فيروزيات

الشاعر: محمد علي اليوسفي · البحر: المديد

«فيروزيات» من شعر محمد علي اليوسفي، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

فيروزيات — محمد علي اليوسفي

فيروز (1) — في دوْرةِ العمر يجئ صوتُها التفاتةً مبلولةً بالوقت والحنينْ

في بَرْزَخٍ توطِّن الأعمارَº ما بين الهدير والسكونْ — تُلْبِسُنا حريرَها الملائكيَّ حليةً، كأنما نكونُ حين لا نكون

تتركنا نختار في مفترقٍ : — نحتار بين الموت والجنون.

فيروز(2) — كنَّا كبارًا ثم جئناكِ بُعيْدَ أن سبقناكِ: »كفى! « قلنا » نريد أن نصغر! «

كنا صغارًا في ربيعٍ مقبلٍ دومًا، مقيمٍ، وله حدودُ فصلٍ واضحٍ أكثر. — وأنتِ، من أنتِ، سوى أُخَيَّةٍ كبرىº تركْنا صوتَها وراءنا،

وعندما عدنا إليه اهتزَّ فينا نصفُ ماضينا، وقال إننا نكبر؟ — فيروز(3)

بالوزن، أو بقوة الإيقاع، كي تنظِّمَ الإسرافَ في ممالك الشَّجرْ — تغرقنا، بالشِّعر أو بالنثر، في دوَّامةٍ، تستكشف النَّجاةَ في مكامن الخطرْ

فيروز(4) — لا تقربنَّ صوتَها وأنت في المابينْ

إذا جفاك الحبُّ في نيسانَ، — فيما أنت مملوء به،

لا تقربنَّ لحظةً تُخويك مرَّتينْ — وقارع الخواء بالسكوتْ

لا ترفعنَّ صوتها وقت انتحاب القلب، — بل دَعْهُ خفيضًا قرب مزهريَّةِ الورود حتى لا تموتْ

لا تغفلنَّ السرَّ في هشاشةٍ، — تجعلها مقبلة بين الحُميَّا والشَّجنْ

فيروزُها في صمتها: — حنجرةٌ يجرحها الزَّمن.

فيروز (5) — عندما تسكت الشَّمسُ أو… عندما سكتتْ،

قدَّمت زيتَها وقناديلَها هبةً للقمرْ — همست في نهاراتنا بظلال الصورْ

عندما تسكت الريح أو... عندما سكتتْ، — نطقت بصدًى مختلفْ

جاءها ليحاورَها السَّروُ، سرًّا، — وغادرها، كي يفاجئَها المنعطفْ

عندما همست بمياه الينابيع أنْ: — ـ تابعي ! فأنا أنتِ

حاورتِ الصَّمتَ إذ دندنتْ. — صرختْ بذرةٌ في حرير السُّكوتِ،

تمدَّدَ بُرعمها... والنجوم دنتْ — لن تكفَّ الصغيرةُ عن همسها تحت شمسيَّةٍ،

بلَّلتْ موعدًا تحت رشْق المطرْ — انحنت للذين سيأتون بعد خريفٍ بعيد،

يغنّون للحبِّ في الصيف، — أو يتلاشون رمَّانةً،

تتشكَّل من شهقة الجُلَّنَارِ، — تكوِّرُها شهوةٌ للثمَرْ

عندما سكتَتْ نطقت للأبدْ — أيْ: كما لم يغنِّ أحدْ

صُغتُ من صمتها في دمي دورةً، — طفلةً ـ بعدُ تقضم لثغتها،

ثم لا تنتهي في زمان الجسدْ — فيروز(6)

أحْبَبْنا حبًّا في الصيف فدَفِئْنا في الشتاء. — افْتَرَشْنا معها الربيعَ ففاجأتْنا بأَلفِ ثمرةٍ،

لها مذاقٌ لا نراه، — تهوي منْ أشجار الخريف.

فيروز ( 7 ) — لكيْ أدخلَ الخريفَ منْ بوَّابَةٍ أخرى،

تركْتُ منقلَبًا أوَّلَº — سمَّيْتُهُ أكتوبر.

وسمَّيْتُ المُنْقَلَبَ الثاني تشرين. — أبدًا لم يوحِ لي الاسمُ الأوَّل بأوراق أيلول.

فيروز( 8 ) — لأيلولَ ثلاثونَ غمَّازةًº

ناداني بواحدةٍ آسرة. — وللخريف تسعونَ سُمَّانةًº

حباني، في الثُّلثِ الأوَّلِ، بواحدةٍ لاحمة. — غمَّازةُ الخريفِ، هذا العام،

لم تكن سُمَّانةً — حتى يكونَ صمْتُها مرْآتيº

سُمَّانةُ الخريفِ، هذا العام، — فاتنةٌ زنجيَّة،

أَخْرَجَتْ ليلي إلى مِرْآتها — وناولَتْني ضوءَها

في سلَّةٍ سوداء. — موسيقى

كما تتلاشى هذه الموسيقى — أمُدُّ يدي إلى ما يتلاشى:

أمكنة ووجوه، زَجَّجَها الوقتُ وجمَّلَها الحنين. — ماذا يبقى من الموسيقى

إذْ تتدفَّقُ شفيفةً في تعاقُبٍ خفيف، — ساكنةً نغماتِها،

محْتفيَةً بذاتها، — هاجرةً قيودَ المعنى،

كيْ تطْفُوَ على سطح اللحظة، — وتُجاوِرَ سُيُولَةً في المطلق

تخاتلُها فلا تدوم، — محرِّكةً ما كان فينا، أبدًا لا... ما يكون؟

ماذا يبقى من الموسيقى — عندما تنتهي إلى الصمت

فنمدُّ إلى الغياب يدًا — ونمسح شيئًا ما، فينا،

كمَنْ يخرجُ من غابةٍ — بروائحَ متداخلةٍ

ونسيجٍ على الشَّعْر — وصُوَرٍ خضراء؟

ماذا يبقى من الموسيقى، — ماذا يبقى أيّها العُمْرُ، ماذا يبقى

فيروز دائمًا — يكون قد هَمَى علينا وابلٌº

تقودنا تحت ستائر السَّحابِ مثل عاشقيْنْ — يكون ثلجٌ قاتلٌº

ترفعنا عن برْدِهِ، بجمرةٍ أو جمرتيْنْ — يكون قد أتى علينا عطشٌº

تجدل من أشعَّة الياقوتِ كأسًا، — من غمام الصَّيفِ ثلجتيْنْ

يكون قتلٌ بينناº — تُسْكِنُنَا في صحوة الدِّمَاء بين الأخويْنْ

يكون بعدَ كلِّ رَفَّةٍº — مشى على خطانا زمنٌº

تردُّنا إلى — خطًى

مشيناها...

البحر والقافية

القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الهدير: [هـ د ر]. (مصدر هَدَرَ). 1."هَدِيرُ الْحَمَامِ" : تَرْدِيدُ صَوْتِهِ فِي حَنْجَرَتِهِ. 2."هَدِيرُ الرَّعْدِ" : دَوِيُّهُ. "سَمِعْتُ مِنْ بَعِيدٍ هَدِيرَ سَيَّارَةٍ قَادِمَةٍ". (جبرا إبراهيم جبرا).
  • اليوسفي: (نبات). : فَاكِهَةٌ مِنْ فَصِيلَةِ السَّذَابِيَّاتِ يُشْبِهُ فِي تَرْكِيبِهِ وَمَذَاقِهِ الْبُرْتُقَالَ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، حُلْوٌ وَمُعَطَّرٌ.
  • بالوقت: وقت: الوَقْتُ: مقدارٌ مِنَ الزمانِ، وكلُّ شَيْءٍ قَدَّرْتَ لَهُ حِيناً، فَهُوَ مُؤَقَّتٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَدَّرْتَ غايتَه، فَهُوَ مُؤَقَّتٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الوَقْتُ مِقْدَارٌ مِنَ الدَّهْرِ مَعْرُوفٌ، وأَكثر مَا يُستعمل …
  • برزخ: برزخ: البَرْزَخُ: مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. والبَرْزَخُ: مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَبْلَ الْحَشْرِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ إِلى الْبَعْثِ، فَمَنْ مَاتَ فَقَدْ …
  • تركنا: ترك: التَّرْكُ: وَدْعُك الشَّيْءَ، تَركه يَتْرُكه تَرْكاً واتَّرَكه. وتَرَكْتُ الشيءَ تَرْكاً: خَلَّيْتُهُ. وتارَكْتُه الْبَيْعَ مُتارَكَةً. وتَراكِ: بِمَعْنَى اتْرُك، وَهُوَ اسْمٌ لِفِعْلِ الأَمر؛ قَالَ طُفَيْلُ بْنُ يَ …
  • تلبسنا: تَلَبَّسَ يَتَلَبَّسُ تَلَبُّسـاَ :- بـالثــوب: ارتــداه.- به الأمــرُ: تعلَّق به واختلط؛ تلبّس حُبُّها بدمه/ ذهب من الدُّنيــا ولم يتلبّس منهــا بشيء، أي لم يتعلّق به شيءُ منها / التَّلَبُّسُ بالجرمٍ يعني الأخذ بالجرم ا …

قصائد ذات صلة

  • حكاية بستانيّ
  • في ربيع بعيد
  • ربيع الأمكنة
  • صديق أيقظني من ليلتي فجرًا
  • أبريل في الحديقة
  • ثم تأتي سنونوة
  • صورة الفنَّان في شبابه (2)
  • حافة الأرض