معلقة الجمال في رد الجميل
الشاعر: جمال مرسي · البحر: الكامل
«معلقة الجمال في رد الجميل» من شعر جمال مرسي، وتقع في 197 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قَالُوا : الوَفَاءُ ، فَقُلْتُ مِن أَفيَائِهَا — قَالُوا : البَهَاءُ ، فَقُلتُ مِن لأْلاَئِهَا
قَالُوا : النَّقَاءُ ، فَقُلتُ ثَوبُ فَضِيلَةٍ — يَا مَا أُحَيْلاهَا بِثَوبِ نَقَائِهَا
قَالُوا : العَطَاءُ ، فَقُلتُ بَعضُ خِصَالِهَا — و الشِّعرُ والإحسَاسُ بَعضُ عَطَائِهَا
مُختَالَةٌ قَالُوا ، فَقُلتُ و هَل تُرَى — فَوقَ الثَّرَى أُنثَىَ بِلا خُيَلائِهَا
عَرَبِيَّةُ مِن نَجدِ ، قُلتُ حِجَازُهَا — بِالحُسْنِ مُمتَدٌّ إِلَى أَحسَائِهَا
يَا لَلقَصَائِدِ كَالشُّموُسِ وَضَاءَةً — سَطَعَتْ ، فَلَم تَقدِرْ عَلَى إِخفَائِهَا
و هَدِيَّةٍ بِالمَكرُمَاتِ تَوَضَّأَتْ — و تَزَيَّنَتْ مِنهَا بِعِطرِ وَفَائِهَا
جَمَعَت عَلَيهَا فِي " قَنَادِيلِ الرُّؤَى " — نُخَباً تُرِيقُ الشَّهدَ مِن شُعَرَائِهَا
فَلَمَستُ مِن شِعرِ الكِرَامِ حَلَاوَةً — فَاقَتْ " أَرَاكَ عَصِيَّ " فِي إِلقَائِهَا
هِيَ ذِي " وَفَاءُ " أُخيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ — غَلَبَتْ " نَعَمْ " فِيهَا جَحَافِلَ "لائها"
و هِيَ الكَرِيمَةُ ، لا يُضَاهِي جُودَهَا — جُودٌ و لا يَرقَى لِبَعضِ سَخَائِهَا
فَلَهَا تَحِيَّةُ شَاعِرٍ مُتَرَبِّعٍ — فَوقَ القصَيِدةِ ، مُغرَمٌ بِبِنَائِهَا
*** — ***
فَتَّشتُ فِي كُلِّ الحُرُوفِ ، فَلَم أَجِدْ — حَرفاً أَرَقَّ تِلَاوةً مِن ثَائِهَا
فَاختَرتُهُ مِن بَينِهَا و مَنَحتُهُ — لِقَصِيدَتِي ، لِتَزِيدَ فِي أَبْهَائِهَا
هُوَ لِلحَبِيبِ فَكَيفَ لا تَزهُو بِهِ — كُلُّ الحُرُوفِ بِحَائِهَا و بِبَائِهَا
صِنوُ الفُؤَادِ و ثَروَةُ الرُّوحِ الَّتِي — حِينَ اْلتَقَتْهُ سَمَت إِلَى عَليَائِهَا
هُوَ ذَا أَمِيرُ العَاشِقِينَ و قَلبُهُ — كَحَمَامَةٍ سَجَعَت بِطِيبِ غِنَائِهَا
مَن ذَا اْبنُ زَيْدُونٍ و مَن قَيسٌ إِذَا — غَنَّى " سَلِيمٌ " لِلمَهَا و وَفَائِهَا ؟
و شَدَا لِمِصرَ و نِيلِهَا و لِشَعبِهَا — و لِغَزَّةٍ يَأْسَى عَلَى شُهَدَائِهَا
و بَكَى لِأَجلِ الشَّامِ ، قَرَّحَ جَفنَهُ — مَا قَد تَقَاطَرَ مِن زَكِيِّ دِمَائِهَا
لَهُ فِي الرِّجَالِ طَبَائِعٌ لَم أَستَطِع — مَهمَا ذَكَرتُ هُنَا عَلَى إِفشَائِهَا
فَهُوَ الكَرِيمُ اْبنُ الكِرَامِ ، أُصُولُهُ — مَوصُولَةٌ بَطحَاؤُهَا بِسَمَائِهَا
هُوَ لِلَّصدِيقِ صَدِيقُهُ و حَبِيبُهُ — يَرعَى المَوَدَّةَ ، يَحتَفِي بِنَقَائِهَا
فَلَئِنْ يُعَكِّرْ وِردَهُ ذُو خِسَّةٍ — ظَهَرَت سَمَاحَتُهُ بِكُلِّ صَفَائِهَا
فَإِذَا تَمَادَى سَادِراً فِي غَيِّهِ — يَسقِيهِ بِالأَشعَارِ مُرَّ هِجَائِهَا
يَعفُوُ و يَصفَحُ ، فَالرِّجَالُ مَوَاقِفٌ — مَا كَانَ يَعرِفُهَا سِوَى خُبَرَائِهَا
يَا ثَروَةَ الخَيرَاتِ مِنِّي قُبلَةٌ — فَوقَ الجَبِينِ ، فَذُقْ شَذَا صَهبَائِهَا
** — **
أَقبَلتُ و الأَشوَاقُ تَسبِقُ خُطوَتِي — فَتَبِعتُهَا ، مُتَشَبِّثاً بِرِدَائِهَا
وسَأَلتُهَا ، قَالَت : لِجَامِعَةِ النُّهَى — سَيْرِي ، لِأَنهَلَ سَلسَلاً مِن مَائِهَا
قُلتُ العُيُونُ تَفَجَّرَت مِن صَخرَةٍ — قَالَت : و صَبَّتْ فِيهِ مِن آلائِهَا
فَعَرَفتُ أَنِّي نَحوَ " مَاجِدَ " سَائِرٌ — بِقَصيِدَةٍ تَمشِي بِكُلِّ حَيَائِهَا
و طَفِقتُ أَستُرُهَا بِطَرفِ " وُشَاحِهِ " — و بِكَفِّهِ أُطفِي لَظَى أَحشَائِهَا
و بِعِلمِهِ ، و بِنَقدِهِ ، و بِلُطفِهِ — رَتَّقتُ مَا فَعَلَ الهَوَى بِكِسَائِهَا
فَهُوَ المُعَلِّمُ إِن أَرَدتَ نَصِيحَةً — مَا كَانَ يَبخَلُ.. قَطُّ ..عَن إِسدَائِهَا
لُغَةُ الكِتَابِ تَرَبَّعَتْ فِي قَلبِهِ — و هُوَ اْنصِهَارُ الكُلِّ فِي أَجزَائِهَا
و هُوَ الخَبِيرُ ، و لا خَبِيرَ سِوَى الَّذِي — أَعطَاهُ حَتَّى صَارَ مِن عُلَماَئِهَا
يَا " مَاجِدٌ " : أَنُعِيدُ مَجداً قَد مَضَى — فَتَتِيهُ أُمَتُنَا عَلَى نُظَرَائِهَا؟
أَم نَستَكِينُ فَتشَمَتُ الدُّنيَا بِنَا — و تَحُطُّ فَوقَ الهَامِ مِن بَلوَائِهَا؟
هِيَ ذِي فِلِسطِينُ الحَبِيبَةُ تَكتَوِي — صُبحاً و لَيلاً مِن لَظَى أَعدَائِهَا
و بِأَرضِ لِيبيَا فِتنَةٌ لَا تَنقَضِي — فَمَنِ الَّذِي يَسعَى إِلَى إِذكَائِهَا ؟
و الشَّامُ مُحتَرِقٌ عَلَى يَدِ ثُلَّةٍ — عَاثَت فَسَاداً فِي رُبَا فَيحَائِهَا
يَبكِي العِرَاقُ بِأَدمُعٍ نَارِيَّةٍ — لِلآنَ لَم نَقدِرْ عَلَى إِطفَائِهَا
و بِمِصرَ إِرهَابٌ يُحَاوِلُ ثَنْيَهَا — عَن عَزمِهَا و ثَبَاتِهَا و مَضَائِهَا
بِاللهِ قُل لِي ، إِنَّ نَفسِي أَوشَكَتْ — أَن تَستَلِذَّ السَّيْرَ نَحوَ فَنَائِهَا
و لَقَد عَرَفتُكَ لِلجِراحِ طَبِيبَهَا — فَلْتُعطِنِي أَملَاً يَشِي بِشِفَائِهَا
أَهُنَاكَ نُورٌ قَد يَلُوحُ لِأُمَّةٍ — دَاسَت عَلَى مَجدِ الأُلَى بِحِذَائِهَا ؟
** — **
يَا صَبْرُ زِدْنِي ، إِنَّ صَبرِي نَافِذٌ — و هَبِ القَوَافِي مَن سَعَى لِبَقَائِهَا
و مَنِ اْمتَطَى خَيلَ القَصَائِدِ و اْقتَفَى — أَثرَ الأُلَى فِي نَظمِهَا و بِنَائِهَا
سَل أَهلَ مَكَّةَ ، و هْوَ سَاكِنُ أَرضِهَا — عُمراً ، كَمَا لَو كَانَ مِن أَبنَائِهَا
فِي كُلِّ حَيٍّ بَصمَةٌ تَزهُو بِهِ — فَاسأَل إِذَا مَا شِئتَ عَن أَحيَائِهَا
و هُوَ اْبنُ مِصرَ ، دِمَاؤُهُ مِن نِيلِهَا — أَشعَارُهُ عُجِنَتْ بِمَاءِ إِبَائِهَا
لَم يَدَّخِر جُهداً ، و لَا مَّرَت مُنَا — سَبَةٌ عَلَيهِ و لَم يَجُدْ بِسِقَائِهَا
و يُؤرَخُّ الأَحدَاثَ حَتَّى أَنَّهُ — يُبدِى لَنَا مَا غَابَ مِن أَنبَائِهَا
فَهُوَ " الجَبَرْتِيُّ " الَّذِي أَسفَارُهُ — عَادَت بِرَونَقِهَا إِلَى قُرَّائِهَا
لَكَ يَا " اْبنَ صَبرِي " مِن أَخِيكَ تَحِيَّةٌ — فَاعذُر إِذَا قَصَّرتُ عَن آدَائِهَا
"و عَلَى النَّبِيِّ الهَاشِمِيِّ صَلَاتُنَا — مَا حَلَّقَت طَيرٌ إِلَى أَجوَائِهَا"
** — **
مَا قِيمَةُ الأَشعَارِ إِن لَم يَحتَرِقْ — أَصحَابُهَا بِأُوارِهَا و ذُكَائِهَا
( مَن لَم يَمُتْ بِالشِّعرِ مَاتَ بِغَيرِهِ ) — و كَذَاكَ دُنيَانَا بِرَغمِ بَهَائِهَا
فَاصنَع بِهَا المَعرُوفَ و اْبذُرْ بَذرَةً — فِيهَا ، و لا تَنظُرْ لِبَخسِ عَطَائِهَا
و لتَمْضِ كـ ( السَّاعِي ) فَأَنتَ عَلَى الثَّرَى — تَمشِي خُطَىً تُثنِيِكَ عَن أَخطَائِهَا
أَو كُن ( عِصَامِيّاً ) غَرِيباً مِثلَمَا — يَحيَا جَمِيعُ الخَلْقِ مِن غُرَبَائِهَا
و دَعِ ( الكَمَالَ ) لِخَالِقِ الدُّنيَا ، فَيَا — سُبحَانَ ذُو العَرشِ اْستَوَى بِسَمَائِهَا
يُعطِي العِبَادَ المُخلَصِينَ مَوَاهِباً — خَيراً مِنَ الدُّنيَا و مِن نَعمَائِهَا
و يَجُودُ بِالمِنَحِ العَظِيمَةِ ، إِنَّهُ — رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ و دَائِهَا
يَا أَيهُّاَ الرَّجُلُ الغَضُوبُ ، و لَم أَجِدْ — سَبَباً يُثِيرُ النَّفسَ غَيرَ مِرَائِهَا
إِنِّي عَرَفتُ الحِلمَ فِيكَ سَجِيَّةً — و رَأَيتُ أَخلَاقاً سَمَتْ بِنَقَائِهَا
و رَأَيتُ شَمسَكَ فِي (القَنَادِيلِ) الَّتِي — أَسعَدتَهَا ، و غَدَوتَ مِن أُمَرَائِهَا
اِرجِع فَإِنَّ الدَّارَ لا يَحلُو بِهَا — سُكنَى إِذَا مَا غِبتَ عَن أَفيَائِهَا
فَالشِّعرُ مُنتَظِرٌ عَلَى أَعتَابِهَا — و حُرُوفُهُ سَكَبَتْ دُمُوعَ بُكَائِهَا
** — **
يَا شِعرُ سِرْ بِي نَحو َ"غَاندِي" ، إِنَّهُ — قَد عَادَ بِي لِلهِندِ فِي ضَرَّائِهَا
فَذَكَرتُ غَاندِي ، كَيفَ كَانَ كِفَاحُهُ — بِالصَّومِ نِيرَاناً عَلَى أَعدَائِهَا
"عِصيَانُهُ المَدَنِيُّ" أَضحَى سُنَّةً — سَارَ الحُقوُقِيوُّنَ فِي لَأْلَائِهَا
حَتَّى غَدَا مَثَلاً ، فَمَا مِن ثَورَةٍ — بَيضَاءَ إِلَّا كَانَ مِن شُرَكَائِهَا
و هُنَا " اْبنُ يُوسُفَ" قَد أَتَى بِهَدِيَّةٍ — لِيُشَارِكَ الأَحبَابَ فِي إِهدَائِهَا
فَقَبِلْتُهَا و الحُزنُ كَانَ قُبَيْلَهَا — يَقتَاتُ مِن نَفسِي و مِن أَشلَائِهَا
و عَرَفتُ أَنَّ حَيَاتَنَا مِنْ دُونِمَا — صَحبٍ كَمَا شَمسٌ بِدُونِ ضِيَائِهَا
إِنَّ الحَيَاةَ مَعَ الصَّديِقِ لَذِيذَة — ٌ و أَلَذُّ إِن سَاهَمتَ فِي إِثرَائِهَا
فَاترُكْ بِهَا أَثَراً يَسِيرُ بِهَدْيِهِ — مَن قَادَهُ يَأسٌ إِلَى ظَلمَائِهَا
** — **
الصُّبحُ أَسفَرَ و القَصِيدَةُ لَم تَزَلْ — فِي البَدءِ تُغرِينِي بِطُولِ بَقَائِهاَ
و بِذِكرِ أَحبَابِي الَّذِينَ تَوَسَّدُوا — قَلبِي و وُجدَانِي ، فَيَا لَسَخَائِهَا
شُكراً لِأَنَّكِ لِلحَيَاةِ أَعَدْتِنِي — َفَأَنَا بِدُونِكِ ذُقتُ مُرَّ عَنَائِهَا
شُكراً لِأَنَّكِ كُلُّ أُنثَى أَقْبَلَتْ — أَو أَدبَرَتْ بِجَمَالِهَا و حَيَائِهَا
شُكراً لِأَنَّكِ كُلُّ أَوطَانِي الَّتيِ — أَشدُو لَهَا ، و أَهِيمُ فِي أَرجَائِهَا
حَتَّى اْلتَقَتْ رُوحِي بِرُوحِ مُعَذَّبٍ — بِقَصِيدَةٍ لِلشَّمسِ أَو لِضُحَائِهَا
حَدَّثْتُهُ عَنِّي و عَن رُوحِي الَّتِي — هَامَتْ بِحُبِّ غَنِيَّةٍ بِبَهَائِهَا
قَد أَجَّجَتْ جَمرَ التَّوَهُجِ فِي دَمِي — و جَفَتْ فُؤَادِي الغَضَّ يَومَ لِقَائِهَا
سَكَبَتْ لِيَ الأَشوَاقَ فِي كَأسِ المُنَى — فَشَرِبْتُ ، لَكِنْ مِن لَظَى صَهبَائِهَا
و سَأَلتْهُ مِنكَ الدَّوَاءَ ، فَدَاوِنِي — ضَنَّتْ عَلَيَّ حَبِيبَتِي بِدَوَائِهَا
فَوَجَدْتُهُ عَنِّي بَعِيداً شَارِداً — شَغَلَتْهُ غَزَّة ُعَن " رُؤَى " و جَفَائِهَا
للهِ يَا ( صُبحِي ) فُؤَادُ يَرتَوِي — مِن نَبعِ غَزَّةَ ، مِن شَذَا أَندَائِهَا
بِاللهِ قُلْ لِي : كَيفَ لا يَهوَى الثَّرَى — فِيهَا ، و يُنعِشُهُ أَرِيجُ هَوَائِهَا ؟
و يُرِيقُ دَمعَ العَينِ نَاراً إِن رَأَى ال — حَسنَاءَ تَغرَقُ فِي غَزِيرِ دِمَائِهَا ؟
و العَالَمُ الهَمَجِيُّ يَرثِي قِطَّةً — " بُوشِيَّةً " ، يَزهُو بِطِيبِ رِثَائِهَا
فِي حِينِ يَسقُطُ أَلفُ أَلفِ ضَحِيَّةٍ — عَرَبِيَّةٍ ، تَمضِي بِدُونِ عَزَائِهَا
يَا صَاحِبِي : لَا تَأْسَ فَالنَّصرُ الَّذِي — نَرنُو لَهُ سَيَجِيءُ مِن بَأْسِائِهَا
و غَداً سَيُبعَثُ فِي الثَّرَى فِينِيقُهَا — و غَداً سَيَسرِي النُّورُ فِي ظَلمَائِهَا
فدع الأسى و اسمع لصوت قصيدة — لما دعت ، لبيت صوت ندائها
قَالَتْ بِكلُ ِّالعَزمِ فِي أَبيَاتِهَا — لِلْمُغرِضِينَ : تَمَتَّعُوا بِحُدَائِهَا
و لتَصمُتُوا عَن فِتنَةٍ أَوحَى بِهاَ — بَعضُ الأَبَالِسِ حَسبَمَا أَهوَائِهَا
يَا أَهلَ غَزَّةَ أَنتُمُ بِعُيُونِنَا — رَغمَ الَّذِيَن سَعَوْا إِلَى إِيذَائِهَا
مِصرُ الَّتِي ثَارَت عَلَى طُغيَانِهَا — مَعَكُمْ ، بِكُلِّ رِجَالِهَا و نِسَائِهَا
** — **
يَا شِعرُ خُذنِي لِلرَّبَاطِ و أَهلِهَا — لِأُرِيقَ عِطرَ الرُّوحِ فِي أَجوَائِهَا
و" لِطَارِقِ اْبنِ زِيَاد "ِ أَصعَدُ طَوْدَهُ — أَبكِي بِأَندَلُسٍ عَلَى حَمرَائِهَا
و إِلَى "اْبنِ تَشفِينَ" الذي آثاره — بقيت برغم الدهر دون فنائِها
خُذنِي لِكَي أَنسَىَ تَبَارِيحَ الهَوَى — إِمَّا مَشَتْ قَدَمَايَ فِي أَحيَائِهَا
مَا كُنتٌ أَعلَمُ أَنَّ مَوْتاً مُوشِكاً — يَأتِي بِمَيْلِ الصَّبِّ عَن حَسنَائِهَا
عَسَلِيَّةُ العَيْنَيْنِ وَاثِقَةُ الخُطَى — تَغفُو كَأَنَّ السِّحرَ فِي إِغفَائِهَا
تَبكِي عَلَى مَجدٍ تَدَثَّرَ بِالثَّرَى — لَمَا سَهَا التَّارِيخُ عَن عُظَمَائِهَا
لَكِنَّهَا نَهَضَتْ ، كَأَنَّ نُهُوضَهَا — شَمسٌ تُرِيقُ النُّورَ فِي بَيدَائِهَا
هِيَ مَغرِبُ الدُّنيَا و لَكِنْ أَشرَقَتْ — فِي كُلِّ دُنيَانَا بِكُلِّ رَخَائِهَا
مِنهَا أَتَتْ هَذِي ال " نَّبٍيلَةُ " بِالضُّحَى — لِقَصِيدَةٍ سَعِدَتْ بِنَبعِ صَفَائِهَا
تَرَكَت بِهَا بَصَمَاتِهَا ثُمَّ اْعتَلَتْ — عَرشَ البَهَاءِ ، فَيَا لَطِيبِ ثَوَائِهَا
يَا بِنتَ ( فَاسٍ) و الحَضَارَاتِ الَّتِي — تَزهُو بِمَن فِي فَاسَ مِن عُلَمَائِهَا
لَكِ مِنكِ يَا بِنتَ ال "حَمَانِي " زَهرَةٌ — نِيلِيَّةٌ تَرعَى أُصُولَ إِخَائِهَا
** — **
لَا تُنْكِرِ الأَبطَالَ يَا تَارِيخُ فِي — أُمَمٍ زَهَتْ بِالصِّيدِ مِن عُظَمَائِهَا
لَم يَبقَ مِنهَا غَيرُ ذِكرَى ، كُلَّمَا — فَاحَت تَطِيبُ النَّفسُ مِن أَشذَائِهَا
فَاغسِلْ بِمَاءِ النُّورِ كُلَّ صَحِيفَةٍ — سَوْدَاؤُهَا يَطغَى عَلَى بَيْضَائِهَا
و اْذكُرْ " بِقُدسِ المُسلِمِينَ " بُطُولَةً — لِلفَارِسِ المُغوَارِ مِن أَبنَائِهَا
فِي "القَسطَلِ" الغَرَّاءِ يَلْقَى رَبَّهُ — لَمَّا أَثَارَ النَّقعَ فِي هَيجَائِهَا
و أَذَاقَ مِن كَأسِ المَنُونِ عَدُوَّهُ — بِرُجُولَةٍ جَعَلَتْهُ مِن شُهَدَائِهَا
فَغَدا " الحُسَيْنِيُّ " الشَّهِيدُ عَلامَةً — فِي طُرَّةِ الأَسفَارِ ، فِي فَحوَائِهَا
يَا " طَائِرَ الفَجرِ" الَّذِي يَشدُو لَنَا — بِقَصِيدَةٍ تَحلُو بِرَجعِ غِنَائِهَا
ذَكَّرْتَنِي بِاْسمٍ تَخَلَّدَ كُلَّمَا — عَيْنِي رَأَتْكَ بِصُبحِهَا و مَسَائِهَا
و لَقَد عَرَفتُكَ صَاحِبَ الرَّأْيِ الَّذِي — يَمشِي بِعَكسِ الرِّيحِ فِي هَوجَائِهَا
لَكِنَّهُ لَا يُفسِدُ الودَّ الَّذِي — يُبقىِ المَحَبَّةَ فِي إِطَارِ صَفَائِهَا
و عَرَفتُ تَقوَاكَ الَّتِي أُسقِيتَهَا — مِن سُنَّةِ الهَادِي ، و مِن أَندَائِهَا
فَاْنعَم بِحُبِّ اللهِ تِلكَ عَطِيَّةٌ — مَا كَانَ يَمنَحُهَا سِوَى بِرَجَائِهَا
** — **
يَا أَيُّهَا البَانِي مَدِينَةَ عَاشِقٍ — لِلثَّغرِ ، لَامَستَ السُّهَا بِبِنَائِهَا
و تَرَكتَ فِيهَا لِلسُّرَاةِ مَنَارَةً — تَهدِيهُمُ و الفُلْكَ فِي دَأْمَائِهَا
خَلَّدتَ ذِكرَكَ حِينَمَا تَوَّجْتَهَا — مِنكَ الحُرُوفَ ، فَأَغدَقَتْ بِسَنَائِهَا
و مَنَحتَ لِلإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِسمَهَا — لَكِنَّهَا مَنَحَتْكَ كُلَّ عَطَائِهَا
و رَحَلْتَ فِي سِفرِ الثَّرَى ، لَكِنَّهَا — بَقِيَتْ عَرُوسَ البَحرِ فِي خُيَلَائِهَا
فَكَأَنَّنِي فِي كُلِّ حِينٍ أُبصِرُ ال — مَيْسَاءَ تَمشِي فِي رُبَا جَوْزَائِهَا
و إِذَا يَجِنُّ اللَّيلُ أَشهَدُ نَجمَةً — تَختَالُ فِي زَهوٍ عَلَى قُرَنَائِهَا
" فَوزُ" القَصِيدَةِ ، مُنتَهَى أَبيَاتِهَا — و أَمِيرَةُ البَحرِ البَسِيطِ بِفَائِهَا
جَلَسَتْ عَلَى عَرشِ القَصَائِدِ فَاْستَوَتْ — و تَفَوَّقَت فِيهَا عَلَى خَنْسَائِهَا
هِيَ رَبَّةُ الشِّعرِ النَّقِيِّ بِصِدقِهَا — تَروِي مَشَاعِرَهُ بِمَاءِ نَقَائِهَا
جَمَّعتُ مِن أَوصَافِهَا فِي سَلَّةٍ — وَردِيَّةٍ ، فَعَجَزتُ عَن إِحصَائِهَا
مِصرِيَّةُ الأَوصَافِ يَجرِي نِيلُهَا — بِعُرُوقِهَا و يَصُبُّ فِي حَوْبَائِهَا
فِي الحَقِّ لَا تَخشَى مَلَامَةَ لَائِمٍ — رَغمَ اْختِلافِ البَعضِ عَن آرَائِهَا
أُختُ الرِّجَالِ عَظِيمَةٌ فِي قَدرِهَا — قَد زَادَنِي قَدراً بَهِيُّ ثَنَائِهَا
** — **
يَا لَائِمِي فِي حُبِّهِ : لَا يَكتَوِي — بِالنَّارِ إِلَّا مَن سَعَى لِهِجَائِهَا
و النَّارُ مِنِّي فَاْبتَعِدْ عَنِّي ، و دَعْ — لِي مَن رَأَتْهُ الرُّوحُ فِي إِسرَائِهَا
فَعَرَفْتُهُ مِن نَظرَةٍ شَامِيَّةٍ — فَاضَتْ بِكُلِّ وَقَارِهَا و إِبَائِهَا
و رَأَيْتُهُ و الشَّامُ مِلءُ جُفُونِهِ — عَنهَا يَذُودُ و عَن ثَرَى شَهبَائِهَا
و عَنِ العُرُوبَةِ حِينَ جَاءَ مُسَائِلاً : — ( يَـا نِيـلُ: مَا بِكَ ) لَم تَثُرْ لِظِمَائِهَا
فَأَجَبْتُهُ و كَأَنَّ مِصرَ تَحَدَّثَتْ — عَنِّي و عَنهَا رَغمَ كُلِّ عَنَائِهَا
أَأَبَا الوِلِيدِ : اْلنِّيلُ لَم يَهدَأْ و لَم — يَنسَ العُرُوبَةَ رَغمَ طُولِ جَفَائِهَا
سَيَظَلُّ يَروِيهَا مِدَادَ عُرُوقِهِ — بِحَنَانِ وَالِدَةٍ عَلَى أَبنَائِهَا
هِيَ مِحنَةٌ مَرَّتْ بِكُلِّ بِلَادِنَا — كَسَحَابَةٍ صَيفِيَّةٍ بِفَضَائِهَا
و لَسَوفَ تَنقَشِعُ السَّحَابَةُ طَالَمَا — لَم نَسعَ فِي يَومٍ إِلَى إِبقَائِهَا
يَا " خَالِدَ " الكَلِمَاتِ : مَا زِلتَ الضُّحَى — فِي حُلكَةِ الأَشعَارِ، فِي سَوْدَائِهَا
مَا زِلتَ تَزرَعُ يَاسَمِينَكَ فِي دُجَى — أَشعَارِنَا ، تَسعَى إِلَى إِعلَائِهَا
فَلِقَلبِكَ الغَضِّ الرَّؤُومِ مَوَدَّةٌ — هَل يَا تُرَى وُفِّقْتُ فِي إِبدَائِهَا ؟
** — **
صَوبَ الجَزَائِرِ خُذ شِرَاعِي يَا هَوَى — فَالذِّكرَيَاتُ تَطِيبُ فِي أَفيَائِهَا
و اْنثُر عَبِيرَكَ فَوقَ هَامَتِهَا الَّتِي — لَمَسَتْ نُجُومَ الأُفقِ فِي عَلْيَائِهَا
وَرِثَتْ حَضَارَاتِ الجُدُودِ ، فَوَرَّثَتْ — أَبنَاءَهَا مَجداً عَلَا بِعَلَائِهَا
و بِمَا تَقَاطَرَ مِن دِمَاءٍ سَطَّرَ ال — تَارِيخُ مِلْيُونَينِ مِن شُهَدَائِهَا
وَدَّعتُ لِي فِيهَا هَوى مَحبُوبَةٍ — تَرَكَتْ لِيَ الذِّكرَى بِكُلِّ جَلَائِهَا
وَدَّعتُهَا و الصَّمتُ مَرسُومٌ عَلَى — ثَغرِي و مَعقُودٌ عَلَى حَوَّائِهَا
مَا كَانَ مِن عَجزِ الكَلامِ و إِنَّمَا — لِرَطَانَةٍ أَكَلَتْ حُرُوفَ هِجَائِهَا
ذَهَبَتْ إِلَى "الغَابَاتِ ، خَلَّتْ مُهجَتِي — كَشُجَيْرَةٍ تَرنُو إِلَى وَرقَائِهَا
هِيَ شَمسُ هُولَندَا الَّتِي غَابَتْ و لَم — تَضرِبْ لِقَلبِي مَوعِداً لِلِقَائِهَا
فَحَمَلتُ أَحزَانِي و لُذتُ بِصَاحِبٍ — أَشكُو لَهُ مَا كَانَ مِن عَذرَائِهَا
فَوَجَدتُهُ الرَّجُلَ العَرِقَ أَصَالَةً — أَبوَابُهُ اْنفَتَحَت عَلَى أَمدَائِهَا
قَالَ: الجَزَائِرُ شَطُّ كُلِّ سَفِينَةٍ — فَقَدَتْ شُعَاعَ النُّورِ فِي مِينَائِهَا
قُلتُ: الكِنَانَةُ ، قَالَ هِيَ أُختٌ لَنَا — سَكَنَتْ عُرُوشَ قُلُوبِنَا بِإِبَائِهَا
مَا كَانَ يُبعِدُنَا عَلَى طُولِ المَدَى — " كُرَةٌ " يَضِجُّ العَقلُ مِن ضَوضَائِهَا
فَأَوَاصِرُ الوُدِّ الَّتِي مَا بَيْنَنَا — خَيرٌ مِنَ " الفِيفَا " و مِن أَعضَائِهَا
فَحَمَدتُ رَبِّي أَنَّ فِي أَوطَانِنَا — نَفَساً كـ ( عَزُّوزِي ) بِكُلِّ نَقَائِهَا
و مَنَحتُهُ مِن رَوضِ قَلبِي وَردَةً — تَزهُو بِرَوْنَقِهَا عَلَى أَكفَائِهَا
** — **
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنَى — فِيهَا تَسَاوَى سَعدُهَا بِشَقَائِهَا
و لَهُ عَنَت كُلُّ الجِبَاهِ فَلَم يَكُنْ — فَضلٌ لِمَخلُوقٍ عَلَى فُقَرَائِهَا
حَمداً لَهُ أَن خَصَّنِي دُونَ الوَرَى — بِأَخٍ لِرُوحِي صَانَ حَقَ إِخَائِهَا
هُوَ مِن دَمِي ، فَلَهُ دَمِي ، و عَلَى فَمِي — تَقِفُ الحُرُوفُ عَصِيَّةٌ بِدَهَائِهَا
قَالَت أَتَمدَحُ فِيهِ نَفسَكَ ، و الهَوَى — يُغرِيكَ فِيهِ بِمَدحِهَا و ثَنَائِهَا
فَضَحِكتُ مِنهَا و اْستَعَذتُ مِنَ الهَوَى — بِاللهِ ، أَن أُصغِي إِلَى إِغوَائِهَا
قُلتُ اْصمُتِي ، هُوَ ذَا حَبِيبِي ، شَمسُهُ — سَطَعَتْ لِشِعرِي فَاْزدَهَى بِضِيَائِهَا
فلَئِنْ سَكَتُّ ، فَقَد بَخِلتُ ، و إِنَّنِي — مَا كُنتُ فِي دُنيَايَ مِن بُخَلَائِهَا
و لَئِنْ مَدَحتُ ، فَشَاعِراً مُتَأَلِّقاً — قَبلَ الأُخُوَّةِ و اْحتِكَامِ قَضَائِهَا
فَهُوَ الشَّقِيقُ ، هُوَ الصَّدِيقُ ، هُوَ الَّذِي — أَفضَالُهُ تَعصَى عَلَى إِحصَائِهَا
و هُوَ اْبنُ أُمِّي ، فِيهِ مِن أَوصَافِهَا — مَا تَعجَزُ الكَلِمَاتُ عَن إِيفَائِهَا
و هُوَ اْبنُ أَكرَمِ وَالِدٍ لَمَّا تَزَلْ — ذِكرَاهُ يَروِينَا نَدَى أَصدَائِهَا
يَا طَارِقاً بَابَ الفُؤَادِ ، وَلَجْتَهُ — فَاسكُنْ بِجَنَّتِهِ ، و فِي أَفيَائِهَا
و اْنعَمْ بِقَلبِي فَهْوَ كُلُّ قَصِيدَةٍ — فِيهَا الحَيَاةُ بِضِحْكِهَا و بُكَائِهَا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البهاء: بهأ: بَهَأَ بِهِ يَبْهَأُ وبَهِئَ وبَهُؤَ بَهْأً وبهَاءً وبَهُوءاً: أَنِسَ بِهِ. وأَنشد: وقَدْ بَهأَتْ، بالحاجِلاتِ، إفالُها، ... وسَيْفٍ كَرِيمٍ لَا يَزالُ يصُوعها وبَهَأْتُ بِهِ وبَهِئْتُ: أَنِسْتُ. والبَهاءُ، بِالْفَت …
- النقاء: نقا: النُّقَاوَةُ: أَفضلُ مَا انتَقَيْتَ مِنَ الشَّيْءِ. نَقِيَ الشيءُ، بِالْكَسْرِ، يَنْقَى نَقاوةً، بِالْفَتْحِ، ونَقاءً فَهُوَ نَقِيٌّ أَي نَظِيفٌ، وَالْجَمْعُ نِقاءٌ ونُقَواء، الأَخيرة نَادِرَةٌ. وأَنْقَاه وتَنَقَّاه …
- بثوب: ثوب: ثابَ الرَّجُلُ يَثُوبُ ثَوْباً وثَوَباناً: رجَع بَعْدَ ذَهَابِهِ. وَيُقَالُ: ثابَ فُلَانٌ إِلَى اللَّهِ، وتابَ، بِالثَّاءِ وَالتَّاءِ، أَي عادَ ورجعَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَثابَ بِمَعْنَاهُ. ورجلٌ تَوّابٌ أَو …
- بعطر: عطر: العِطْرُ: اسْمٌ جَامِعٌ للطِّيب، وَالْجَمْعُ عُطورٌ. وَالْعَطَّارُ: بائعُه، وحِرْفَتُه العِطَارةُ. وَرَجُلٌ عاطرٌ وعَطِرٌ ومِعْطِير ومِعْطارٌ وامرأَة عَطِرةٌ ومِعْطيرٌ ومُعَطَّرة: يَتَعَهَّدَانِ أَنفُسهما بِالطِّيبِ …
- تريق: تَرَيَّقَ يَتَرَيَّقُ تَرَيُّقاً : ـ الماءَ: شربه صباحاً على الرِّيق؛ يتريق كأساً من الماء كلّ صباح عند اليقظة. ـ السرابُ: اضطرب فوق الأَرض.
- تقدر: تقَدَّرَ يَتَقَدَّرُ تَقَدُّراً :- له كذا: تهيَّأ له؛ تَقَدَّر له أن يتبوَّأَ منصباً عالياً.- عليه الأمرُ؛ جُعِلَ له وحكم به عليه؛ تَقدَّرَعليه الْبُؤسُ.- الثوبُ عليه: جاء على مقداره.