جزء من حديث ذات ليلة باردة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
وأنا مثل مغنّ يحمل قيثارايمشي في الحلم ويبكي , ويغنّي
يهبط سقف الليلأفتتح كتاب الوحشة , أرسم فوق الجدران
أقمارا , أحرقهاوتمرّ فلول الأيام المنهزمة
مثل قطار واهنيعبر بي مدن الذكرى
أرتعش وتسقط فوق سريري نجمةأبحث في قاموس الأسرار
عن معنى المطر ,وحزن الآنية المكسورة
لكنّ الكلمةتزرعني ثانية في منطقة اللغز
ما بين الواقع والأسطورةقال أبو حسن اللدّاوي :
( و أبو حسن اللدّاوي هذا , يعمل حمّذذالا ,أحيانا ماسح أحذية , عامل مقهى
أحيانا يتجوّل بين الأحياءيبيع الترمس للأولاد , ويملك صندوق عجب )
- في العاشر من أيلول الماضيأعولت الدنيا ,
وانشقّ جدار البيتعن شيخ كان جريحا
ووقور الحزن , مهيب الصمتبادرني مثل الدهشة , قال :
* أنا عزّ الدين القسّامهل تأذن لي ,
أن أقضي الليلة في بيتك ؟- عزّ الدين القسّام !
لا أعرف أحدا يحمل هذا الإسم* رجل من أرض الشام
لا يملك عائلة ,لا يملك بيتا
يتجوّل في أحياء الفقراءوكثيرا ما شاهده بعض الفلاحين
يعبر بين الأشجاريبحث عن حبّة تين يابسة ,
عن جرعة ماءكان يرى بعض النسوة ,
يحملن جرارا ,ويطفن على الآبار
فيمرّ سريعا ,ويحاذر لقيا الأطفال
والنظر إليهمكي لا يبكي
( وتوقف مهموما مثل حصان مجهدليتابع )
أعرف أنّي مجهول منسيمجهول المولد , مجهول الموت
( ولمحت بعينيه بريقا ,قلت ) :
- أتبكي يا شيخ ؟* لا أملك عينين لأبكي
فأنا جئت أزور الوطن لأنظر أحبائيوأعانقهم
لا أرثيهم(قال أبو حسن اللدّاوي :
واحترت كثيرا في هيئته المأساوية ,في بقع الدم المتجّمدة على الكتفين ,
وفوق الصدرفي هذي الأعشاب النامية ,
على جبهته ,والطين العالق في قدميه
قلت له ) :- ما الأمر؟
( أمعن بعض الوقت ,وعدّل فوق الرأس عمامته البيضاء
فانتحبت في كفّذذيه عصافير كثيرهخيّل لي أنّ العزلة
تسكنه منذ قرونأنّ الوحشة بيته
وكما لو أنّ بلادا واسعة ,تحتلّ مساحة قلبه
راح يغنّي موّالا شعبيّاعن شمس تغرب
عن وجه يشحبعن سفن تشرع نحو المنفى
عن عشق لم أسمع مثلهيا الله
يا الله !!بعد قليل ردّد بأسى مفجوع :
* " دار جفتنا يحقّ لنا نعاتبهاونجيب فووس النيا ونهدم عواتبها "
( أسلم عنق الموّال لمقصلة الصمت ,ولملم نفسه )
- هل تعمل شيئا يا شيخ ؟* كنت قديما
- أين ؟* في الشارع والمسجد والبريّة
عملي كانمحصورا ما بين الفقراء
يأتون إليّ صباح مساءفأؤجّج فيهم نار الحكمة ,
والموعظة وحب الأرضأطعمهم زاد القلب
وأقرّبهم من ملكوت الربأنت حزين يا شيخ
ما تحمل في قلبك ؟منشورات سرية
ماذا ؟أحمل تذكارات الأمس ,
مواويل الجبل وصورا للأطفال الباكينأحمل وطنا يتوّجع
فأنا منذ قتلتهاجرت إلى مملكة الأعشاب ,
سكنت قلوب الشجر ,وأعراق الزعتر , قلت :
يأتي من يكسر هذا القيديأتي من يشعل أعراس الأرض ,
ويحترم الإنسانلكن لم يأتوا حتى الآن
فمتى يأتون ,متى يأتون !
- يا شيخي الطيبأحيانا يفلت منّي المعنى
لكّني أوخذ بالصوتوالحزن الأخضر في كلماتك
كيف تقول قتلت , وها أنت أمامي ؟* الموت رفيقي
فلذا يسمح لي أحيانا ,أن أتجوّل في مملكتي
وأطوف على الأحياء- وجروحك ؟
* يجمل أن تبقىحتى يعرفني الناس
حتى يستيقظ فيهم شيء ماحتى لا يقعوا ثانية ,
في هاوية الأخطاءما تفعل لو صادفت الحرّاس ؟
الشرطة والعسكر والحرّاسهم بعض الأعداء ,
ومن مصلحة الدولةأن تبقى أوراقي مطوّيه
( أطفأت الوابوروأنا لا أفهم شيئا
وسكبت له كباية شاي ساخنقلت : تفضّل
في الخارح كان الليل وحيدا ,إلا من صرصرة الريح ,
ورجع خطى مجهولة )" جسمي تقّطع وجرحي طال يا مولاي
وأقلام صبري براها الهمّ يا مولاينهر الفرات من دمعتي فار
ودّور طاحون وخشبولا بارك الله في قوم يعبدون الخشب
أنت تنين ياللي من حديد وخشباشحال أنا من لحم ودما صابر على بلواي """"
( التمعت عينا الشيخوارتفعت يده تمسح عن وجهه
شيئا ماقلت ) :
- هذا حمدان الناطوروضعت مصلحة البلدية يدها ,
فوق مساحات من أرض القريةواشتقّت من بيّارته اسفلتا ,
جعلت منها منتزها للسيّاحقاوم حمدان المشروع بكل قواه ,
ولكنّ المقدور وقعحمدان جثا فوق الأرض وقبّلها ,
رفض التعويض .. بكىبين يديّ بيّارته ,
وهي تغادر أشجاراوترابا
وسياجاوحزنّا معه لكن حمدان
لم ينس , فمن ذاك اليوموهو يدور على الأرصفة بلا وعي ,
يذرع طرق القرية ,يزرع قلب الليل موّاويلا حارقة ,
ويقول بأنّ له عاشقة ,بين الصبّار ,
يطارحها الدمع إذا التقياوالضحكة أحيانا ,
ويراها في الموّال كما يزعم ..* أعرف حمدان الناطور ووقع الموّال
فكثيرا ما صادفني في الليل ,ورافقني التجوال
وشربنا الشاي معا بالنّعناعووقفنا فوق الكرمل ,
ننتظر القادم بسلال الأفراحوأنا أعرف حزن الشجر المقهور ,
وأنّته الصامتة , وصفرة أوراقهإذ تهوى في وجه الريح ,
وأعرف زهو الموت وكاميرات السيّاحأعرف حمدان الطفل ,
الولد اليافع , والشابالطعنة والبئر , وما فعل الأخوان
أعرف هذا الزمن الخوّانوالمدن الطالعة من الصحراء بأزياء عصريّة
والبدو وحرّاس القصر ,وقاتل حمدان الناطور ,
ومن شربوا الرّاحعصر اشتعل الحرش ,
وصارت خاصرة الجبل وسادةوالريح كفن
( حين نهضت لإحضار فراش ,كي يرتاح ..
أوقفني عند العتبة صاح :* دهرا نمت , وحين استيقظت ,
وجدت موانيء , ومسالك تنتظر ,وقال المذياع : انتظروا ..
وتعثّرت بخوذة جنديّ هارب ,وبآخر ملقى ..
قلت : الطوفان , السبيّ ,وقال المذياع :
لا تهنو ..لكنّ القلب الملتاع
أسقمه ما أسقمهللحزن طقوس , والأوجاع
لا ترفق بالقلب وترحمهعاوده النوم ..
و ( يا دار ما دخلك شرّ )- لكأنك تعنيني يا شيخ , وتحكي
عمّا كان بنفسي ,حين الأقدار أقلّتني من بيتي ,
في اللدّ إلى قبية حتى الجلزونوالله عليم ما قاسيت من الجوع ,
ومن ذلّ السير ..** لا أعني أحدا
غرناطة , يافا , اربد , مكّةوارميا العربيّ والبكاء
لا في الغزو ولا في التهليليا مال الشام أضاعوك
كمال الأيتام أضاعونيطال مطال البين ,
وما أحد قالتعال
وشال الحمل ,ولا تركوني
ناديت محبّي , همو خدعوني حزني كالبحر عظيملا حنطة للأطفال المغشّي عليهم
عطشان ,صبايا الحيّ ملأن جرار الماء وغادرن ,
فمن يروينيناديت محبّي , همو خدعوني
- هوّن يا شيخ عليكالدنيا ذاهبة والباقي وجه الله
والعمل الصالح..................
* ....................( وانسلّ خفيفا كالطيف ,
توقّف عند البابوتهدّل تعبا , كالغصن الملآن
فانخلع القلب من الرهبة والحزنواستودعني اليقظة ,
والحيرة والليل وغاب )...................
* جسمي تقطّع وجرحي طال يا مولايوأقلام صبري براها الهمّ يا مولاي
نهر الفرا............................
عن القصيدة
«جزء من حديث ذات ليلة باردة» من شعر محمد القيسي، وتقع في ١٢٦ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.