شقيق التل
الشاعر: محمد محمود العكشية · البحر: الطويل
«شقيق التل» من شعر محمد محمود العكشية، وتقع في 31 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أنا في التلِّ قبلَ الخلقِ كلِّهِمِ.. — وكان التلُّ منفرداً بلا صحبٍ ولا إخوانْ.
وأمُّ التلِّ والدتي — وهذا التلُّ يصغرني بعشرِ كهوفٍ انسدَّتْ..
وكان ينامُ فوق يديَّ مرتعشًا.. — ويخشى من هزيمِ الرعدِ والأسطورةِ السوداءِ والغيلانْ.
هنالك أمُّنا صلَّتْ.. — ولم تركعْ ولم تسجُدْ
وكانَ اللهُ ألهمَها تصلي مثلَ زيتونةْ — وتسجُدُ قطرةً قطرةْ.. كسَربِ غمامْ.
وأمي مرةً صنَعَتْ شعاعَ الشمسِ من رملٍ — وغنَّتْ دون شفتينِ..
وحاكت من جدائلِها لنا شُطآنْ — ومن وديانِ كفَّيْها رَمَت في أرضنا وديانْ
وصاغت شِعرها الوطنيَّ حينَ التلُّ ثارَ وصارَ جبليًا — وبعدَ بلوغه غنت له أمي قصيدتنا..
على وترين من جلدٍ ودفٍّ من زفيرِ الغيمِ قربَ جليلِنا الأعلى. — فقال شقيقيَ التلُّ: عظيني أميَ الكبرى
فقالت: تبصرُ الدنيا كما خُلقَت.. — ففيك خلودُ هذي الأرض..
أهلُ الخلد سوف يرَوْنَ كيفَ الموتُ يجترُّ — وينْفُقُ ثم يجترُّ..
وينفُقُ ثم يجترُّ.. — ستفقِدُ لذَّةَ الخُلدِ.. إذا بانت لك الدنيا كما خُلقَت
أخوك سيرسلُ الأشعارَ في نهرٍ من الأجيالِ.. — فاتلُ الشعرَ حين تملُّ من تكرارِ شكلِ الغيمِ فوق الكرملِ الأعظم.
هنالك أمُّنا صارت كثيبًا نائمًا حولي — ومتُّ أنا بكفِّ التلِّ
نسلي بضعُ أطفالٍ.. — وعُشُّ قصائدَ استلقى على كهفٍ من الصوانْ
وعاد التلُّ منفرداً.. بلا صحبٍ ولا إخوان! — هنالك ضمت الدنيا عباءتَها..
وصلى آدمُ العطسة.. — وفوقَ التلِّ ألقى اللهُ ما ألقى
فكانَ الكونُ والإنسانْ. — هنالك أمُّنا عادت..
تغطي جسمَها الشرقيَّ كوفيَّة — وتحملُ بضعَ شهداءٍ ومِئذنةً وأحجارًا سماوية
وترسلُ صُرةً من ذاكَ للجيرانْ — وتصنعُ من مزيجِ الصمتِ والجبروتِ قُبَّتَنا..
وتخبرُ من أقاموا حولَ قريتِنا.. — بأنَّ القُبَّةَ السوداءَ دارُ اللهِ في أرضي
وأنَّ الأرضَ مُلكُ اللهِ.. — أورَثَها لهذا التلِّ والأحفادِ مَن حملوا ملامحَنا
فكيف تنامُ يا ابنَ الليلِ فوقَ التلِّ دونَ ملامحِ التلِّ؟ — وكيف تنامُ قربَ القُبَّةِ السوداءْ..
وكنتَ فتحتَ قبلَ الكلِّ ما أهدته لكَ أمي؟ — وكنتَ أكلتَ نورَ الأمِّ.. كلُّ العارِ أن تأكلْ..
فهذا النورُ يا ابنَ الجهلِ يُستنشقْ.. ولا يُؤكلْ.. — وكيف أتيتَ فوقَ البحرِ والأمواجُ تحرُسُنا؟
أخانَتْ عهدَنا البحريَّ أم فقدَتْ ملوحَتَنا فلم تشعرْ بِحَرِّ الجُرحِ حين بصدرِها أوغلْ. — وكيف ترابُنا الذهبيُّ أوصلَ نعلَكَ الغازي.. ولم يخجلْ؟
وكيف نبشتَ كثباناً بها أمي.. ولم تُقْتلْ؟! — وكيف حصانُنا العربيُّ بيعَ كخمرِكَ الحمرا.. ولم يصهلْ؟!
وكيف تقولُ إنك صاحبُ التلِّ؟ ولم تشهدْ طفولتَهُ.. — ولم تبصرْ بلوغَ التلِّ سنَّ الرعشةِ الأولى ليغدوَ بعدها جبلاً..
وكان بهذه الرعشاتِ يَفزعُ ثم يتكوَّرْ.. — كمثلِ تحدُّبِ المِنجلْ
فأحضُنُهُ وأُخبرُه بأنَّ حقائقَ الأجسادِ لا تُخجِلْ — فلملمْ يا دعيَّ التلِّ ما تروي عن الدنيا
فإنكَ تجهلُ الدنيا وأعرفُ ضِعفَ ما تجهلْ.
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بعشر: عشر: العَشَرة: أَول العُقود. والعَشْر: عَدَدُ الْمُؤَنَّثِ، والعَشَرةُ: عَدَدُ الْمُذَكَّرِ. تَقُولُ: عَشْرُ نِسْوة وعَشَرةُ رِجَالٍ، فإِذا جاوَزْتَ العِشْرين اسْتَوَى الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَقُلْتَ: عِشْرون رَجُلً …
- تصلي: تَصَلَّى يَتَصَلَّى تَصَلَّ تَصَلِّيًا [صلو وصلي]: - النارَ وبها؛ اصطلى بها، أي استدفأَ أو قاسى حرّها.