دمعي ينم على فؤادي المغرم
الشاعر: البقاعي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر البقاعي، من العصر المملوكي، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دمعي ينم على فؤادي المغرم ... فلأُبْدِلَنِّ به مسيلا من دمي
فأنا القتيل بحبّه منْ أحببتهُ ... وقد اصطفيت فلا يُلمُني لوّمي
من ذا ينازعني الغرام وقد رأى ... شربي لأبحرهـ، فما ملأت فمي
فأبو الغرام أنا بجدي حُزته ... وبه علوت على محل الأنجمِ
قد ذاب جسمي في معاناة الهوى ... واندق في ثقل الصبابة أعظمي
فبقيت روحا جُرِّدتْ عن جسمها ... مذ حَلَّلَتْ لطف الهوى المستحكمِ
فيها لأنواع الجحيم تضرُّمٌ ... يعلو مداه على السحاب المظلمِ
حلو على ما فيه من ألم الجوى ... فاعجب لحُلْوٍ في المذاقة مؤلمِ
قد جبت أقطار الصبابة مرضعا ... وغدا بها زمن الشباب مُخيمي
قد صار تيهُ العشق موطني الذي ... فيه ربيت ومنه أبعَث فأعلمي
وبقفره أحييْتُ دهري كله ... أردُ الرياض وكل صافٍ منعمِ
وبــــكــــل واد قــــد ســــلكْــــتُ لدره ... برقٌ يفوق على اللهيب المضرمِ
تأتي إلى الأبصار منه أشعة ... هي في عيون الغَيْرِ مثل الأسهمِ
لا يستطيع جوازه إلاَّ فتىً ... قدماه قد رسخت بأصْلٍ محكمِ
يدعى على طول الزمان متيماً ... لا يستجيز نداء غير متيمِ
يمتص كاسات الهوى مستحلياً ... لو أن فيها مثل طعم العلقمِ
عزت فليس فتى ينال وصالها ... حتى يريق دموعه كالعندمِ
مستحلياً من دره مستحلباً ... من درهــ، إذْ كان حلو المطعمِ
فلأجل ذا قد عشت فيه مفرداً ... ما جازني فيه فتى إلا عمِى
لم يُنسني أوصاف هاتيك الرُّبى ... إلاً صفات الهاشمي المُكْرَمِ
هو أحمد الهادي البشير المنذر ال ... زَاكي المنير الوجْه للمستَعْلِمِ
من قبل مولده تُيقّنَ أنه ... يهدي الأنام إلى الصراط الأقومِ
فأتى الكليم مبشراً عن ربه ... بقدومه وابن الزكية مريمِ
وتحدث الأحبار والكهان عن ... أخباره تحلو بقلب المسلمِ
ولدته آمنة بمكة فانثنت ... محفوفةً بالمرسلات الحُوَّمِ
زمر الملائك حين أشرق نوره ... بقصور بُصرى الشام غير مُكتَّمِ
ونشا بتلك الأرض أحسن نشأةٍ ... يدعَى الأمين لخلقه المستعظمِ
وأتاه جبريل فشقَّ فؤاده ... وأجاد في تغسيله من زمزمِ
وحشاه إيماناً ودرَّ سكينةٍ ... وملاهُ من حُكم الكريم الأكرمِ
فمضت عليه أربعون مهذباً ... ما ضحكة فيها بغير تبسُّمِ
أعلى قريشٍ خلقةً وخلائقاً ... كلٌّ يقرُّ بفضله المستحكمِ
فأتته حينئذٍ رسالة ربِّهــ ... أنْ أنذر الثقليْن نار جهنمِ
فدعاهمو جهراً بمكة وحْدهُ ... وهو الصَّبور على البلاء المبرمِ
وحباه ربّ العالمين دلائلاً ... مــــشــــهــــورةً تهدي لدينٍ قيِّمِ
قد أنبع الله الزلال بكفِّهــ ... كالبحر بين اللحم ينْبع والدمِ
وانشق بدْرُ التيم معجزةً له ... فرأى البصير هدى له انساق العَمِى
والجزع حنَّ إليه عند فراقه ... مــــثل العشار بريِّةـــ وترنُّمِ
لو لم يُسَكّنه لدام بكاؤه ... أبداً إلى لُقْيا الملاك الأعظمِ
وتكلَّمتْ عجمُ البهائم عندهُ ... بفمٍ فصيح القول ليس بأعجمِ
كالظَّبْى والضبّ اللذين تأدّبا ... عند التشهد بالسان المفهمِ
وأطاعت الأشجار عند دُعائه ... فسعتْ لخدمته بغير تلعثمِ
وسع الورى بعطاه فهو أب لهم ... روحى الفداءُ لذا الأب المتكرمِ
واختص أمته الكريمُ لأجله ... بخصائص شرفاً كحلِّ المُعْتمِ
ولفضلهم جعل الأراضي مسجداً ... وترابها طهر لفعل تيمُّمِ
وأزال عنهم إصرهم وأصارهم ... شهداً على كل الورى المتقدمِ
والرعب يبصره يسير الشهر في ... قصد العداة فهدّ قلب المجرمِ
أفنى عديد الشرك منه بهمةٍ ... تتهدَّم الدنيا ولم يتهدمِ
فبيوم بدرٍ قد سقاهم أكؤساً ... صرعتْ كؤوس الكفر وسط جهنَّمِ
ولدى حُنين قد أزال جموعهم ... بثباتهــ، إذا فرّ أهل الموسمِ
وغدا يقولُ: أنا النبيّـ، بصوته ... العالي فيصمىِ كلَّ ليثٍ معلمِ
ورمى بكف الرمل أوجههم فما ... منهم فتىً إلا بعينيه رُمىِ
فأتى إليه الصحب قد ندموا على ... ذاك الفرار وقد تردُّوا بالدَّمِ
فسقوهمو حُمْرَ الحتوف بسُمْرهم ... ورق الأسنة في مجال مقسمِ
حتى استباحوا سبيهم في مغنم ... بيد الرسول لمن يريدُ مقسمِ
وبخيبر شاعت معالي عزمه ... فغدا مخالفهُ ضجيع تندُّمِ
خرجوا للقياه بكل مجرب ... من جمعهم بلظى الحروب مُسوَّمِ
فأذاقهم طعم المنايا فاغتدوا ... جزر السباع وكل كِسْرٍ قشعمِ
ولكم أراد خصومه استئصاله ... فأتوا بجيش قد رضوه عرمرمِ
فاجتاح بيضهمو ببيض سيوفه ... وبكل أسمر كالسهام مقوَّمِ
وغدت قلوبهم حيارى وانثنوا ... ونطاقُ ذاك الجمع غير منظَّمِ
حتى أقام له المهينُ دينه ... وغدت به أهلُ العزائم تحتمي
ماذا أقول ووصفه في محكم ال ... قرآن أُنْزِل في الزمان الأقدم
يُتْلى على مرِّ الدهور وحلوهُ ... بتصرم الأزمان غير مصرمِ
والمعجزات كثيرةٌ لا تنتهي ... من ذا الذي يقوى لعدِّ الأنجمِ
والعين رمْدى والفؤاد لأجلها ... قلق فيستعصى الكلام على فمي
يا خير مبعوث وأكرم مرسلٍ ... أنت الملاذ لدى الزحام الأعظم
ما زال إبراهيم يقصد أنه ... بِعُرَى مديحك للبقاع وينتمي
حتى أتى والميم تشهد أنه ... لا ينتهي كدوائرٍ لم تَخْرمِ
ومرادُّه يوم القيام شرْبةٌ ... من كفَك الرحب الخميل المنعمِ
يــــارب صــــل عــــلى النبي وآله ... وصــــحــــابه طول الزمان وسلِّمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المظلم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- المغرم: غرم: غَرِمَ يَغرَمُ غُرْماً وغَرامةً، وأغرَمَه وغَرَّمَه. والغُرْمُ: الدَّيْنُ. ورَجُلٌ غارمٌ: عَلَيْهِ دَيْنٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا تَحِلُّ المسأَلة إلَّا لِذِي غُرمٍ مُفْظِعٍ أَي ذِي حَاجَةٍ لَازِمَةٍ مِنْ غَرامة مُثْ … (لسان العرب)
- بجدي: بجد: بَجَدَ بِالْمَكَانِ يَبْجُدُ بُجوداً وبَجَداً؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ: كِلَاهُمَا أَقام بِهِ؛ وبَجَّدَ تَبْجيداً أَيضاً، وبَجَدَت الإِبل بُجُوداً وبَجَّدَت: لَزِمَتِ الْمَرْتَعَ. وَعِنْدَهُ بَجْدَة ذَلِكَ، بِالْفَتْح … (لسان العرب)
- تضرم: ضرم: الضَّرَمُ: مَصْدَرُ ضَرِمَ ضَرَماً. وضَرِمَت النارُ وتَضَرَّمَتْ واضْطَرَمَت: اشْتَعَلَتْ والْتَهَبَتْ، واضْطَرَمَ مَشِيبهُ كَمَا قَالُوا اشْتَعَلَ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وَأَنْشَدَ: وَفِي الْفَتى، بَعْدَ المَشِيب ا … (لسان العرب)
- جردت: جرد: جَرَدَ الشيءَ يجرُدُهُ جَرْداً وجَرَّدَهُ: قشَره؛ قَالَ: كأَنَّ فداءَها، إِذْ جَرَّدُوهُ ... وَطَافُوا حَوْله، سُلَكٌ يَتِيمُ وَيُرْوَى حَرَّدُوهُ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وسيأْتي ذِكْرُهُ. واسمُ مَا جُرِدَ مِنْهُ: … (لسان العرب)