تَــرَحَّلــَ مِــنْ وَادِي الأَرَاكَــةِ بِـالْوَجْـدِ
الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 46 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَــرَحَّلــَ مِــنْ وَادِي الأَرَاكَــةِ بِـالْوَجْـدِ — فَـبَـاتَ سَـقِـيـمـاً لا يُـعِـيـدُ وَلا يُـبْدِي
سَــقِــيــمــاً تَـظَـلُّ الْعَـائِدَاتُ حَـوَانِـيـاً — عَــلَيْهِ بِــإِشْــفَـاقٍ وَإِنْ كَـانَ لا يُـجْـدِي
يَــــخَــــلْنَ بِهِ مَـــسَّاـــً أَصَـــابَ فُـــؤَادَهُ — وَلَيْــــسَ بِهِ مَـــسٌّ سِـــوَى حُـــرَقِ الْوَجْـــدِ
بِهِ عِـــلَّةٌ إِنْ لَمْ تُـــصِـــبْهَـــا سَــلامَــةٌ — مِـنَ اللهِ كَـادَتْ نَـفْـس حَـامِـلِهَـا تُـرْدِي
وَمِـــنْ عَـــجَـــبِ الأَيَّاـــمِ أَنِّيـــ مُـــولَعٌ — بِـمَـنْ لَيْـسَ يَـعْـنِـيـهِ بُـكَائِي وَلا سُهْدِي
أَبِــيــتُ عَـلِيـلاً فـي سَـرَنْـدِيـبَ سَـاهِـرَاً — أُعَــالِجُ مَـا أَلْقَـاهُ مِـنْ لَوْعَـتِـي وَحْـدِي
أَدُورُ بِــعَــيْــنِــي لا أَرَى وَجْهَ صَــاحِــبٍ — يَــرِيــعُ لِصَــوْتِــي أَوْ يَــرِقُّ لِمَـا أُبْـدِي
وَمِــمَّاــ شَــجَــانِـي بَـارِقٌ طَـارَ مَـوْهِـنـاً — كَـمَـا طَـارَ مُـنْـبَـثُّ الشَّرَارِ مِـنَ الزَّنْـدِ
يُـــمَـــزِّقُ أَسْـــتَـــارَ الدُّجُـــنَّةـــِ ضَــوْؤُهُ — فَــيَـنْـسِـلُهَـا مَـا بَـيْـنَ غَـورٍ إِلَى نَـجْـدِ
أَرِقْـــتُ لَهُ وَالشُّهـــْبُ حَــيْــرَى كَــلِيــلَةٌ — مِــنَ السَّيــْرِ وَالآفَـاقُ حَـالِكَـةُ الْبُـرْدِ
فَـــبِـــتُّ كَــأَنِّيــ بَــيْــنَ أَنْــيَــابِ حَــيَّةٍ — مِــنَ الرُّقْـطِ أَوْ فـي بُـرْثُـنَـيْ أَسَـدٍ وَرْدِ
أُقَـــلِّبُ طَـــرْفِـــي وَالنُّجـــُومُ كَـــأَنَّهـــا — قَـتِـيـرٌ مِـنَ الْيَـاقُـوتِ يَـلْمَـعُ فِـي سَـرْدِ
وَلا صَــاحِــبٌ غَــيْــرُ الْحُــسـامِ مَـنُـوطَـةٌ — حَـــمَـــائِلُهُ مِــنِّيــ عَــلَى عَــاتِــقٍ صَــلْدِ
إِذَا حَـــــرَّكَـــــتْهُ رَاحَــــتــــي لِمُــــلِمَّةٍ — تَــطَــلَّعَ نَــحْــوِي يَــشْــرَئِبُّ مِــنَ الْغِـمْـدِ
أَشَــدُّ مَــضَــاءً مِـنْ فُـؤَادِي عَـلَى الْعِـدا — وَأَبْــطَــأُ نَـصْـرِي عَـلَى الشَّوْقِ مِـنْ فِـنْـدِ
أَقُــولُ لَهُ وَالْجَــفْــنُ يَــكْــسُــو نِـجَـادَهُ — دُمُـوعـاً كَـمُـرْفَـضِّ الْجُـمَـانِ مِـنَ الْعِـقْـدِ
لَقَـدْ كُـنْـتَ لِي عَـوْنَـاً عَـلَى الدَّهْرِ مَرَّةً — فَــمَـا لِي أَرَاكَ الْيَـوْمَ مُـنْـثَـلِمَ الْحَـدِّ
فَـقَـالَ إِذَا لَمْ تَـسْـتَـطِـعْ سَـوْرَةَ الْهَـوَى — وَأَنْـتَ جَـلِيـدُ الْقَـوْمِ مَـا أَنَـا بِالْجَلْدِ
وَهَـــلْ أَنَـــا إِلَّا شِــقَّةــٌ مِــنْ حَــدِيــدَةٍ — أَلَحَّ عَــلَيْهَــا الْقَـيْـنُ بِـالطَّرْقِ وَالْحَـدِّ
فَــمَـا كُـنْـتُ لَوْلا إِنَّنـِي وَاهِـنُ الْقُـوَى — أُعَــلَّقُ فِــي خَــيْــطٍ وَأُحْــبَــسُ فــي جِــلْدِ
فَـدُونَـكَ غَـيْـرِي فَـاسْـتَـعِـنْهُ عَلَى الجَوَى — وَدَعْـنِـي مِنَ الشَّكْوَى فَدَاءُ الْهَوَى يُعْدِي
خَــلِيــلَيَّ هَــذَا الشَـوْقُ لا شَـكَّ قَـاتِـلِي — فَـمِـيلا إِلَى الْمِقْيَاسِ إِنْ خِفْتُمَا فَقْدِي
فَـفِـي ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي أَنْـبَـتَ الْهَوَى — شِــفَـائِي مِـنْ سُـقْـمِـي وَبُـرْئِيَ مِـنْ وَجْـدِي
مَــلاعِــبُ لَهْــوٍ طَــالَمَــا سِـرْتُ بَـيْـنَهَـا — عَــلَى أَثَــرِ اللَّذَّاتِ فِــي عِــيــشَـةٍ رَغْـدِ
إِذَا ذَكَـرَتْهَـا النَّفـْسُ سَـالَتْ مِنَ الأَسَى — مَــعَ الدَّمْــعِ حَــتَّى لا تُــنَهْـنَهُ بِـالرَّدِّ
فَـيَـا مَـنْـزِلاً زَقْـرَقْـتُ مـاءَ شَـبـيـبَـتِـي — بِــأَفْــنَــائِهِ بَــيْــنَ الأَرَاكَـةِ والرَّنْـدِ
سَـرَتْ سَـحَـراً فَـاسْـتَـقْـبَـلَتْـكَ يَـدُ الصَّبَا — بِــأَنْـفَـاسِهَـا وَانْـشَـقَّ فَـجْـرُكَ بِـالْحَـمْـدِ
وَزَرَّ عَـــلَيْـــكَ الأُفْــقُ طَــوْقَ غَــمَــامَــةٍ — خَــضِــيـبَـةِ كَـفِّ الْبَـرْقِ حَـنَّاـنَـةِ الرَّعْـدِ
فَـــلَسْـــتُ بِــنَــاسٍ لَيْــلَةً سَــلَفَــتْ لَنَــا — بِـوَادِيـهِ والدُّنْـيَـا تَـغُـرُّ بِـمَـا تُـسْـدِي
إِذِ الْعَـيْـشُ رَيَّاـنُ الأَمَـالِيـدِ وَالْهَـوَى — جَــدِيــدٌ وَإِذْ لَمْــيَــاءُ صَــافِــيَــةُ الْوُدِّ
مُــنَــعَّمــَةٌ لِلْبَــدْرِ مَــا فِــي قِــنَـاعِهَـا — وَلِلْغُــصْـنِ مـا دَارَتْ بِهِ عُـقْـدَةُ الْبَـنْـدِ
سَـبَـتْـنِـي بِـعَـيْـنَـيْهَـا وَقَـالَتْ لِتِـرْبِهَـا — أَلا مَـا لِهَـذا الْغِـرِّ يَـتْـبَـعُـنِـي قَصْدِي
وَلَمْ تَــدْرِ ذَاتُ الخَــالِ وَالْحُــبُّ فَـاضِـحٌ — بِــأَنَّ الَّذِي أُخْـفِـيـهِ غَـيْـرُ الَّذِي أُبْـدِي
حَـــنَـــانَــيْــكِ إِنَّ الرَّأْيَ حَــارَ دَلِيــلُهُ — فَــضَــلَّ وَعــادَ الْهَـزْلُ فِـيـكِ إِلَى الْجِـدِّ
فَـلا تَـسْـأَلِي مِـنِّي الزِّيَادَةَ في الْهَوَى — رُوَيْــداً فَهَـذَا الْوَجْـدُ آخِـرُ مَـا عِـنْـدِي
وَهَــأَنَــا مُــنْــقَـادٌ كَـمَـا حَـكَـمَ الْهَـوَى — لأَمْـرِكِ فَـاخْـشَـيْ حُـرْمَـةَ اللهِ وَالْمَـجْـدِ
فَـلَوْ قُـلْتِ قُـمْ فَـاصْـعَـدْ إِلَى رَأْس شَاهِقٍ — وَأَلْقِ إِذَا أَشْـــرَفْـــتَ نَــفْــسَــكَ لِلْوَهْــدِ
لأَلْقَــيْــتُهَــا طَــوْعــاً لَعَــلَّكِ بَــعْـدَهـا — تَــقُــولِيـنَ حَـيَّاـ اللهُ عَهْـدَكَ مِـنْ عَهْـدِ
سَــجِــيَّةــُ نَــفْــسٍ لا تَــخُــونُ خَــلِيـلَهَـا — وَلا تَــرْكَــبُ الأَهْـوَالَ إِلَّا عَـلَى عَـمْـدِ
وَإِنِّيــ لَمِــقْــدَامٌ عَـلَى الْهَـوْلِ وَالرَّدَى — بِنَفْسِي وَفِي الإِقْدَامِ بِالنَّفْسِ مَا يُرْدِي
وَإِنِّيـــ لَقَـــوَّالٌ إِذَا الْتَــبَــسَ الْهُــدَى — وَجَـارَتْ حُـلُومُ الْقَـوْمِ عَـنْ سَـنَـنِ الْقَصْدِ
فَــإِنْ صُــلْتُ فَــدَّانِــي الْكَــمِـيُّ بِـنَـفْـسِهِ — وَإِنْ قُـلْتُ لَبَّاـنِـي الْوَلِيـدُ مِـنَ الْمَهْـدِ
وَلِي كُــلُّ مَــلْسَــاءِ الْمُــتُــونِ غَــرِيـبَـةٍ — إِذَا أُنْــشِـدَتْ أَفْـضَـتْ لِذِكْـرِ بَـنِـي سَـعْـدِ
أَخَـفُّ عَـلَى الأَسْـمَـاعِ مِـنْ نَـغَـمِ الْحُـدَا — وَأَلْطَــفُ عِــنْـدَ الْنَّفـْسِ مِـنْ زَمَـنِ الْوَرْدِ
مُــخَــدَّرَةٌ تَــمْــحُــو بِــأَذْيَــالِ حُــسْـنِهَـا — أَسَـاطِـيـرَ مَـنْ قَـبْـلِي وَتُـعْـجِزُ مَنْ بَعْدِي
كَــــذَلِكَ إِنِّيــــ قَــــائِلٌ ثُــــمَّ فَـــاعِـــلٌ — فِـعَـالِي وَغَـيـرِي قَـدْ يُـنِـيـرُ وَلا يُسْدِي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالوجد: وجد: وجَد مَطْلُوبَهُ وَالشَّيْءُ يَجِدُه وُجُوداً ويَجُده أَيضاً، بِالضَّمِّ، لُغَةٌ عَامِرِيَّةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي بَابِ الْمِثَالِ؛ قَالَ لَبِيدٌ وَهُوَ عَامِرِيٌّ: لَوْ شِئْت قَدْ نَقَعَ الفُؤادُ بِشَرْبةٍ، ... ت …
- بكائي: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى …
- حاملها: الحَامِلُ : فا.-: من يحمِلُ الشيْءَ؛أَنَا حامِلُ لواءِ الحمْد ج حَمَلةٌ.-: المرأَةُ الحُبْلَى ج حَوامِلُ.
- حرق: حرق: الحَرَقُ، بِالتَّحْرِيكِ: النَّارُ. يُقَالُ: فِي حَرَقِ اللَّهِ؛ قَالَ: شَدًّا سَريعاً مِثلَ إضرامِ الحَرَقْ وَقَدْ تَحرَّقَتْ، والتحريقُ: تأْثيرها فِي الشَّيْءِ. الأَزهري: والحَرَقُ مِنْ حَرَق النَّارِ. وَفِي الْحَ …