـائره — تـطـلب قـوت الطـفل من ذي سماح
وهـرولت بـالقـوت نـحـو الوحـيد — ودمــع عـيـنـيـهـا بـرش الطـريـق
وبــعــد أن غـذتـه نـام الوليـد — والوالد الظـالم لا يـسـتـفـيـق
واذ مـرأت عـند انتصاف النهار — أن فـريـداً مـغـرق فـي السـيكون
قـامـت وفـي المـهجة نار وتارة — تـقـزع بـالكـفـيـن بـاب الخـوؤن
فــلم يــجـاوبـهـا عـلى رغـم مـا — نـادت فـخـافـت غـيـر مـا يـنتظر
واسـتـنـجـدت جـيـران ذاك الحمى — فــبـادروا يـسـتـطـلعـون الخـبـر
وكـسـروا البـاب فـلاح الشـبـاب — عـــلى بـــســـاط جـــثــة هــامــده
ودونــــه ســــم نــــقـــاع مـــذاب — كــفــتــه مــنــه جــرعــه واحــده
يـا لهـف عـنـد عند ذاك المصاب — تــمــزق الخــديـن فـوق الطـريـح
مـا خـلقـت هـنـد لغـيـر العـذاب — كـأنـهـا افـتـت بـصـلب المـسـيـح
وغــيــبــوه فـي الثـرى وانـبـرى — لهــنــد فـي الجـيـرة بـر جـليـل
أنـــزلهـــا فـــي داره اشـــهــرا — مـع طـفـلهـا مـشـمـولةً بـالجميل
واســتــأذنــت عــائتـهـا شـاكـره — فــأمــمــت بــيــروت مـع طـفـلهـا
تــريــد تـلك الحـالة الغـابـره — خــيــاطــةً تــعـتـاش مـن شـغـلهـا
فــادركــت بـيـروت وهـن الظـلام — وأضـجـعت في الخان ذاك الصغير
وآثــرت أن لا يــراهـا الأنـام — فـأمـمـتـنـي فـي الدجـى تـستشير
قــالت الا مــن غــرفــةٍ خـاليـه — فـي حـيـكـم اسـكـنـهـا والوحـيـد
واســتـعـيـد العـيـشـة الخـاليـه — فـعـهـد فـقري كان عهدي السعيد
فــرحــت اســتــضــرعُ للتــاعــســه — جــمـاعـةً مـن غـاثـة المـعـوذيـن
فــخـفـفـوا مـن كـربـة البـائسـه — ومـال للسـلوى الفـؤادُ الحـزين
وعــادت الخــيــاطــة الفــاضــله — لعـيـشـهـا الماضي وصين العفاف
واســتـنـضـرت وردتـهـا الذابـلة — لمـا سـقاها الغيث بعد الجفاف
يـا أيـهـا الآبـاء لا تـحـفلوا — بـالمـال إذ يـأتـيـكـم الخـاطـب
قــولوا له ان جــاءكــم يــســأل — نـــدرس أخـــلاقـــك يـــا صــاحــب
ويـا ذوي الأمـوال لا تـقـبضوا — راحـاتـكـم عـن بـائس يـسـتـعـيـن
فــدرهــم الاحــســان مــســتـقـرضٌ — وخـالقُ الدنـيـا هـو المـسـتدين
البحر والقافية
القصيدة على بحر السريع. بحر خفيف سريع الإيقاع كما يدلّ اسمه، يصلح للموضوعات الخفيفة والقصص.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اساه: [س و أ]. (مصدر أَسَاءَ). 1."بَالَغَ فِي إِسَاءتِهِ": جَاوَزَ الحَدَّ فِي مُعامَلَتِهِ مُعَامَلَةً سَيِّئَةً. 2."تَلَقَّى مِنْهُ إِسَاءةً بَالِغَةً": إِهَانَةً، ضَرَراً.
- الرقيع: الرَّقِيعُ : الأحمقُ الطَّائش؛ يقف الرُّقَعاءُ في الطُّرقاتِ يزعجون المارَّة ج رُقَعَاءُ. ـ: السَّماءُ عموماً أو السَّماء الأولى في عُرْف الأقدمين؛ لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ من فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ ج أَرْقِع …
- الكمين: الكَمِينُ : القومُ يتوارَوْن في الحرب في مكمنٍ لينتهزوا غرَّة العدوّ فيهجمون؛ نصبَ الثُّوَّارُ كميناً للعدوّ.-: اللَّبْسُ أو الغموضُ. في الأمر لا يُفطن له؛ أظنَّ أنَ في هذا الأمر كميناً.
- بشرخ: شرخ: الشَّرْخُ والسِّنْخُ: الأَصْلُ والعِرْقُ. وشَرْخ كُلِّ شيءٍ: حَرْفُهُ الناتئُ كَالسَّهْمِ وَنَحْوِهِ. وشَرْخا الفُوق: حَرْفَاهُ المُشْرِفانِ اللَّذَانِ يَقَعُ بَيْنَهُمَا الوَتر؛ ابْنُ شُمَيْلٍ: زَنَمَتا السَّهْمِ ش …
- تساري: تَسَأَّرَ يَتَسَأَّرُ تَسَؤُّراً : ـ الشرابَ: شرب
- تهيم: تَهَيَّمَ يَتَهَيَّمُ تهَيُّماً :- ـه الهوى: حمله على الْهُيام، أي على الشغف بالمحبوبة.- الشخص مشى أحسن المشي؛ أُعجبَ الناس بقوامها وهي تتهيم.