إن الذي سمك السماء بنى لنا

الشاعر: الفرزدق · البحر: الكامل

«إن الذي سمك السماء بنى لنا» من شعر الفرزدق، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إنّ الذي سَمَكَ السّماءَ بَنى لَنَا — بَيْتاً، دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأطْوَلُ

بَيْتاً بَنَاهُ لَنَا المَلِيكُ، ومَا بَنى — حَكَمُ السّمَاءِ، فإنّهُ لا يُنْقَلُ

بَيْتاً زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ، — وَمُجاشِعٌ وَأبُو الفَوَارِسِ نَهْشَلُ

يَلِجُونَ بَيتَ مُجاشعٍ، وَإذا احتبوْا — بزُوا كَأنّهُمُ الجِبَالُ المُثّلُ

لا يَحْتَبي بِفِنَاءِ بَيْتِكَ مثْلُهُمْ — أبداً، إذا عُدّ الفَعَالُ الأفْضَلُ

مِنْ عِزِّهمْ جَحَرَتْ كُلَيبٌ بَيتَها — زَرْباً، كَأنّهُمُ لَدَيْهِ القُمّلُ

ضَرَبتْ عَليكَ العنكَبوتُ بنَسْجِها، — وَقَضَى عَلَيكَ بهِ الكِتابُ المُنْزلُ

أينَ الّذِينَ بِهمْ تُسَامي دارماً، — أمْ مَنّ إلى سَلَفَيْ طُهَيّةَ تَجعَلُ

يَمْشُونَ في حَلَقِ الحَديدِ كما مَشتْ — جُرْبُ الجِمالِ بها الكُحَيلُ المُشعَلُ

وَالمانِعُونَ، إذا النّساءُ تَرَادَفَتْ، — حَذَرَ السِّبَاءِ جِمَالُهَا لا تُرْحَلُ

يَحمي، إذا اختُرِطَ السّيوفُ، نِساءنا — ضَرْبٌ تَخِرّ لَهُ السّوَاعِدُ أرْعَلُ

وَمُعَصَّبٍ بِالتّاجِ يَخْفِقُ فَوْقَهُ — خِرَقُ المُلُوكِ لَهُ خَميسٌ جَحفلُ

مَلِكٌ تَسُوقُ لَهُ الرّمَاحَ أكُفُّنَا، — مِنْهُ نَعُلّ صُدُورَهُنّ وَنُنْهِلُ

قَدْ مَاتَ في أسَلاتِنَا، أوْ عَضَّهُ — عَضْبٌ بِرَوْنَقِهِ المُلُوكُ تُقَتَّلُ

وَلَنا قُرَاسِيَةٌ تَظَلّ خَوَاضِعاً — مِنْهُ، مَخافَتَهُ، القُرُومُ البُزّلُ

مُتَخَمِّطٌ قَطِمٌ لَهُ عَادِيّةٌ فيها — الفَرَاقِدُ وَالسِّماكُ الأعْزَلُ

ضَخمُ المَناكِبِ تحتَ شَجْرِ شؤونِهِ — نابٌ إذا ضَغَمَ الفُحْولَةَ مِقْصَلُ

وَإذا دَعَوْتُ بَني فُقَيْمٍ جَاءَني — مَجْرٌ، لَهُ العدَدُ الذي لا يُعدَلُ

وَإذا الرّبائِعُ جَاءَني دُفّاعُهَا — مَوْجاً، كَأنّهُمُ الجَرَادُ المُرْسَلُ

هذا وفي عَدَوِيّتي جُرْثُومَةٌ، — صَعْبٌ مَناكِبُها، نِيافٌ، عَيطَلُ

وإذا البَرَاجِمُ بالقُرُومِ تخاطَرُوا — حَوْلي، بأغْلَبَ عِزُّهُ لا يُنْزَلُ

وإذا بَذَخْتُ وَرَايَتي يَمْشِي بهَا — سُفيانُ أو عُدُسُ الفَعالِ وَجَندَلُ

الأكْثَروُنَ إذا يُعَدّ حَصَاهُمُ، — والأكْرَمُونَ إذا يُعَدّ الأوّلُ

وَزَحَلْتَ عَن عَتَبِ الطّرِيقِ، وَلم تجدْ — قَدَماكَ حَيثُ تَقُومُ، سُدَّ المَنقَلُ

إنّ الزّحَامَ لغَيرِكُمْ، فَتَحَيّنُوا — وِرْدَ العَشِيّ، إلَيْهِ يَخْلُو المَنهَلُ

حُلَلُ المُلُوكِ لِبَاسُنَا في أهْلِنَا، — وَالسّابِغَاتِ إلى الوَغَى نَتَسَرْبَلُ

أحْلامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً، — وَتَخَالُنَا جِنّاً، إذا مَا نَجْهَلُ

فادْفَعْ بكَفّكَ، إنْ أرَدْتَ بِنَاءنا، — ثَهْلانَ ذا الهَضَباتِ هل يَتَحَلحلُ

وأنَا ابنُ حَنظَلَةَ الأغَرُّ، وَإنّني — في آلِ ضَبّةَ، لَلْمُعَمُّ المُخْوَلُ

فَرْعانِ قَدْ بَلَغَ السّماءَ ذُراهُماº — وَإلَيهِما مِنْ كلّ خَوْفٍ يُعْقَلُ

فَلَئِنْ فَخَرْتُ بِهمْ لِمثْلِ قَديِمِهِم — أعْلُوا الحُزُونَ بِهِ وَلا أتَسَهّلُ

زَيْدُ الفَوارِسِ وَابنُ زَيْدٍ منهُمُ، — وأبُو قَبِيصَةَ وَالرّئيسُ الأوّلُ

أوْصَى عَشِيّةَ حِينَ فَارَقَ رَهْطَه، — عندَ الشّهادَةِ وَالصّحيفَةِ، دَغفَلُ

إنّ ابنَ ضَبّةَ كانَ خَيراً وَالِداً، — وَأتَمُّ في حَسَبِ الكهرَامِ وأفضَلُ

مِمّنْ يَكُونُ بَنُو كُلَيْبٍ رَهْطَهُ، — أوْ مَنْ يَكُونُ إلَيْهِمُ يَتَخَوّلُ

وَهُمُ على ابنِ مُزَيْقِيَاءَ تَنَازَلُوا، — والخَيلُ بَينَ عَجاجَتَيها القَسطَلُ

وَهُمُ الذينَ على الأمِيلِ تَدارَكُوا — نَعَماً يُشَلُّ إلى الرّئيسِ وَيُعكَلُ

وَمُحْرِّقاً صَفَدُوا إلَيْهِ يَمِينَهُ، — بِصِفادَ مُقْتَسَرٍ، أخُوهُ مُكَبَّلُ

مَلِكَانِ يَوْمَ بزَاخَةٍ قَتَلُوهُمَا، — وَكِلاهُمَا تَاجٌ عَلَيْهِ مُكَلَّلُ

وَهُمُ الذِينَ عَلَوْا عَمَارَةَ ضَرْبَةً — فَوْهَاءَ، فَوْقَ شُؤونِهِ لا تُوصَلُ

وَهُمُ، إذا اقتَسَمَ الأكابِرُ، رَدَّهُمْ — وَافٍ لضَبّةَ، وَالرّكَابُ تُشَلَّلُ

جَارٌ، إذا غَدَرَ اللّئَامُ، وَفَى بِهِ — حَسَبٌ، وَدَعْوَةُ مَاجِدٍ لا يُخذَلُ

وَعَشِيّةَ الجَمَلِ المُجَلَّلِ ضَارَبُوا — ضَرْباً شُؤونُ فَرَاشِهِ تَتَزَيّلُ

يا ابن المَرَاغَةِ! أيْنَ خَالُكَ؟ — إنّني خالي حُبيشٌ ذو الفَعالِ الأفضَلُ

خالي الذي غَصَبَ المُلُوكَ نُفُوسَهمْ، — وإلَيْهِ كَانَ حِبَاءُ جَفْنَةَ يُنْقَلُ

إنّا لَنَضرِبُ رَأسَ كُلّ قَبِيلَةٍ، — وأَبُوكَ خَلْفَ أتَانِهِ يَتَقَمّلُ

وَشُغِلتَ عن حَسبِ الكِرَامِ وَما بَنَواº — إنّ اللّئيمِ عَنِ المَكَارِمِ يُشْغَلُ

إنّ الّتي فُقِئَتْ بِهَا أبْصَارُكُمْ، — وَهي التي دَمَغَتْ أباكَ، الفَيصَلُ

وَهَبَ القَصَائدَ لي النّوابغُ، إذْ مَضَوْا، — وَأبُو يَزِيدَ وَذو القُرُوحِ وَجَرْوَلُ

وَالفَحْلُ عَلقَمَةُ الذي كانَتْ لَهُ — حُلَلُ المُلُوكِ كَلامُهُ لا يُنحَلُ

وَأخو بَني قَيْسٍ، وَهُنّ قَتَلْنَهُ، — وَمُهَلْهِلُ الشّعَرَاءِ ذاكَ الأوّلُ

وَالأعْشَيانِ، كِلاهُمَا، وَمُرَقِّشٌ، — وَأخُو قُضَاعَةَ قَوْلُهُ يُتَمَثّلُ

وَأخُو بَني أسَدٍ عَبِيدٌ، إذْ مَضَى، — وَأبُو دُؤادٍ قَوْلُهُ يُتَنَحّلُ

وَابْنَا أبي سُلْمَى زُهَيْرٌ وَابْنُهُ، — وَابنُ الفُرَيعَةِ حِينَ جَدّ المِقْوَلُ

وَالجَعْفَرِيُّ، وَكَانَ بِشْرٌ قَبْلَهُ، — لي من قَصائِدِهِ الكِتابُ المُجمَلُ

وَلَقَدْ وَرِثْتُ لآلِ أوْسٍ مَنْطِقاً، — كَالسّمّ خالَطَ جانِبَيْهِ الحَنْظَلُ

وَالحارِثيُّ، أخُو الحِمَاسِ، وَرِثْتُهُ — صَدْعاً، كما صَدَعَ الصَّفاةَ المِعْوَلُ

يَصْدَعنَ ضَاحيَةَ الصَّفا عن مَتنِها، — وَلَهُنّ مِنْ جَبَلَيْ عَمايَةَ أثْقَلُ

دَفَعُوا إليّ كِتابَهُنّ وَصِيّةً، — فَوَرِثْتُهُنّ كَأنّهُنّ الجَنْدَلُ

فِيهِنَّ شَارَكَني المُسَاوِرُ بَعْدَهُمْ، — وأخُو هَوَازِنَ وَالشّآمي الأخطَلُ

وَبَنُو غُدانَةَ يُحْلِبُونَ، وَلَمْ يكُنْ — خَيْلي يَقُومُ لها اللّئِيمُ الأعْزَلُ

فَلَيَبْرُكَنْ، يا حِقَّ، إنْ لمْ تَنتهوا — مِنْ مَالِكيَّ على غُدانَةَ كَلكَلُ

إنّ استرَاقَكَ يا جَرِيرُ قَصَائِدِي، — مِثْلُ ادِّعَاءِ سِوَى أبِيكَ تَنَقَّلُ

وابنُ المَرَاغَةِ يَدَّعي مِنْ دارِمٍ، — وَالعَبْدُ غَيرَ أبِيه قَدْ يَتَنَحّلُ

لَيْسَ الكِرامُ بناحِليكَ أبَاهُمُ، — حتى تُرَدّ إلى عَطيّةَ تُعْتَلُ

وَزَعَمْتَ أنّكَ قَدْ رَضِيتَ بما بَنى، — فَاصْبِرْ فما لكَ، عَن أبيكَ، مُحَوَّلُ

وَلَئِنْ رَغِبتَ سوى أبيكَ لتَرْجِعَنْ — عَبْداً إلَيْهِ، كَأنّ أنْفَكَ دُمَّلُ

أزْرَى بجَرْيِكَ أنّ أُمّكَ لمْ تَكُنْ — إلاّ اللّئِيمَ مِنَ الفُحْولَةِ تُفحَلُ

قَبَحَ الإلَهُ مَقَرّةً في بَطْنِهَا، — مِنْهَا خَرَجْتَ وَكُنتَ فيها تُحمَلُ

وإذا بَكَيْتَ على أُمَامَةَ، فاستَمعْ — قَوْلاً يَعُمّ، وَتَارَةً يُتَنَخّلُ

أسألْتَني عنْ حُبْوَتي ما بَالُها، — فياسألْ إلى خَبَرِي وَعَمّا تَسْألُ

فاللّؤمُ يَمْنَعُ مِنْكُمُ أنْ تَحْتَبُواº — والعِزُّ يَمْنَعُ حُبْوَتي لا تُحْلَلُ

والله أثْبَتَهَا، وَعِزٌّ لَمْ يَزَلْ — مُقْعَنْسِساً، وَأبِيك، ما يَتَحوّلُ

جَبَلي أعَزُّ، إذا الحْرُوبُ تكَشّفَتْ، — مِمّا بَنى لَكَ وَالِداكَ وَأفْضَلُ

إني ارْتَفَعْتُ عَلَيْكَ كُلَّ ثَنِيّةٍ، — وَعَلَوْتُ فَوْقَ بَني كُلَيبٍ من عَلُ

هَلاّ سَألْتَ بَني غُدانَةَ ما رَأوْا، — حَيْثُ الأتَانُ إلى عُمُودِكَ تُرْحَلُ

كَسَرَتْ ثَنِيّتَكَ الأتَانُ، فَشاهِدٌ — مِنْها بِفِيكَ مُبَيَّنٌ مُستَقْبَل

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العنكبوت: العَنْكَبُوتُ : جنس دويبات من رتبة العناكب لها أربعة أزواج من الأرجل أنواعها عديدة تسل لعابها خيوطاً تنسجها بيتا لنفسها أو مصائد تصيد بها صغار الحشرات وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْ …
  • القمل: قمل: القَمْل: مَعْرُوفٌ، وَاحِدَتُهُ قَمْلَة؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَوله الصُّؤابُ وَهِيَ بَيْض القَمْل، الْوَاحِدَةُ صُؤابة، وَبَعْدَهَا اللَّزِقة[[. قوله [وبعدها اللزقة] وقوله [ثم الفنضج] كل منهما في الأَصل بهذا الضبط …
  • بزوا: زوأ: رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ الإِيمانَ بَدَأَ غَرِيبًا وسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ. فَطُوبَى للغُرَباءِ، إِذَا فسَد الناسُ[[. قوله [فسد الناس] في التهذيب فسد الزمان.]]، وَالَّذِي نَفْسُ أَبي القاسم …
  • بفناء: فنأ: مالٌ ذُو فَنَإٍ أَي كَثْرة كفَنَعٍ. قَالَ: وأُرَى الْهَمْزَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَيْنِ، وأَنشد أَبو العَلاء بَيْتَ أَبي محْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: وَقَدْ أَجُودُ، وَمَا مَالِي بِذي فَنَإٍ، ... وأَكْتُمُ السِّرَّ، فِيهِ ضَر …
  • بناه: بَنى فلان بيتاً من البُنيان. وبَنى على أهله بِناءً فيهما، أي زفها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ. وكان الاصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله بان. وبنى قصورا، شدد للكثرة. وابْ …
  • بنسجها: نسج: النَّسْجُ: ضَمُّ الشَّيْءِ إِلى الشَّيْءِ، هَذَا هُوَ الأَصلُ. نَسَجه يَنْسِجُه نَسْجاً فانْتَسَجَ ونَسَجت الريحُ الترابَ تَنْسِجُه نَسْجاً: سَحَبَتْ بعضَه إِلى بَعْضٍ. والريحُ تَنْسِج التُّرَابَ إِذا نَسَجت المَوْر …

قصائد ذات صلة

  • سما لك شوق من نوار ودونها
  • أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي
  • عجبتُ لركب فرحتهم مليحة
  • لولا يدا بشر بن مروان لم أبل
  • أوصي تميماً إن قضاعة ساقها
  • وإجانة ريا الشروب كأنها
  • لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه
  • إذا لاقى بنو مروان سلوا