المجد
الشاعر: فلاح محمد كنة · البحر: الكامل
«المجد» من شعر فلاح محمد كنة، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
المجدُ مِن رَحِمِ المواجِعِ يولدُ ... وسيوفُهُ بنجيعِها تتغمّدُ
لا يُشترى العزُّ الكريمُ على الغنى ... لكنَّما عزُّ الطباعِ يُخلّدُ
مَن عاشَ في كَنَفِ التدلُّلِ يرتمي ... عندَ الّلقاءِ بصمتِهِ يتوسَّدُ
لن تُطفِئَ الشمسَ المُضيئةَ غيمةٌ ... و يُهاجرَ الصبحَ البهيَّ تجدُّدُ
طَمَعُ النّفوسِ مع المكارِهِ بيِّنٌ ... غدرًا تراهُ و موثقًا يتبدَّدُ
هيَ هذهِ الدنيا الكرامَ تذلُّهم ... و تُعِزُّ مَن هُوَ للرذيلةِ مَعبَدُ
روحٌ يُصارعُها العُلوُّ مهابةً ... فالأرضَ تسكنُ والسماءَ تُقلّدُ
إنّا الحضارةَ - مِن قديمٍ ... خَلقُنا ... فبدونِنا ليست تُعزُّ وتُحمَدُ
ما خلّدّ الإرثَ الدعيُّ وضاعةً ... إلاّ وضاعَ على الغرورِ السؤددُ
مَنْ يسكن التاريخُ قلبَ فؤادِهِ ... ببَصيرةٍ يحيا ويحميهِ الغدُ
لسنا كرامًا إنْ تلينُ جلودُنا ... عندَ النوازلِ يَستبينُ السيِّدُ
أو نستلذَّ على المكارِهِ دوحةً ... فرقابُنا ليست تميلُ وتَعبُدُ
لكنّها الأيّامُ تجري دُولَةً ... فكريمُها بعزيزِها يسترشدُ
مهما الحوادثُ يستطيلُ ظلامُها ... فضمائرٌ بلهيبها تتجدّدُ
نيرانُها ألَمٌ شرارتُها شفًا ... تجتثُّ مِن دنَسِ الزمانِ و تحصدُ
فتنٌ تموجُ كموجِ بحرٍ هائجٍ ... تغشى بلادَ الزاهدينَ وتزبُدُ
حتّى السنينُ مع السنينِ تعثَّرتْ ... بدمائنا و الماردونَ تمرَّدوا
والناسكونَ على البسيطةِ مِنبَرٌ ... للنّورِ ما قُتِلوا و ما هُمْ شُرِّدوا
الحاملونَ على الأكُفِّ دماءَهُم ... الصّابرونَ و صبرُهُمْ يتوقَّدُ
ما أنصَفَ الآمالَ إلاّ غايةٌ ... هِمَمُ النفوسِ إذا استثيرَتْ ترعُدُ
لا يوقِفُ الزحفَ المُقدّسَ ثُلَّةٌ ... قد أَفسدتْ ببلادِنا تتفرّدُ
أو تَهزِمُ الشعبَ الأبيَّ زلازلٌ ... فجموعُنا في شدَّةٍ تتوَحَّدُ
نحنُ المكارهُ للعِدى إنْ مسَّنا ... منهُم أذىً أو جاءَنا يتصيَّدُ
بعقيدةٍ سمحاءَ يُبسَطُ عَدلُنا ... و سلامُ أهلِ الأرضِ فينا يُعقَدُ
مَنْ علّمَ الّلسنَ المريضَ فصاحةً ... لثغًا بهِ وبهِ المحامدُ تَفسُدُ
قد ينطِقُ الحرفُ المسِنُّ صبابَةً ... حِكَمًا يظّنُّ بأنَّ فيها يَرشِدُ
أو يستلَذُّ مع القريضِ دعابةً ... زعمًا بأنَّ قريضَهُ المتجدِّدُ
دعْ للقصائدِ أهلَها فنبوغُهمْ ... طبعٌ بهمْ وهُمُ الّذينَ توقّدوا
فإليهُمُ الشعرُ المُؤَصَّلُ ينتهي ... بلغوا السِّماكَ تواضُعًا وتفرَّدوا
خرقوا العصورَ بشعرِهِمْ, و شعورُهم ... في أعصُرِ الآتينَ حيثُ يُخلَّدُ
قد أنطقوا الصخرَ الصموتَ توجُّعا ... لمّا رآهُم بالهمومِ تلبّدوا
أوطانُهُم أمْنٌ يُطمئِنُ روحَهُم ... لا بُقعةُ الأرضِ الّتي قد وُطِّدوا
و سلاحُهمْ لُغةٌ مخالِبُها الرّدى ... وبِها الحروفُ خناجِرٌ لا تُغمَدُ
و جروحُها ظلّتْ تنزُّ دماءَها ... بين العصورِ كأنّها لا تَخلُدُ
و دموعُهُم عندَ الفِراقِ سحائِبٌ ... تروي البحارَ فأنهُرٌ تتنهّدُ
ملأوا قلوبَ العاشقينَ صبابةً ... و حنينُهُم و لكلِّ مُغتَرِبٍ يدُ
نقَشَتْ سطورَ الدهرِ أحرُفُهم فهُم ... تاريخُنا المُتأصِّلُ المُتَجدِّدُ
مِن غابِرٍ يلقى المَلامَ مُفاخِرٌ ... بالفعلِ لا بالقولِ يُطلبُ سؤددُ
المجدُ يعرفُهُ الكرامُ شجاعةً ... تسعى إلى طلبِ العُلى تتودّدُ
لا العيشُ في ظلِّ الظلالِ تخوّفًا ... وبناءُ صرحٍ بالمذلّةِ يُعقدُ
ترفُ النّفوسِ يُميتُ كلَّ طموحِها ... و هوانُها للمالِ تجمعُ تعبُدُ
الناسُ في هذا الزمانِ مُنافِقٌ ... و مُهادنٌ أو خائفٌ يتردّدُ
أو غارقٌ في الّلهوِ يرفضُ يقظةً ... تُنجيهِ مِنْ خورٍ يعُمُّ يُعربِدُ
الكلُّ قد ضاقتْ بهِ الدّنيا و لا ... يقوى على ردعِ المَفاسِدِ يجلُدُ
تجِدُ العزيزَ بصمتِهِ مُتهالِكٌ ... يخشى اتِّهامًا كاذبًا يتهدّدُ
والعدلُ يُهزمُ و المظالمُ تشتكي ... من جورِ أشياعٍ لنا قد أفسدوا
وطنٌ يُضاجِعُ قبرَهُ في عزَّةٍ ... و يُشاعُ أنَّ الموتَ عنهُ يُندِّدُ
تبقى عظيمًا تفتديكَ أشاوسٌ ... وكذا الحضارةُ بالدماءِ تُخلّدُ
تُبنى الحضارةُ بالعقولِ و همَّةٍ ... تمتدُّ مِن روحِ الشبابِ تُشيَّدُ
فهُمُ المعاولُ للبناءِ و أسَّهُ ... إنْ أخلصوا قاداتُهم أو هُمْ هُدوا
أنا إنْ كَويتُكِ يا بلادي فالهوى ... أحلاهُ في جمرِ الجوى يتوقَّدُ
آسيتُ جُرحَكِ رغمَ طولِ نزيفِها ... و برغمِ مَن هدمَوا الديارَ و عربدوا
يسري بروحِ الصابرينَ توهُّجٌ ... سيضيئُ يومًا كالشموسِ الموعدُ
النارُ يحرُقُها الّلهيبُ و جمرُها ... مِن غضبةِ الشعبِ المكافِحِ يولدُ
يأتي زمانٌ فيهِ تنبتُ نخلةٌ ... و ثمارُها مجدٌ عصيٌّ مُفردُ
خيرٌ يعُمُّ سحابُهُ و تسابقٌ ... نحو الشموخِ و شعلةٌ لا تركدُ
إنّا وُعدنا بالنعيمِ و خيرِهِ ... و الوعدُ ما صدقَ الأمينُ محمّدُ
لا الشامُ لا أرضُ الحجازِ سخيَّةٌ ... و الخيرُ في يمنِ النعيمِ يجرَّدُ
لا ينضُبُ الخيرُ الكثيرُ بأرضِنا ... وطنُ الخليلِ و حِلمُهُ المُتورِّدُ
فقلوبُنا ملآنةٌ كسمائنا ... دفءً يَعُمُّ و طيبةٌ تتجسّدُ
فالمجدُ يعرفُ أنَّنا مِن صُلبِهِ ... و لنا المناقِبُ و المنائرُ تُنضدُ
بالحِلمِ نبني بالتواضِعِ نرتقي ... و بنا المحامدُ تُنتَقى و تُسدَّدُ
فالحمدُ للهِ الّذي وهبَ الحِجا ... مُتزيّنا كالنورِ فيكَ يُعمّدُ
فسلامُنا للأرضِ مهدُ حضارةٍ ... وسماؤنا للعالمينَ تُعَبَّدُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- البهي: (بَهَيَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خُلُوُّ الشَّيْءِ وَتَعَطُّلُهُ. يُقَالُ بَيْتٌ بَاهٍ إِذَا كَانَ خَالِيًا لَا شَيْءَ فِيهِ. وَيَقُولُونَ: " الْمِعْزَى تُبْهِي وَلَا تُبْنِي " وَذَلِكَ أَنّ … (مقاييس اللغة)
- التدلل: دلل: أَدَلَّ عَلَيْهِ وتَدَلَّلَ: انْبَسَطَ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَدَلَّ عَلَيْهِ وَثِق بِمَحَبَّتِهِ فأَفْرَط عَلَيْهِ. وَفِي الْمَثَلِ: أَدَلَّ فأَمَلَّ، وَالِاسْمُ الدَّالَّة. وَفِي الْحَدِيثِ: يَمْشِي عَلَى الصِّ … (لسان العرب)
- الطباع: طبع: الطبْعُ والطَّبِيعةُ: الخَلِيقةُ والسَّجيّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا الإِنسان. والطِّباعُ: كالطَّبِيعةِ، مُؤَنثة؛ وَقَالَ أَبو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ: الطِّباعُ واحدٌ مُذَكَّرٌ كالنِّحاسِ والنِّجارِ، قَالَ الأَز … (لسان العرب)
- العلو: (عَلَوَ) الْعَيْنُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ يَاءً كَانَ أَوْ وَاوًا أَوْ أَلِفًا، أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّمُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَلَاءُ وَالْعُلُوُّ. وَيَ … (مقاييس اللغة)
- المكاره: كره: الأَزهري: ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الكَرْهَ والكُرْهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، فَرُوِيَ عَنْ أَحمد بْنِ يَحْيَى أَنه قَالَ قرأَ نَافِ … (لسان العرب)
- المواجع: وجع: الوَجَع: اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ مَرَضٍ مُؤْلِمٍ، وَالْجَمْعُ أَوْجاعٌ، وَقَدْ وَجِعَ فُلَانٌ يَوْجَعُ ويَيْجَعُ وياجَعُ، فَهُوَ وجِعٌ، مِنْ قَوْمٍ وَجْعَى ووَجاعَى ووَجِعِينَ ووِجاعٍ وأَوجاعٍ، ونِسْوةٌ وَجاعى ووَجِعات … (لسان العرب)
- بصمته: صمت: صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتاً وصُمْتاً[[. قوله [صمتاً وصمتاً] الأَول بفتح فسكون متفق عليه. والثاني بضم فسكون بضبط الأَصل والمحكم. وأَهمله المجد وغيره. قال الشارح: والضم نقله ابن منظور في اللسان وعياض في المشارق.]] وصُمُوت … (لسان العرب)
- بنجيعها: نجع: النُّجْعةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: المَذْهَبُ فِي طلَبِ الكلإِ فِي مَوْضِعِهِ. والبادِيةُ تُحْضَرُ مَحاضِرُها عِنْدَ هَيْجِ العُشْبِ ونَقْصِ الخُرَفِ وفَناءِ مَاءُ السَّمَاءِ فِي الغُدْرانِ، فَلَا يَزَالُونَ حَاضِرَةً يَش … (لسان العرب)