هو الدهر لم يترك مشن غواره
الشاعر: معروف الرصافي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة
«هو الدهر لم يترك مشن غواره» من شعر معروف الرصافي، من العصر الحديث، وتقع في 42 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هو الدهر لم يترك مَشَنَّ غِواره — على سابق من ليله أو نهاره
يثير غبار الحادثات بكَرِّه — وهل نحن إلاّ من مُثار غباره
وكم عِبَر مطويّة في صورفه — فهل من مُجيل فيه طرف اعتباره
خليليّ أن الأرض غربال قُدرة — تجمّعت الأحياء بين اطاره
تَميد به كفّ الزمانِ تحرّكاً — لمَحْوِ ضعيف أو لأثبات فاره
فيبقى به الأقوى قرين ارتقائه — كما يسقط الأوهى رهين اندثاره
فلا عيش في الدنيا لمن لم يكن بها — قديراً على دفع الأذى والمكاره
لعمرك ما هذه الحياة بملبَس — لمن حيك من عجز نسيج شعاره
ولكن لمن أمسى بأيْد وقوّة — يجرّ على الأيام فضلَ ازاره
أرى الشمس يُخفي ضوءُها كل شارق — وإن كان ينبو الطَرْف عن مستناره
وما ذاك إلاّ أنّها في تَّلَهُّب — يموج بنور ساطعَ وقْد ناره
فلم يستطع نجم طلوعاً تجاهها — إذا لم يَعُذْ بالليل غبَّ اعتكاره
كذاك ضعيف القوم أن كان جاره — قوياً يكن شِلواً أكيلاً لجاره
وما الليث لولا بأسه في عرينه — بأشرفَ من ضبّ الفلا في وجاره
ومن غاوره اليام غيرَ مُدجَّج — فلا يطعمَنْ في مَغنَم منَ مَغاره
ومن لم يُهِن صَرْف الزمان برحلة — تُهِنْهُ صروف الدهر في عُقر داره
وما شرفُ الدرِ الثمينِ فريدُه — إذا هو لم يَبْرَح بطون مَحَاره
أرى كل ذي فقر لدى كل ذي غنىً — أجيراً له مستخدَماً في عَقاره
ولم يعطه إلاّ اليسير وإنما — على كدّه قامت صروح يَساره
ويلبس من تذليله العزّ ضافياً — وينظره شزراً بعين احتقاره
يَشُدّ الغنى أزر الفتى في حياته — وما الفقر إلا مكسرٌ في فقاره
وليس الغنى إلاّ غنى العلم أنه — كنور الفتى يجلو ظلام افتقاره
ولا تحسَبنّ العلم في الناس مُنْجياً — إذا نكَّبَت أخلاقهم عن مناره
وما العلم إلاّ النور يجلو دجى العمى — ولكن تَزوغ العين عند انكساره
فما فاسد الأخلاق بالعلم مُفْلِحاً — وإن كان بجراً زاخراً من بحاره
سل الفلك الدوّار عن حركاته — فهل هو فيها دائر باختياره
وهل هو في هذا الفضاء مسافر — له غاية مقصودة من سِفاره
وهَبْنا جهلنا بدأه من تقادم — فهل يدرك العقل انتهاء مداره
متى ينجلي ليل الشكوى عن النُهى — وترفع كفُّ العلم مُرْخى ستاره
ألا وَرْيَ في زند الزمان فنهتدي — بسقط ضئيل من سقيط شراره
أرى الدهر ليلاً كلّه غيرَ مُبصر — وإن كان في رَأد الضحا من نهاره
وأهليه ساروا خابطين ظلامه — وإن ركبوا في السير متن بخاره
لعمرك أن الدهر يجري لغاية — فإن شئت أن تحيا سعيداً فجاره
وها هو ذا يعدو فيبتدر المدى — وينهب أعمارَ الورى في ابتداره
لقد فاز من بارى جديده جدّةً — وخار الذي في جدّة لم يباره
وليست حياة الناس إلاّ تجِدّداً — مع الدهر في إيباسه واخضراره
وما الناس إلاّ الماء يحييه جَرْيُه — ويُرديهُ مكث دائم في قراره
لك الخير هل للشرق يقظة ناهض — فقد طال نوم القوم بين دياره
ألم تر ان الغرب أصلت سيفه — عليهم وهم لاهون تحت غِراره
وبادرهم كالسيل عند انحداره — وهم في مهاوي غفلة عن بِداره
أما آن للساهين أن يأبهو له — وقد أصبحوا في قبضةٍ من اساره
تراهم جميعاً بين حيران واجمٍ — وآخر يُطري ماضياً من فَخاره
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ارتقائه: [ر ق ي]. (مصدر اِرْتَقَى). 1. "صَعُبَ عَلَيْهِ اِرْتِقَاءُ الجَبَلِ": الصُّعُودُ إِلَيْهِ. 2. "اِرْتِقَاءُ الْمَلِكِ للْعَرْشِ" : اِعْتِلاؤُهُ، تَوَلِّيهِ. 3."مَبْدَأُ النُّشُوءِ والاِرْتِقَاءِ" : مَبْدَأُ التَّطَوُّرِ.
- اطاره: أطَار يُطِيرُ أَطِرْ إطَارةَ [ طير]:- المكان: كثر طيْره.- ـه: طيَّره، أي جعله يطير؛ هوايته أن يُطِير الحمام ويلاحقه.- نومَه: نفّره، إنّ خبر السوء قد أطار نومي وأقلقني.- المال: ذهب به وبعثره/ أطار شهرته، أي نشرها.
- اعتباره: الاعْتِبَارُ : مصـ.-: الاتِّعاظُ واستخلاص العبرة؛ الاعتبار يُغني عن الاختبار.-: الفرض والتقدير؛ أمر اعتباريٌّ، أي مبنيٌّ على الفرض.-: تقديرٌّ وكرامة؛ إنه رجل ذو كرامة واعتبار في المجتمع / ردُّ الاعتبار إلى الشخص في القضا …
- اندثاره: [د ث ر]. (مصدر اِنْدَثَرَ). 1."عَرَفَتْ بُيوتُ القَرْيَةِ انْدِثارًا" : اِخْتِفاءً، لَمْ يَبْقَ لَها أَثَرٌ. 2."أَحْدَثَ الزِّلْزالُ انْدِثاراً مُفْجِعاً لِكُلِّ مَبانِي الْمَدينَةِ" : تَدْميراً، تَلاشِياً.
- تميد: تَمَيَّدَ يَتَمَيَّدُ تمَيُّدا ً: تميَّلَ وتثنّى؛ تميّدت الأَغصان/ تميّدت المرأةُ في مشيتها.
- رهين: الرَّهِينُ : المرهون. ـ بالأمر: المأخوذ به كُلُّ امرِىءٍ بما كَسَبَ رَهِينٌ أي مجازَى بفعله/ أنا لك رهين بكذا، أي ضامن.