ظَــنَّ الظُّنــُونَ فَــبَــاتَ غَــيْـرَ مُـوَسَّدِ
الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ظَــنَّ الظُّنــُونَ فَــبَــاتَ غَــيْـرَ مُـوَسَّدِ — حَـيْـرَانَ يَـكْـلأ مُـسْـتَـنِـيـرَ الْفَـرْقَدِ
تُــــلْوِي بِهِ الذُّكُــــراتُ حَــــتَّى إِنَّهُ — لَيَــظَــلُّ مُـلْقَـى بَـيْـنَ أَيْـدِي الْعُـوَّدِ
طَــوْراً يَهُــمُّ بِــأَن يَــزِلَّ بِــنَــفْــسِهِ — سَـرَفـاً وتَـاراتٍ يَـمِـيـلُ عَـلَى الْيَـدِ
فَــكَـأَنَّمـَا افْـتَـرَسَـتْ بِـطَـائِرِ حِـلْمِهِ — مَــشْــمُــولَةٌ أَوْ سَــاغَ سُــمَّ الأَسْــوَدِ
قـالُوا غَـداً يَوْمُ الرَّحِيلِ وَمَنْ لَهُمْ — خَــوْفَ التَّفــَرُّقِ أَنْ أَعِــيـشَ إِلَى غَـدِ
هِـيَ مُهْـجَـةٌ ذَهَـبَ الْهَـوَى بِـشَـغَـافِهَا — مَــعْــمُـودَةٌ إِنْ لَمْ تَـمُـتْ فَـكَـأَنْ قَـدِ
يَـا أَهْـلَ ذا الْبَيْتِ الرَّفِيعِ مَنَارُهُ — أَدْعُــوكُــمُ يَــا قَــوْمُ دَعْـوَةَ مُـقْـصَـدِ
إِنِّيـ فَـقَـدْتُ الْيَـوْمَ بَـيْـنَ بُـيُـوتِكُمْ — عَـــقْـــلِي فَـــرُدُّوهُ عَـــلَيَّ لأَهْــتَــدِي
أَوْ فَـاسْـتَـقِـيـدُونِـي بِـبَـعْضِ قِيَانِكُمْ — حَــتَّى تــرُدَّ إِلَيَّ نَــفْــسِــي أَوْ تَــدِي
بَـلْ يَـا أَخَا السَّيْفِ الطَّوِيلِ نِجَادُهُ — إِنْ أَنْـتَ لَمْ تَـحْـمِ النَّزِيـلَ فَـأَغْـمِدِ
هَـذِي لِحَـاظُ الْغِـيـدِ بَـيْـنَ شِـعَـابِكُمْ — فَــتَـكَـتْ بِـنَـا خَـلْسـاً بِـغَـيْـرِ مُهَـنَّدِ
مِــنْ كُــلِّ نَــاعِــمَــةِ الصِّبـَا بَـدَوِيَّةٍ — رَيَّاــ الشَّبــابِ سَـلِيـمَـةِ الْمُـتَـجَـرّدِ
هَـيْـفَـاءَ إِنْ خَـطَـرَتْ سَـبَتْ وإِذَا رَنَتْ — سَــلَبَــتْ فُـؤَادَ الْعَـابِـدِ الْمُـتَـشَـدِّدِ
يَــخْــفِــضْـنَ مِـنْ أَبْـصَـارِهِـنَّ تَـخَـتُّلـاً — لِلنَّفــْسِ فِــعْــلَ الْقَـانِـتَـاتِ الْعُـبَّدِ
فَـإِذَا أَصَـبْـنَ أَخَـا الشَّبـَابِ سَـلَبْنَهُ — وَرَمَــيْــنَ مُهْــجَــتَهُ بِــطَــرْفٍ أَصْــيَــدِ
وَإِذَا لَمَـحْـنَ أَخَـا الْمَـشِـيـبِ قَلَيْنَهُ — وَسَـتَـرْنَ ضَـاحِـيَـةَ الْمَـحَـاسِـنِ بِالْيَدِ
فَــلَئِنْ غَــدَوْتُ دَرِيــئَةً لعُــيُــونِهَــا — فَــلَقــدْ أَفُــلُّ زَعَــارَةَ الْمُــتَــمَــرِّدِ
وَلَقَــدْ شَهِــدْتُ الْحَـرْبَ فـي إِبَّاـنِهَـا — وَلَبِــئْسَ رَاعِــي الْحَـيِّ إِنْ لَمْ أَشْهَـدِ
تَــتَــقَــصَّفـُ الْمُـرَّانُ فِـي حَـجَـراتِهَـا — وَيَـعُـودُ فِـيـها السَّيْفُ مِثْلَ الأَدْرَدِ
عَـصَـفَـتْ بـهـا رِيـحُ الرَّدَى فَـتَـدَفَّقَتْ — بِــدَمِ الْفَــوَارِسِ كَـالأَتِـيِّ الْمـزْبِـدِ
مَـا زِلْتُ أَطْـعَـنُ بَـيْنَها حَتَّى انْثَنَتْ — عَـنْ مِـثْـلِ حَـاشِـيَـةِ الرَّدَاءِ الْمُجْسَدِ
وَلَقَـدْ هَـبَـطْـتُ الْغَـيْـثَ يَـلْمَـعُ نَوْرُهُ — فِـــي كُـــلِّ وَضَّاــحِ الأَسِــرَّةِ أَغْــيَــدِ
تَــجْــرِي بِهِ الآرَامُ بَــيْـنَ مَـنَـاهِـلٍ — طَـــابَـــتْ مَـــوَارِدُهَـــا وَظِــلٍّ أَبْــرَدِ
بِــــمُــــضَــــمَّرٍ أَرِنٍ كَــــأَنَّ سَــــرَاتَهُ — بَـعْـدَ الْحَـمِـيـمِ سَـبِـيـكَـةٌ مِـنْ عَسْجَدِ
خَــلَصَــتْ لَهُ الْيُـمْـنَـى وَعَـمَّ ثَـلاثَـةً — مِــنْهُ الْبَــيَــاضُ إِلَى وَظِــيـفٍ أَجْـرَدِ
فَــكَـأَنَّمـَا انْـتَـزعَ الأَصِـيـلَ رِدَاءَهُ — سَـلَبـاً وَخَـاضَ مِـنَ الضُّحـَى فِـي مَوْرِدِ
زَجِــلٌ يُــرَدِّدُ فِــي اللَّهَــاةِ صَهِـيـلَهُ — رَفْــعـاً كَـزَمْـزَمَـةِ الْحَـبِـيِّ الْمُـرْعِـدِ
مُــتَــلَفِّتــَاً عَــنْ جَــانِــبَــيـهِ يَهُـزُّهُ — مَــرَحُ الصِّبـَا كَـالشَّاـرِبِ الْمُـتَـغَـرِِّد
فــإِذَا ثَـنَـيْـتَ لَهُ الْعِـنَـانَ وَجَـدْتَهُ — يَــمْـطُـو كَـسِـيـدِ الرَّدْهَـةِ الْمُـتَـوَرِّدِ
وإِذَا أَطَــعْــتَ لَهُ الْعِــنَـانَ رَأَيْـتَهُ — يَـطْـوِي الْمَهَـامِهَ فَـدْفَـداً فِـي فَدْفَدِ
يَــكْــفِــيـكَ مِـنْهُ إِذَا أَحَـسَّ بِـنَـبْـأَةٍ — شَــدُّ كَــمَــعْـمَـعَـةِ الأَبـاءِ الْمُـوقَـدِ
صُــلْبُ السَّنــابِـكِ لا يَـمُـرُّ بِـجَـلْمَـدٍ — فِــي الشَّدِّ إِلَّا رَضَّ فِــيــهِ بِــجَـلْمَـدِ
نِـعْـمَ الْعَـتَـادُ إِذَا الشِّفَاهُ تَقَلَّصَتْ — يـومَ الْكَـرِيهَةِ في الْعَجَاجِ الأَرْبَدِ
وَلَقَـدْ شَـرِبْـتُ الْخَـمْـرَ بَـيْـنَ غَـطارِفٍ — شُــمِّ الْمَــعَـاطِـسِ كَـالْغُـصُـونِ الْمُـيَّدِ
يَـتَـلاعَـبُـونَ عَلَى الْكُؤوسِ إِذَا جَرَتْ — لَعِـبـاً يَـرُوحُ الْجِـدُّ فِـيـهِ وَيَـغْـتَدِي
لا يَـنْـطِـقُـونَ بِغَيْرِ ما أَمَرَ الْهَوَى — فَــكَــلامُهُـمْ كَـالرَّوْضِ مَـصْـقُـولٌ نَـدِي
مِــنْ كُــلِّ وَضَّاــحِ الْجَــبــيــنِ كَــأَنَّهُ — قَــمَــرٌ تَــوَسَّطــَ جُــنْــحَ لَيْــلٍ أَسْــوَدِ
بَــلْ رُبَّ غَــانِــيَـةٍ طَـرَقْـتُ خِـبَـاءَهَـا — وَالنَّجــْمُ يَــطْـرِفُ عَـنْ لَواحِـظِ أَرْمَـدِ
قَــالَتْ وَقَـدْ نَـظَـرَتْ إِلَيَّ فَـضَـحْـتَـنِـي — فَـارْجِـعْ لِشَـأْنِـكَ فَـالرِّجَـالُ بِـمَـرْصَدِ
فَــخَـلَبْـتُهَـا بِـالْقَـولِ حَـتَّى رُضْـتُهـا — وَطَــوَيْـتُهَـا طَـيَّ الْحَـبِـيـرَةِ بِـالْيَـدِ
مَـا زِلْتُ أَمْـنَـعُهَـا الْمَـنـامَ غَوايَةً — حَــتَّى لَقَـدْ بِـتْـنَـا بِـلَيْـلِ الأَنْـقَـدِ
رَوْعَـاءُ تَـفْـزَعُ مِـنْ عَـصَـافِيرِ الضُّحَى — تَـرَفـاً وَتَـجْـزَعُ مِـنْ صِـيَـاحِ الْهُـدْهُدِ
حَــتَّى إِذا نَــمَّ الصَّبــَا وَتَـتَـابَـعَـتْ — زِيَـمُ الْكَـواكِـبِ كَـالْمَهَـا الْمُـتَبَدِّدِ
قَــالَتْ دَخَــلْتَ وَمَـا إِخَـالُكَ بَـارِحـاً — إِلَّا وَقَــدْ أَبْــقَـيْـتَ عَـارَ الْمُـسْـنَـدِ
فَـمَـسَـحْـتُهَـا حَـتَّى اطْـمَـأَنَّ فُـؤَادُهـا — وَنَــفَــيْــتُ رَوْعَــتَهَــا بِـرَأْيٍ مُـحْـصَـدِ
وَخَـرَجْـتُ أَخْـتَـرِقُ الصُّفُوفَ مِنَ الْعِدَا — مُـتَـلَثِّمـَاً وَالسَّيـْفُ يَـلْمَـعُ فِـي يَـدِي
فَـلَنِـعْـمَ ذَاكَ الْعَـيْـشُ لَوْ لَمْ يَـنْقَضِ — وَلَنِـعْـمَ هَـذَا الْعَـيْـشُ إِنْ لَمْ يَـنْفَدِ
يَرْجُو الْفَتَى فِي الدَّهْرِ طُولَ حَيَاتِهِ — وَنَــعِــيــمِهِ وَالْمَــرْءُ غَــيْــرُ مُـخَـلَّدِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التفرق: تَفَرَّقَ يَتَفَرَّقُ تَفَرُّقاً :ـ وا: تباعدوا وذهب كل منهم فى اتّجاه وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ / تَفَرَّقُوا أيدي سبأ، أي تبدّدوا تبدُّداً لا اجتماعَ بعده/ تفرَّقت بهم الطرق، أي ذهب كلٌّ منه …
- الفرقد: (الْفَرْقَدُ) : وَلَدُ الْبَقَرَةِ. وَ
- بشغافها: الشَّغَافُ : غِلافُ القَلبِ، أو سويداؤُهُ وحَبَّتُهُ؛ أصابَ الحُّبُّ شَغَافَ قَلبِهِ ج شُغُفٌ.
- بطائر: الطَائِرُ [ طير]: فا.-: كلُّ ما يطير في الهواء بجناحَيْن؛ البلبل طائرٌ غِرِّيد.-: ما تتطيّر به من الخير والشَّرِّ أي ما تيمَّنت به أو تَشَاءَمْتَ منه/ طائر الإنسان، هو عملُه ورزقُه وسعادتُه وشقاؤُه وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْ …
- تلوي: تَلَوَّى يَتَلَوَّى تَلَوَّ تَلَوِّياً [لوي]: - الشيءُ: انفتل وانثنى أو انعطف؛ تَلَوَّت في مشيتها/ تلوّى من الألم.- البرقُ في السحاب: اضطرب على غير جهة.
- ساغ: سَاغَ يَسُوغُ سُغْ سَيْغاً وسَوَاغاً [ سوغ ]: طابَ وهَنُؤَ.- الشّرابُ أو الطّعامُ في الحَلْقِ: سهُل انحدارُهُ ومَدْخلُهُ فيه؛ تناولَ طعاماً لذيذاً ساغ في حلقه.- الشّيْءُ: جازَ وأُبيحَ؛ يسوغُ لك أن تلعب مع أقرانِكَ في الح …