تراجيديا الأخوان آبيل
الشاعر: محمد محمود العكشية · البحر: الطويل
«تراجيديا الأخوان آبيل» من شعر محمد محمود العكشية، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
(1) قابيلُ وهابيلُ يلهوانِ على التلال — قابيلُ ينثرُ قمحَهُ فوقَ الطريقْ.. هابيلُ يرعى كبشَهُ
أما الغرابُ فلم ينمْ منذ انتشاء العشب فوق التلِّ، مذ ضحكت لهابيلَ النساءُ على جداولَ في يبوس. — قتلَ الغرابُ أخاه ولم يكن لأخيه إلا القتلُ في شرع الغرابِ، وجاءَ يدفنُهُ على سفحٍ عظيم العشب في آبيلَ قربَ كنيسةٍ فيها توضأ مسجدٌ حتى يصليَ قربَ أحجار الكنيس.
"هذي صلاةٌ باطلة، سأدس رائحة الدماء بأنف هاتيك التلال، سأدفنُ الجسد الملطخ بالشقاق بكل تلٍّ في أبيلَ البائسة".. قال الغرابُ وحام حول تلالنا. — هابيلُ أبصرَهُ فطارَدَ وجهَهُ.. قابيلُ صلى كي تحاصرَه الغيومُ على جبل.
أما الغرابُ فحامَ حولَ التلِّ ثمَّ بنى هنالِكَ مقبرة. — - قابيلُ أقبِلْ يا أخي.. إنَّ الغرابَ يحومُ حولَ بلادِنا.. وضِّئْ كنانَتَكَ الفتِيَّةَ وارتقِبْ.. إني معك.
- سمعاً جليلًا يا أخي.. إني بقربك دائماً. — واشتدَّ طعمُ الليلِ في قلبيهما
والليلُ مُرٌّ حين ينفُضُ ريشَهُ فيهِ الغرابْ — وانزاحَ عن متنِ القصيدةِ كلُّ ماءٍ كان لَطَّف متنها
واندسَّ في عينِ الأخوَّة عنوةً كفُّ الضبابْ — والدربُ تحتَ عيونِ هابيلَ استشاطَ محدِّقاً في مقلتيهْ
والشمسُ صبَّتْ فوقَ قابيلَ الوصيةَ ثم دست وجهها تحتَ السحابْ — واشتدَّ نزعُ الأرضِ حين توضأت بدماءِ هابيلَ الصغير
جبلٌ فقيهٌ كان يُفتي الأرضَ دوماً لم يُجز ذاك الوُضوء — هذي دماءٌ طاهرة.. لكنْ وضوؤُك يا كريمةُ فاسدٌ
عارٌ على هذي البلادِ وضوؤُها بدماءِ هابيلَ الصغير — قابيلُ أيقِظْ ما فعلتْ
أيقظْهُ فوقَ سريرِ قلبِكَ إنَّ إيقاظَ الذنوبِ معظَّمٌ — كالضربِ في حجرٍ لينبثقَ الغدير
أيقظْ أخاك فإنه ما ماتَ إلا في فؤادِكَ وحدَه — ليموتَ حقاً حين تدفنُهُ كما رسمَ الغرابْ.
قوما لأجلِ أبيكما الغافي على كوفيةٍ فوقَ الصخورْ — قوما فآدمُ سوف يسقطُ مثلَ حيفا خلفَكم
عارٌ على الأخَوَين إن سقطَ العجوزُ عن الصخورْ — عارٌ على الأخَوَين إن سقطَ العجوزُ عن الصخورْ.
(2) قابيلُ وهابيلُ يموتانِ معاً.. ثمَّ يقومان — هابيلُ قمْ.. هذا المزاحُ يُخيفني
أنا ذاهبٌ كي أغسلَ الحجرَ الملطَّخَ في الغديرْ — رمِّمْ عظامَكَ واستقمْ.. لا تُلقِ فوقَ التلِّ ذنباً ثانياً
فأبوكَ خلفَ التلِّ يندُبُ هِجرتَهْ — ويخافُ من هِجراتِ أسرابِ الطيورْ
تباً لتاريخِ الذنوبِ يحومُ في شيبِ العجوزْ — قمْ يا أخي.. أتحبُّ أن نرِثَ الذنوبْ؟!
إنَّ الغرابَ يقولُ إنكَ ميتٌ ويحثُّني كي أدفنَكْ — لتدومَ رائحة الدماءِ على التلالِ ولا تغيبْ.
هي وحدَها الغِربانُ تقتلُ بعضَها.. أما أنا.. لا أقتلُك — هي وحدَها الأشجارُ تدفنُ بِذرَها.. أما أنا.. لا أدفنُك
هي وحدَها الأشياءُ تهجرُ بعضَها.. أما عيونُكَ يا أخي أنأى بها أن تهجرَكْ — أنا لم أُرِدْ إلا عطوراً في يديكَ ترشُّها فوقَ الكِباشِ لكي يباركَها الإلهْ
لوَّنْتَ كبشَكَ بالعطورِ.. تركتَ كبشيَ دونَ عطرٍ يا أخي — وأردتُ آيتَكَ الجميلةَ كي أرتلَها إذا سجدَ الصباحُ على يدِي
فتلوتَ آياتِ الصباحِ على التلالِ ولم تعلِّمنِ التلاوةَ يا أخي.. — فكأنني وحدي سليلُ الخاطئينَ وأنتَ من نسلِ السماءِ أيا... أخي!!
هابيلُ قمْ.. — حرفانِ مختلفانِ.. لا كلُّ الحروف
آبيلُ نُدعى يا أخي والقافُ هاءٌ قُلقِلَت.. والهاء قافٌ رُقِّقَت — هابيلُ قم.. هذي التلالُ تحبُّنا
لا فرقَ في نظرِ التلالْ.. ما بينَ هائكَ واختبائي خلفَ قاف — آبيلُ تجمعُنا ووجهي مثلُ وجهِكَ فيه وشمُ خطيئةٍ
آبيل تلعننا ووجهي مثلُ وجهِكَ قد تجهَّم للصغار الراقدينَ على بطونهمُو جياعًا، والنساء الوائدات الحبَّ في أحداقِهِنَّ، وشيبةٍ — للأرض لم نحفظ وصاياها، أخي!
آبيلُ تجمعُنا وأمُّكَ والحكاياتُ القديمةُ تحتَ داليةِ البلاد — وأبوكَ هاجرَ حين كنا نُطفتينْ
سجدَتْ له كلُّ الطريقْ.. وبكَتْ عليهْ — قمْ يا أخي!
إنَّ الغرابَ يحثُّني كي أدفنَك.. كي أنحني — سيرفرفُ الوغدُ ابتهاجاً فوقَ تلَّةِ لَهوِنا
ونعيقُهُ سيصدُّ سيرَ الموجِ في شريانِ يافا المهترئْ — إنَّ الغرابَ يحثُّني لأزيلَ بصمتَكَ الطريةَ عن إناءِ فُطورنا
ويريدُني أن أرسمَ الدربَ الطويلَ بلونِ وجهي وحدَهُ — ليزولَ لونُكَ عن بنادقِ دربِنا
إنَّ الغرابَ يريدُني أن أنحني.. كي أدفنَك — فإذا انحنيتُ فسوفَ يغرِسُ نابَهُ في ظهريَ المعقوفِ ثم يُقيمُ عُشاً فوقَهُ
يا ذلَّ موتي فوقَ موتِكَ تحتَ عُشِّ المجرمةْ — قبرٌ على قبرٍ وفوقَ قبورِنا ستقصُّ أظفارُ الغرابِ شريطَ حفلٍ صاخبٍ
ويبيضُ فوقَ قبورِنا رسمًا قبيحًا للحكايةِ، لوحةً كنعانُ فيها شوكةٌ همجيةٌ تُدمي نعالَ العابرين — ويموتُ آدمُ فوقَ ذكرى هجرتِهْ
قمْ يا أخي.. سأموتُ فوقَكَ حين يأكلُكَ الترابْ — آبيلُ هاءٌ قربَ قافْ
آبيلُ نحنُ ولا تقومُ هنا بحرفٍ واحدٍ — قمْ يا أخي..
آبيلُ ليست مقبرة — آبيلُ أجملُ من بقائي واحدًا
آبيلُ أوسعُ من عيوني وحدَها — آبيلُ ألوانٌ بلا حصرٍ وحفلٌ فيه كل الشاربينَ..
وغيمةٌ تهدي المياهَ لكل من عطشوا صلاةً أو فسوقًا، لا تمنُّ على أحدْ! — آبيلُ يا هابيلُ أولُ زرعِنا، ولنا هنالك بندقيةُ والدي
كنا نطاردُ كلَّ غِربانِ السماءِ بطلقةٍ — ونحررُ الغيمَ الوديعَ من الغُرابْ
وننامُ في أُرجوحةٍ بين السَّحابِ وبعضِهِ — ونعودُ في قطْراتِ ماءٍ حين ينزعجُ السَّحابْ
آبيلُ يا وطناً من البَلُّور في رفٍّ تَنَزَّلَ مع أبينا كي تظلَّ بقربِهِ فردَوسُهُ — آبيل أصدقُ ما سمعنا من سرابْ
آبيلُ فاتحةُ الكتابْ — آبيلُ واحتُنا الظليلةُ يومَ يُفتتحُ الحسابْ
سنقيمُ آبيلَ العظيمةَ مرةً أخرى ويفرحُ والدُك — ويموتُ فوقَ قبورِ إخوتِهِ ذليلًا خاسرًا.. وجهُ الغراب.
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الكنيس: الكَنِيسُ : معبد اليهود.
- انتشاء: [ن ش و]. (مصدر اِنْتَشَى). 1."اِنْتِشاءُ الرَّجُلِ": تَرَنُّحُهُ مِن السُّكْرِ". 2."اِنتِشاءُ الرَّائِحَةِ" : شَمُّها.
- بالشقاق: الشُّقاقُ : تَشقُّقُ الجِلدِ من داءٍ أوبَردٍ؛ وَصفَ لَهُ طبيبُ الأمراضِ الجلديّة دواءً شفاهُ من الشقاقِ. -: هو في البيطرة، نَخَرٌ في اللّيفيّة والغُضروفيّة للأجزاء السُّفلى من قوائم الفَرَسَ وقوائم البقرة أحيانًا.
- سفح: سفح: السَّفْحُ: عُرْضُ الْجَبَلِ حَيْثُ يَسْفَحُ فِيهِ الماءُ، وَهُوَ عُرْضُه المضطجِعُ؛ وَقِيلَ: السَّفْح أَصل الْجَبَلِ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْحَضِيضُ الأَسفل، وَالْجَمْعُ سُفوح؛ والسُّفوحُ أَيضاً: الصُّخُورُ اللَّيِّنَةُ ا …