إذا نـثـرَ النـاسُ الهِـرَقْليَّةَ الصُّفْرا
الشاعر: صردر · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر صردر، من العصر العباسي، وتقع في 91 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إذا نـثـرَ النـاسُ الهِـرَقْليَّةَ الصُّفْرا — نـثـرتُ عـلى عـليائك الحمدَ والشُّكرا
وصـغـتُ مـن الذهـن المـصـفَّى بـدائعـا — أقــرِّط أســمــاعَ الرُّواةِ بــهـا شَـذْرا
فـلا تـحـسـبَـنَّ الدُّرَّ فـي البحرِ وحدَه — فـقـد تُـخـرِج الأفواهُ من لفظها دُرَّا
ومـن كـان جـسـمَ المـكـرمـات وروحَهـا — تـحـلَّى ثـنـاءً لا لُجـيـنـا ولا تِـبرا
يُــحــيَّاــ بـرَيـحـان المـحـامـدِ سـمـعُه — ويـكـفـيـهِ أن كـانـت مـنـاقـبـه عِطرا
ولســت بــراضٍ غــيــرَ وصــفــك تــحـفـةً — ولا قــاضـيـا إلا بـمِـدحـتـك النَّذرا
بـلغـتَ عـمـيـدَ الدولة الغـايةَ التي — ركـائبُ أنـبـاءِ المـنـى دونَهـا حَسرَى
ومـا زلتَ تُـغـلى المـجـدَ حـتى جعلتَهُ — عـليـك حـبـيـسـا لا يـبـاعُ ولا يُشرى
وكــم طــالبٍ فــيــه نــصــيــبـا وإنـه — ليَــقــبِــضُ كــفَّيــْه إذا عَـرف السِّعـرا
تــطـيـعـك فـي المـعـروف نـفـسٌ حـيِـيَّة — إذا سُـئلتْ جـدواك تـسـتـقـبحُ العُذرا
أظــنُّكــ فــي الدنــيـا تُـريـد زهـادةً — فــلســتَ بــمــســتـبـقٍ لعـاقـبـةٍ ذُخـرا
وقـد كـانـت النَّعـمـاءُ جـادت بنفسها — فـأنـشأتَها في عصرك النشأةَ الأخرى
مـواهـبُ يُـعـطـيـن الغـنـىَّ على الغِنَى — مَـزيـدا ويـتـركـن الفـقيرَ كمن أثرى
يــوافــيــن سـراًّ والسـحـابُ بـرعـدهـا — تـبـوح بـمـا تـوليـه إن أرسلتْ قَطرا
فـدّى لك صـيـفـىُّ الغـمـامة في الندى — يَــظُــنّ ســؤالَ الســائليـن بـه مـكـرا
إذا حــامــت الآمــالُ حــول حِــيـاضـه — ســمـعـنَ بـهـا مـن كـلِّ نـاحـيـةٍ زَجـرا
ألســتَ مــن القــوم الذيــن نــداهُــمُ — حــبــائُلهـم والراغـبـون بـهـا أسـرى
يـبـيـتـون في المشتى خِماصاً وعندهم — مـن الزاد فـضـلاتٌ تُـصـان لمـن يُقرى
خـشَـوا أن يـضِـلَّ الضيفُ عنهم فرفَّعوا — مـن النـار في الظلماء ألويةً حُمرا
أفـادوا الذي شـاءوا وأفنَوه عاجلا — فـقـد جـمـعتْ أيديهم العُسرَ واليُسرا
تــواليــك حــبــاَّتُ القــلوب كــأنـمـا — خُـلقـتَ سـرورا فـي الضـمـائِر أو سِرّا
فـإن كـانـت العـيـنـان داعيةَ الهوى — فقد أبصرتْ من شخصك الشمسَ والبدرا
وإن كــان للنــفــس الطــروبِ تــتــيُّمٌ — فــأجــدرُ أن تَهـوَى خـلائقَـك الزُّهـرا
فــقــد جـنَـح الأعـداءُ للسّـلم رغـبـةً — إليـك وأىّ النـاس لا يـعـشـق البِـرّا
فــأمــا سَــقـام الحـاسـديـن فـمـا له — شــفــاءٌ وقــد كــادتـهُـمُ نِـعَـمٌ تَـتْـرَى
تـــســـوت يــداك بــســطــةً وســمــاحــةً — فلم تفخر اليمنى بفضل على اليسرى
ومــعــتــرَكٍ للقــوم مــزَّقــتَ جــمَــعــه — بــحــدِّ لســانٍ يُــحـسـن الكـرّ والفـرّا
وفــحــشــاء أدّتــهــا إليــك جــهــالةٌ — جـعـلتَ رتـاجَ الحـلم من دونها سِترا
ســمــا بــك فــوق العــزّ قــلبٌ مـشـيَّعٌ — إذا ركـب الأهـوالَ لم يـسـتشر فكرا
وهــــمّــــةُ وثَّاــــبٍ عــــلى كــــلّ ذِروةٍ — يَـنـال عـلى أكّـدهـا النَّهـىَ والأمرا
ألا ربَّ ســاعٍ فــي مَــداك كَــبــتْ بــه — مــطـايـاه أو قـالت له رِجـلُه عَـثْـرا
ومــلتــمِــسٍ فــي عــدِّ فــضــلك غــايــةً — ومن يَشبُر الخضراءَ أو ينزِف البحرا
خـذوا عـن غُـبـار الأعـوجـيَّات جانبا — وإلا فـقـد ضـيـعـتـمُ خَـلفـها الحُضرا
وخــلُّوا لهـذا البـازلِ القَـرِم شَـولَه — فـإنـكُـمُ لم تَـحذِقوا الهَدْر والخَطْرا
فتىً سالَبَ ألأعداء حِرصا على العلا — فـأجـلَوا له عـنـها وما عَقَد الأُزْرا
وهـل يُـعـجـب الروضُ المـنـوّرُ أعـيـنا — رعَـتْ فـي مـحـيّـاه الطـلاقةَ والبِشرا
كــأنَّ الحــيــاءَ انـهـلَّ فـي وجَـنـاتـه — فــكــانَ لهــا مـاءً وكـانـت له غُـدْرا
تــحــدّثــه الغــيــبَ الخــفـىَّ طـنـونـهُ — فـتـحـسـبُهـا قـد أودِعـتْ صُـحُـفـا تُقرَا
وقالوا هو الغيث الذي يغمرُ الربىَ — فـقـلت لهـم مـا زدتـمـونـي بـه خُبرا
فــقـالوا هـو الليـثُ المـعـفِّر قِـرنَهُ — فــقــلت بــحــقّ الله أيُّهــمــا أجــرا
حــلفـت بـهـا تَهـوِى عـلى ثَـفِـنـاتـهـا — مــن الأيــن مـرخـاةً أزمَّتـُهـا صُـعـرا
تـــجـــرِّر أذيــالَ الريــاح وراءَ هــا — إذا كـتـبـتْ سـطـرا مـحـتْ قـبلَه سطرا
تَــنَــزَّهُ عـن حَـمـل الأوانـسِ كـالدُّمـى — وتـحـمِل في كِيرانها الشُّعثَ والغُبْرا
إلى حـيـث لا تُـجـزَى بـحـسـن صـنيعها — إذا مـا قـضَوا نُسكا جزَوها به نَحرا
وبـالبـيـت مـحـفـوفـا بـمن طاف حوله — إطــافــةَ سِــمــطـىْ لؤلؤ قـلّدا نـحـرا
تُــفــاضُ سـجـوفُ الرَّقـم فـي جـبـنـاتـه — عـلى مـاثـلٍ تَـعرَى السيوفُ ولا يعرى
حـمـىً لا يـخـاف الطـيـرُ فـي شـجراتهِ — قـنـيـصـا ولا تخشى الظباءُ به ذُعرا
وبـالحـجـرِ المـلثـومِ سـمـعـا وطـاعـة — ونـعـلم أنْ مـا يـملك النفع والضرا
لأنـت إذا صَـكُّوا القِداح على العلا — أحــظُّهــمُ ســهــمــا وأســرعُهــم قَـمـرا
وأعــلاهُــمُ كــعــبــا وأحـلاهُـمُ جَـنـىً — وأوفــاهُــمُ عــهــدا وأرفــعُهـم ذِكـرا
كـفـاك نـجـاحُ السـعـى فـي كـلّ مـطـلب — هـمـمـت بـه أن تـزج الأدم والعـفرا
بـعـزم كـمـا أطـلقـن أنـشـوطة الحبى — وجِــدٍّ كــمــا نـفَّرتَ عـن مَـربـإ صَـقـرا
رأيــتــك طــودا للخــليــفـة شـامـخـا — وسـيـفـا عـلى شـانـيه يختصر العمرا
إِذا عــرَضــتْ حَــوجـاءُ كـنـتَ قـضـاءَهـا — وإن طــرَقــتْ غَـمّـاءُ سَـدّ بـك الثـغـرا
دعــاك لأمــرٍ ليــس يُــحــكِــم فــتــلَه — ســواك وهــجِـيِّراك أن تُـبـرمَ الأمـرا
فــأرســلتَهــا مــن بــابــلٍ وكــأنـمـا — تُـقـلِقـلُ مـن تـحـت السروج قَطاً كُدْرا
صـدمَـت بـهـا الأجـبـالَ والقُـرُّ كـالحٌ — تــجــلّلهــا ثـلجـا وتُـنـعـلهـا صـخـرا
تَـــذكَّرُ مَـــرعــىً بــالعــراقِ ومــورِدا — وهـل يـنفع المشتاقَ ترديدُه الذكرا
إذا رَبــأتْ فــي قُــنَّةــٍ خِــلت أنــهــا — خُــدارِيّــةُ العِــقــبـانِ طـالبـةً وَكـرا
فـزاحـمـن فـيها الشُّهب حتى طمعن أن — يــحــلَّيـن مـنـهـنّ القـلائدَ والعُـذْرا
بــكــلِّ مــنـيـفٍ يـقـصُـر الطـيـرُ دونـه — ولا تـجـد النـكـبـاءُ مـن فوقه مَجرى
وطـــودٍ بـــحـــولىّ الجـــليــدِ مــعــمَّمٍ — كـمـا زار لونُ الشيب في هامةٍ شَعرا
كــأنــا كــشــطـنـا عـنـه جِـلدةَ بـازلٍ — كـسـا شـحـمُه جنبيه والمتنَ والظهرا
أقـامـت به ألأنواءُ تُهدى لك القِرى — ولم تـقـتـنـع بـالمـاء فاحتلبت دَرَّا
فـرشـنَ بِـكـافـورِ السـمـاء لك الربـىَ — فــشــابــهـنَه لونـا وخـالفـنَه قِـشـرا
اذا خـلَصـت مـنـهـا الجـيـادُ رأيـتها — ومــا خــالطــت لونــا مــحــجَّلـةً غُـرّا
وقـاسـمـهـا بُـعـدُ المـدى فـي جسومها — فـأفـنـى بـها شطرا وابقى لها شطرا
ولمــا دَحَــت قُــود الهــضـاب وراءَهـا — ورنّــحـهـا طـولُ القـيـادِ لهـا سُـكـرا
رمـتْ صـحـصـحـانَ الرَّى مـنـهـا بـأعـين — تــردّد فــي أعــطــافــه نــظـرا شَـزرا
هــنــاك دعــا داعٍ مــن الله مــسـمِـعٌ — فــلبَّاــك مــن ضــمَّتــْ مـعـالمُهـا طُـرَّا
يــحـيُّون مـيـمـونَ النـقـيـبـةِ مـاجـدا — ويَـلقـون بـالتـعـظـيـم أعـظمَهم قدرا
ولا قــيــتَ ربَّ التــاج يـرفـعُ حُـجْـبَهَ — ويـطـردُ مـا نـاجيته التيهَ والكِبرا
وحـــاورتَه حـــتـــى شـــغــفــتَ فــؤادَه — ألا ربّـمـا كـان البـيانُ هو السحرا
رأى فـيـك مـا يـهـواه مـجدا وسؤددا — فــمـا كـنـت إلا فـي مـجـالسـه صـدرا
وحــســبُــك فـخـرا أن تـجَهـزّتَ غـاديـا — فــقـضَّيـتَ أوطـار النـبـوّة مـن كِـسـرى
مــليـكٌ حـمَـى الرحـمـنُ بـيـضـةَ مُـلكـه — فما في الورى من يستطيع لها كَسرا
كـــتـــائُبــه فــي كــلّ شــرق ومــغــرب — مـــدرَّعـــةٌ فــتــحــا مــؤيّــدةٌ نــصــرا
كَــفــاه نــظــامُ المــلك أكـبـرَ هـمّـة — وأتــعــبَ فـي آرائه السـرَّ والجـهـرا
هـمـامٌ إذا مـا هـزَّ فـي الخـطب رأيَهُ — فـلا عـجـبٌ أن يُـخجل البيضَ والسُّمرا
إذا هــو أمــضَـى نـعـمـةً قـد تـعـنَّسـت — تــخــيَّر أُخــرى مــن مــواهـبـه بِـكـرا
ومــن رأيـه المـيـمـونِ عـقـدُ حـبـالهِ — بــحــبــلك حــتـى قـد شـددتَ بـه أَزْرا
لئن كـنـتَ أنـت المـشـتـرِى في سمائه — عـلوًّا لقـد قـارنـتَ في أفقهِ الشِّعْرَى
فـأصـبـحـتُـمـا كـالفـرقـدَيْـن تـنـاسُباً — فـأكـرِمْ بـذا حَـمْواً وأكرم بذا صِهرا
وقـــــضَّيـــــتَ ثـــــم عـــــطــــفــــتَهــــا — تَبارَى كما ينسابُ في الشَّعَر المِدرى
وأُبـت كـمـا آبَ الربـيـعُ إلى الثـرى — يَــخــيـط عـلى أعـطـافـهِ حُـلَلا خُـضـرا
فـــفـــي كــلّ يــوم مــا أغــبَّ مــبــشِّر — يـؤدّى إلى بـغـدادَ مـن قربك البُشرى
ولمـا اطـمـأنَّتـ فـي جَـلَوْلاءَ عـالجـتْ — بذاك النسيم الرطِب أكبادَها الحرَّى
فــأقـسـمـتَ لا تـنـفـكّ تـحـت لُبـودِهـا — إلى أن توافى حَلبةَ القصْرِ والقصرا
وعُــجــتَ بـهـا تـطـوِى مـنـازلَ أربـعـا — إلى مـنـزلٍ يـا بـعـدَ ذلك مـن مَـسـرَى
ولله فــيــنــا نِــعــمــةٌ إثـرَ نـعـمـةٍ — وعَـوْدك مـحـروسـا هو النعمة الكبرى
فـلا كـان يـومٌ لسـتَ فـي صـدره ضُـحـىً — ولا كـان ليـلٌ لسـتَ فـي عَـجْـزه فجرا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الذهن: ذهن: الذِّهْنُ: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ. والذِّهْن أَيضاً: حِفْظُ الْقَلْبِ، وَجَمْعُهُمَا أَذْهان. تَقُولُ: اجْعَلْ ذِهْنَك إِلَى كَذَا وَكَذَا. وَرَجُلٌ ذَهِنٌ وذِهْنٌ كِلَاهُمَا عَلَى النَّسَبِ، وكأَنَّ ذِهْناً مُغيَّر …
- الصفرا: الصَّفْرَاءُ : مذ أَصْفَرُ.-: الذَّهَب.-: سائلٌ شديدُ المرارة أصفر اللون أو ضارب إلى الخضرة تُفرِزُه الكَبِدُ ليساعدَ على الهضم ويُختَزَن في كيس المرارة.-: مِزاجٌ من أَمزجةِ البدن.
- براض: البُرَاضُ :- من الشيء: القليل.
- بريحان: الرَّيْحَانُ [روح]: جنسٌ من النّباتِ طيِّبُ الرائحة والحبُّ ذُو العَصْف والرَّيْحَانُ.-: الرحمةُ والرزق فأمّا إِنْ كَانَ مِنَ المقَرّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نعِيمٍ. -: كلُّ نبت طيب الرائحة من أنواعِ المشموم.-: …
- تبرا: تَبَرَّأ يَتَبَرَّأُ تَبَرُّؤاً .- من جماعته. تخلص منهم وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا.- من التهمة: أعلن براءته منها؛ تبرّأ مما نسب إليه من خيانة جماع …