رُدُّوا عَـلَيَّ الصِّبـَا مِـنْ عَـصْرِيَ الْخَالِي

الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

رُدُّوا عَـلَيَّ الصِّبـَا مِـنْ عَـصْرِيَ الْخَالِي — وَهَــلْ يَــعُــودُ سَــوَادُ اللّمَّةـِ الْبَـالِي

مَـاضٍ مِـنَ الْعَـيْـشِ مَـا لاحَـتْ مَـخَـايِلُهُ — فِـي صَـفْـحَـةِ الْفِـكْـرِ إِلا هَاجَ بَلْبَالِي

سَــلَتْ قُــلُوبٌ فَــقَــرَّتْ فــي مَـضَـاجِـعِهَـا — بَـعْـدَ الْحَـنِـيـنِ وَقَـلْبِي لَيْسَ بِالسَّالِي

لَمْ يَــدْرِ مَــنْ بَــاتَ مَــسْـرُوراً بِـلَذَّتِهِ — أَنِّيـ بِـنَـارِ الأَسَـى مِـنْ هَـجْـرِهِ صَـالِي

يَـا غَـاضِـبـيـنَ عَـليْـنَـا هَـلْ إِلَى عِـدَةٍ — بِـالْوَصْـلِ يَـوْمٌ أُنَـاغِـي فِـيـهِ إِقْـبَالِي

غِـبْـتُـمْ فَـأَظْـلَمَ يَـوْمِـي بَـعْـدَ فُـرْقَتِكُمْ — وَسَــاءَ صُــنْـعُ اللَّيَـالِي بَـعْـدَ إِجْـمَـالِ

قَـدْ كُـنْـتُ أَحْـسَـبُـنِـي مِـنْـكُـمْ عَلَى ثِقَةٍ — حَـتَّى مُـنِـيـتُ بِـمَـا لَمْ يَـجْـرِ فِي بَالِي

لَمْ أَجْـنِ فِـي الْحُـبِّ ذَنْـبَـاً أَسْـتَحِقُّ بِهِ — عَــتْــبَــاً وَلَكِــنَّهــَا تَــحْــرِيـفُ أَقْـوَالِ

وَمَـــــنْ أَطَـــــاعَ رُوَاةَ السُّوءِ نَــــفَّرَهُ — عَــنِ الصَّدِيـقِ سَـمَـاعُ الْقِـيـلِ وَالْقَـالِ

أَدْهَــى الْمَــصَــائِبِ غَــدْرٌ قَـبْـلَهُ ثِـقَـةٌ — وَأَقْــبَــحُ الظُّلــْمِ صَــدٌّ بَــعْــدَ إِقْـبَـالِ

لا عَــيْــبَ فِــيَّ سِــوَى حُــرِّيَّةــٍ مَــلَكَــتْ — أَعِــنَّتــِي عَــنْ قَــبُــولِ الذُّلِّ بِـالْمَـالِ

تَــبِــعْــتُ خُــطَّةــَ آبَــائِي فَــسِـرْتُ بِهَـا — عَــــــلَى وَتِــــــيـــــرَةِ آدَابٍ وَآسَـــــالِ

فَــمَـا يَـمُـرُّ خَـيَـالُ الْغَـدْرِ فِـي خَـلَدِي — وَلا تَــلُوحُ سِــمَــاتُ الشَّرِّ فِــي خَــالِي

قَــلْبِــي سَــلِيــمٌ وَنَــفْـسِـي حُـرَّةٌ وَيَـدِي — مَــأْمُــونَــةٌ وَلِسَــانِــي غَــيْــرُ خَــتَّاــلِ

لَكِــنَّنــِي فِــي زَمَــانٍ عِـشْـتُ مُـغْـتَـرِبَـاً — فِــي أَهْـلِهِ حِـيـنَ قَـلَّتْ فِـيـهِ أَمْـثَـالِي

بَــلَوْتُ دَهْــرِي فَــمَــا أَحْـمَـدْتُ سِـيـرَتَهُ — فِــي سَــابِــقٍ مِـنْ لَيَـالِيـهِ وَلا تَـالِي

حَــلَبْــتُ شَــطْــرَيْهِ مِـنْ يُـسْـرٍ وَمَـعْـسـرَةٍ — وَذُقْــتُ طَــعْــمَــيْهِ مِــنْ خِـصْـبٍ وَإِمْـحَـالِ

فَــمَــا أَسِــفْــتُ لِبُــؤْسٍ بَــعْــدَ مَـقْـدرَةٍ — وَلا فَـــرِحْـــتُ بِــوَفْــرٍ بَــعْــدَ إِقْــلالِ

عَــفَــافَـةٌ نَـزَّهَـتْ نَـفْـسِـي فَـمَـا عَـلِقَـتْ — بِــلَوْثَــةٍ مِــنْ غُــبَــارِ الذَّمِّ أَذْيَــالِي

فَـالْيَـوْمَ لا رَسَـنِـي طَوْعُ الْقِيَادِ وَلا — قَــلْبِــي إِلَى زَهْـرَةِ الدُّنْـيَـا بِـمَـيَّاـلِ

لَمْ يَــبْـقَ لِي أَرَبٌ فِـي الدَّهْـرِ أَطْـلُبُهُ — إِلا صَـــحَـــابَـــةُ حُـــرٍّ صَــادِقِ الْخَــالِ

وَأَيْــنَ أُدْرِكُ مَــا أَبْــغِــيــهِ مِـنْ وَطَـرٍ — وَالصِّدْقُ فِـي الدَّهْـرِ أَعْـيَـا كُلَّ مُحْتَالِ

لا فِــي سَــرَنْــدِيــبَ لِي إِلْفٌ أُجَــاذِبُهُ — فَــضْــلَ الْحَـدِيـثِ وَلا خِـلٌّ فَـيَـرْعَـى لِي

أَبِــيــتُ مُــنْــفَــرِدَاً فِـي رَأْسِ شَـاهِـقَـةٍ — مِـثْـلَ الْقَـطَـامِيِّ فَوْقَ الْمِرْبَإِ الْعَالِي

إِذَا تَـــلَفَّتـــُّ لَمْ أُبْــصِــرْ سِــوَى صُــوَرٍ — فِــي الذِّهْــنِ يَـرْسُـمُهَـا نَـقَّاـشُ آمَـالِي

تَهْـفُـو بِـيَ الرِّيـحُ أَحْـيَـانَاً وَيَلْحَفُنِي — بَــرْدُ الطِّلــالِ بِــبُــرْدٍ مِــنْهُ أَسْـمَـالِ

فَــفِــي السَّمــَاءِ غُــيُــومٌ ذَاتُ أَرْوِقَــةٍ — وَفِــي الْفَــضَــاءِ سُــيُــولٌ ذَاتُ أَوْشَــالِ

كَــأَنَّ قَــوْسَ الْغَــمَــامِ الْغُـرِّ قَـنْـطَـرَةٌ — مَــعْـقُـودَةٌ فَـوْقَ طَـامِـي الْمَـاءِ سَـيَّاـلِ

إِذَا الشُّعــَاعُ تَــرَاءَى خَـلْفَهَـا نَـشَـرَتْ — بَــــدَائِعَــــاً ذَاتَ أَلْوَانٍ وَأَشْــــكَــــالِ

فَــلَوْ تَــرَانِــي وَبُــرْدِي بِـالنَّدَى لَثِـقٌ — لَخِــلْتَــنِــي فَــرْخَ طَــيْـرٍ بَـيْـنَ أَدْغَـالِ

غَــالَ الرَّدَى أَبَــوَيْهِ فَهْــوَ مُــنْــقَـطِـعٌ — فِــي جَـوْفِ غَـيْـنَـاءَ لا رَاعٍ وَلا وَالِي

أُزَيْـغِـبَ الرَّأْسِ لَمْ يَـبْـدُ الشَّكـِيـرُ بِهِ — وَلَمْ يَــصُــنْ نَـفْـسَهُ مِـنْ كَـيْـدِ مُـغْـتَـالِ

كَــــأَنَّهــــُ كُـــرَةٌ مَـــلْسَـــاءُ مِـــنْ أَدَمٍ — خَــفِــيَّةــُ الدَّرْزِ قَــدْ عُــلَّتْ بِــجِـرْيـالِ

يَــظَــلُّ فِــي نَــصَــبٍ حَــرَّانَ مُــرْتَــقِـبـاً — نَــقْــعَ الصَّدَى بَــيْــنَ أَسْــحَـارٍ وَآصَـالِ

يَـكَـادُ صَـوْتُ الْبُـزَاةِ الْقُـمْـرِ يَـقْـذِفُهُ — مِــنْ وَكْـرِهِ بَـيْـنَ هَـابِـي التُّرْبِ جَـوَّالِ

لا يَـسْـتَـطِـيـعُ انْـطِـلاقـاً مِنْ غَيَابَتِهِ — كَـــأَنَّمـــَا هُـــوَ مَـــعْــقُــولٌ بِــعُــقَّاــلِ

فَــذَاكَ مِــثْــلِي وَلَمْ أَظْــلِمْ وَرُبَّتــَمَــا — فَــــضَــــلْتُهُ بِـــجَـــوَى حُـــزْنٍ وَإِعْـــوَالِ

شَــوْقٌ وَنَــأْيٌ وَتَــبْــرِيــحٌ وَمَــعْــتَــبَــةٌ — يَــا لَلْحَــمِــيَّةــِ مِـنْ غَـدْرِي وَإِهْـمَـالِي

أَصْـبَـحْـتُ لا أَسْـتَـطِـيـعُ الثَّوْبَ أَسْـحَبُهُ — وَقَــدْ أَكُــونُ وَضَـافِـي الدِرْعِ سِـرْبَـالِي

وَلا تَــكَـادُ يَـدِي تُـجْـرِي شَـبَـا قَـلَمِـي — وَكَـــانَ طَـــوْعَ بَــنَــانِــي كُــلُّ عَــسَّاــلِ

فَــإِنْ يَــكُــنْ جَـفَّ عُـودِي بَـعْـدَ نَـضْـرَتِهِ — فَــالدَّهْــرُ مَــصْــدَرُ إِدْبَــارٍ وَإِقْــبَــالِ

عَـــلامَ أَجْـــزَعُ وَالأَيَّاــمُ تَــشْهَــدُ لِي — بِـصِـدْقِ مَـا كَـانَ مِـنْ وَسْـمِـي وَإِغْـفَالِي

رَاجَــعْــتُ فِهْــرِسَ آثَــارِي فَـمَـا لَمَـحَـتْ — بَـصِـيـرَتِـي فِـيـهِ مَـا يُـزْرِي بِـأَعْـمَالِي

فَـكَـيْـفَ يُـنْـكِـرُ قَـوْمِـي فَـضْـلَ بَـادِرَتِـي — وَقَــدْ سَــرَتْ حِـكَـمِـي فِـيـهِـمْ وَأَمْـثَـالِي

أَنَا ابْنُ قَوْلِي وَحَسْبِي فِي الْفَخَارِ بِهِ — وَإِنْ غَـــدَوْتُ كَـــرِيــمَ الْعَــمِّ والْخَــالِ

وَلِي مِـــنَ الشِّعـــْرِ آيَـــاتٌ مُـــفَــصَّلــَةٌ — تَــلُوحُ فِــي وَجْــنَـةِ الأَيَّاـمِ كَـالْخَـالِ

يَـنْـسَـى لَهَـا الْفَاقِدُ الْمَحْزُونُ لَوْعَتَهُ — وَيَهْـــتَـــدِي بِـــسَـــنَــاهَــا كُــلُّ قَــوَّالِ

فَـانْـظُـرْ لِقَـوْلِي تَـجِـدْ نَـفْـسِـي مُـصَوَّرَةً — فِــي صَـفْـحَـتَـيْهِ فَـقَـوْلِي خَـطُّ تِـمْـثَـالِي

وَلا تَــغُـرَّنْـكَ فِـي الدُّنْـيَـا مُـشَـاكَـلَةٌ — بَـيْـنَ الأَنَـامِ فَـلَيْـسَ النَّبـْعُ كَالضَّالِ

إِنَّ ابْـــنَ آدَمَ لَوْلا عَـــقْـــلُهُ شَـــبــحٌ — مُـــرَكَّبـــٌ مِـــنْ عِـــظَـــامٍ ذَاتِ أَوْصَـــالِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • البالي: البالي [بلي]: فا.-: الرثُّ الخَلق؛ لبس ثوبا بالياً بسبب فقره المدقع،
  • الخالي: الخَالِي [خلو]: فا. -: المَاضي كُلُوا وَاشْرَبُوا هنِيئًا مِمَّا أَسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخَالِيَةِ. - من الرجال: من لا زوجةَ له. ج أَخلاَءُ. - من كل شيء: الفارغ منه؛ الخالي من الهمِّ أي من لا همّ له، خلاف الشجيِّ / ا …
  • بالسالي: سأل: سَأَلَ يَسْأَلُ سُؤَالًا وسَآلَةً ومَسْأَلةً وتَسْآلًا وسَأَلَةً[[. قوله [وسَأَلَةً] ضبط في الأَصل بالتحريك وهو كذلك في القاموس وشرحه؛ وقوله قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: أسَاءَلْت، كذا في الأَصل، وفي شرح القاموس: وسَاءَلَه …
  • بلبالي: البَلْبَالُ والبَلْبالَةُ : الوسواس والهمّ الشديد؛ تركتُه فريسة البَلاَبلِ وضحيةَ الهموم ج بَلاَبِلُ وبلابِيلُ.
  • سلت: سلت: سَلَتَ المِعَى يَسْلِتُه سَلْتاً: أَخرجه بِيَدِهِ؛ والسُّلاتةُ: ما سُلِتَ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ أَهل النَّارِ: فيَنْفُذ الحَمِيم إِلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ مَا فِيهِ أَي يَقْطَعُه ويستأْصله. والسَّلْتُ: قَبْضُكَ عَلَ …
  • صالي: صَالَ يَصُولُ صُلْ صَوْلاً وصَوَلاَناً [صول]:- عليه: هجم عليه ليقهره؛ صال القائد على الأعداء صولاً جريئاً.- عليه صولةً وصَوْلاً وثب؛ صال المُصارع على خصمه صولةً ناجحةً.- الجملُ ونحوه: عضّ/ فلانٌ يصول ويجول، أي يفعل ما يش …

قصائد ذات صلة

  • يا رائد البرق يمم دارة العلم
  • أتاني أن عبد الله أصغى
  • كفى بالضنى عن سورة العذل ناهيا
  • تصابيت بعد الحلم واعتادني زهوي
  • تصابيت بعد الحلم واعتادني شجوي
  • ويلاه من نار الهوى
  • أقلا ملامي في هوى الشادن الأحوى
  • إن سرنديب على حسنها