إفادة في محكمة الشعر

الشاعر: نزار قباني · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة وطنية

«إفادة في محكمة الشعر» من شعر نزار قباني، من العصر الحديث، وتقع في 99 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة وطنية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مرحبا يا عراق جئت أغنيك — وبعض من الغناء بكاء

مرحبا مرحبا أتعرف وجها — حفرته الأيام والأنواء

أكل الحب من حشاشة قلبي — والبقايا تقاسمتها النساء

كل أحبابي القدامى نسوني — لا نوار تجيب أو عفراء

فالشفاه المطيبات رماد — وخيام الهوى رماها الهواء

سكن الحزن كالعصافير قلبي — فالأسى خمرة وقلبي الإناء

أنا جرح يمشي على قدميه — وخيولي قد هدها الإعياء

وأنا الحزن من زمان صديقي — وقليل في عصرنا الأصدقاء

مرحبا يا عراق كيف العباءات — وكيف المها وكيف الظباء

مرحبا يا عراق هل نسيتني — بعد طول السنين سامراء

كيف أحبابنا على ضفة النهر — وكيف البساط والندماء

كان عندي هنا أميرة حب — ثم ضاعت أميرتي الحسناء

أين وجه في الأعظمية حلو — لو رأته تغار منه السماء

إنني السندباد مزقه البحر — وعينا حبيبتي الميناء

مضغ الموج مركبي وجبيني — ثقبته العواصف الهوجاء

إن في داخلي عصورا من الحزن — . فهل لي إلى العراق التجاء

وأنا العاشق الكبير ولكن — . ليس تكفي دفاتري الزرقاء

يا حزيران ما الذي فعل الشعر — وماذا أعطى لنا الشعراء

الدواوين في يدينا طروح — والتعابير كلها انشاء

كل يوم نأتي لسوق عكاظ — .. وعلينا العمائم الخضراء

ونهز الرؤوس مثل الدروايش — وبالنار تكتوي سيناء

كل عام نأتي فهذا جرير — يتغنى وهذه الخنساء

لم نزل لم نزل .. نمصمص شعرا — وفلسطين خضبتها الدماء

سقطت في الوحول كل الفصاحات — ومات الخليل والفرّاء

يا حزيران أنت أكبر منا — وأب أنت ماله أبناء

لو ملكنا بقية من إباء — لانتخينا لكننا جبناء

يا عصور المعلقات مللنا — ومن الجسم قد يمل الرداء

نصف اشعارنا نقوش وماذا — ينفع النقش حين يهوي البناء

المقامات لعبة والحريري — حشيش والغول والعنقاء

ذبحتنا الفسيفساء عصورا — . والدمى والزخارف البلهاء

نرفض الشعر كيمياء وسحرا — قتلتنا القصيدة الكيمياء

نرفض الشعر مسرحا ملكيا — . من كراسيه يحرم البسطاء

نرفض الشعر ان يكون حصانا — يمتطيه الطغاة والأقوياء

نرفض الشعر عتمة ورموزا — كيف تسطيع ان ترى الظلماء

نرفض الشعر أرنبا خشبيا — لا طموح له ولا أهواء

نرفض العاطلين في قهوة الشعر — دخان أيامهم وارتخاء

شعرنا اليوم يحفر الشمس حفرا — بيديه فكل شيء مضاء

شعرنا اليوم هجمة واكتشاف — لا خطوط كوفية وحداء

كل شعر معاصر ليس فيه — غضب العصر نملة عرجاء

ما هو الشعر؟ إن غدا بهلوانا — يتسلى برقصه الخلفاء

ما هو الشعر حين يصبح فأرا — كسرة الخبز همه والغذاء

وإذا اصبح المفكر بوقا — يستوي الفكر عنده والحذاء

يصلب الأنبياء من أجل رأي — فلماذا لا يصلب الشعراء

الفدائي وحده يكتب الشعر — وكل الذي كتبنا هراء

إنه الكاتب الحقيقي للعصر — ونحن الحجّاب والأجراء

عندما تبدأ البنادق بالعزف — تموت القصائد البلهاء

ما لنا؟ مالنا نلـومُ حـزيرانَ — و في الإثمِ كـلُّنا شـركاءُ؟

من هم الأبرياءُ؟ نحنُ جميـعاً — حامـلو عارهِ ولا اسـتثناءُ

عقلُنا، فكرُنا، هزالُ أغانينا — رؤانا، أقوالُـنا الجـوفـاءُ

نثرُنا، شعرُنا، جرائدُنا الصفراءُ — والحـبرُ والحـروفُ الإمـاءُ

البطـولاتُ موقفٌ مسرحيٌّ — ووجـوهُ الممثلـينَ طـلاءُ

وفلسـطينُ بينهم كمـزادٍ — كلُّ شـارٍ يزيدُ حين يشـاءُ

وحدويّون! والبلادُ شـظايا — كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاءُ

ماركسيّونَ! والجماهيرُ تشقى — فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟

قرشيّونَ! لـو رأتهم قريـشٌ — لاستجارت من رملِها البيداءُ

لا يمـينٌ يجيرُنا أو يسـارٌ — تحتَ حدِّ السكينِ نحنُ سواءُ

لو قرأنا التاريخَ ما ضاعتِ القدسُ — وضاعت من قبـلها "الحمـراءُ"..

يا فلسطينُ، لا تزالينَ عطـشى — وعلى الزيتِ نامتِ الصحـراءُ

العباءاتُ.. كلُّها من حريـرٍ — واللـيالي رخيصـةٌ حمـراءُ

يا فلسطينُ، لا تنادي عليهم — قد تساوى الأمواتُ والأحياءُ

قتلَ النفطُ ما بهم من سجايا — ولقد يقتـلُ الثـريَّ الثراءُ

يا فلسطينُ، لا تنادي قريشاً — فقريشٌ ماتـت بها الخيَـلاءُ

لا تنادي الرجالَ من عبدِ شمسٍ — لا تنادي.. لم يبـقَ إلا النساءُ

ذروةُ الموتِ أن تموتَ المروءاتُ — ويمشـي إلى الـوراءِ الـوراءُ

مرَّ عامـانِ والغزاةُ مقيمـونَ — و تاريـخُ أمـتي أشـلاءُ

مـرَّ عامانِ.. والمسيـحُ أسيرٌ — في يديهم.. و مـريمُ العـذراءُ

مرَّ عامـانِ.. والمآذنُ تبكـي — و النواقيـسُ كلُّها خرسـاءُ

أيُّها الراكعونَ في معبدِ الحرفِ — كـفانا الـدوارُ والإغـماءُ

مزِّقوا جُبَّةَ الدراويشِ عـنكم — واخلعوا الصوفَ أيُّها الأتقياءُ

اتركـوا أولياءَنا بسـلامٍ — أيُّ أرضٍ أعادها الأولياءُ؟

في فمي يا عراقُ.. مـاءٌ كـثيرٌ — كيفَ يشكو من كانَ في فيهِ ماءُ؟

زعموا أنني طـعنتُ بـلادي — وأنا الحـبُّ كـلُّهُ والـوفاءُ

أيريدونَ أن أمُـصَّ نـزيفي؟ — لا جـدارٌ أنا و لا ببـغاءُ!

أنـا حريَّتي فإن سـرقوها — تسقطِ الأرضُ كلُّها والسماءُ

ما احترفتُ النِّفاقَ يوماً وشعري — مـا اشتـراهُ الملـوكُ والأمراءُ

كلُّ حرفٍ كتبتهُ كانَ سـيفاً — عـربيّاً يشـعُّ منهُ الضـياءُ

وقليـلٌ من الكـلامِ نقـيٌّ — وكـثيرٌ من الكـلامِ بغـاءُ

كم أُعاني مما كتبـتُ عـذاباً — ويعاني في شـرقنا الشـرفاءُ

وجعُ الحرفِ رائعٌ.. أوَتشكو — للـبسـاتينِ وردةٌ حمـراءُ؟

كلُّ من قاتلوا بحرفٍ شجاعٍ — ثم ماتـوا.. فإنـهم شهداءُ

لا تعاقب يا ربِّ من رجموني — واعفُ عنهم لأنّـهم جهلاءُ

إن حبّي للأرضِ حبٌّ بصيرٌ — وهواهم عواطـفٌ عمياءُ

إن أكُن قد كويتُ لحمَ بلادي — فمن الكيِّ قد يجـيءُ الشفاءُ

من بحارِ الأسى، وليلِ اليتامى — تطلـعُ الآنَ زهـرةٌ بيضاءُ

ويطلُّ الفداءُ شمـساً عـلينا — ما عسانا نكونُ.. لولا الفداءُ

من جراحِ المناضلينَ.. وُلدنا — ومنَ الجرحِ تولدُ الكـبرياءُ

قبلَهُم، لم يكن هـنالكَ قبـلٌ — ابتداءُ التاريخِ من يومِ جاؤوا

هبطوا فوقَ أرضـنا أنبياءً — بعد أن ماتَ عندنا الأنبياءُ

أنقذوا ماءَ وجهنا يومَ لاحوا — فأضاءت وجوهُنا السوداءُ

منحونا إلى الحـياةِ جـوازاً — لم تكُـن قبلَهم لنا أسمـاءُ

أصدقاءُ الحروفِ لا تعذلوني — إن تفجّرتُ أيُّها الأصـدقاءُ

إنني أخزنُ الرعودَ بصدري — مثلما يخزنُ الرعودَ الشتاءُ

أنا ما جئتُ كي أكونَ خطيباً — فبلادي أضاعَـها الخُـطباءُ

إنني رافضٌ زماني وعصـري — ومن الـرفضِ تولدُ الأشـياءُ

أصدقائي.. حكيتُ ما ليسَ يُحكى — و شـفيعي طـفولتي والنـقاءُ

إنني قـادمٌ إليكـم.. وقلـبي — فـوقَ كـفّي حمامـةٌ بيضـاءُ

إفهموني.. فما أنا غـيرُ طـفلٍ — فـوقَ عينيهِ يسـتحمُّ المـساءُ

أنا لا أعرفُ ازدواجيّةَ الفكرِ — فنفسـي.. بحـيرةٌ زرقـاءُ

لبلادي شعري.. ولستُ أبالي — رفضتهُ أم باركتـهُ السـماءُ..

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • رماها: رمأ: رَمَأَتِ الإِبلُ بِالْمَكَانِ تَرْمَأُ رَمْأً ورُمُوءًا: أَقامت فِيهِ. وَخَصَّ بعضُهم بِهِ إِقَامَتَهَا فِي العُشْبِ. وَرَمَأَ الرجلُ بالمكانِ: أَقامَ. وَهَلْ رمأَ إِلَيْكَ خَبَرٌ، وَهُوَ، مِنَ الأَخبار، ظَنٌّ فِي ح …
  • عراق: العُرَاقُ : العظمُ أُكل لحمه؛ أَعط العُرَاقَ للكلب.-: الصافي من الماءِ؛ شربنا ماءً عُراقاً/ عُراق المَطر أي النبات الذي يخرج على إثره.
  • عصرنا: عصر: العَصْر والعِصْر والعُصْر والعُصُر؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: الدَّهْرُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَصْرِ الدهرُ، أَقسم اللَّهُ تَعَالَى بِهِ؛ وَق …
  • عفراء: العَفْرَاءُ : مذ الأعفر.- من ليالي الشهر: الثالثة عشرة. -: أرض بيضاءُ لم توطأ.

قصائد ذات صلة

  • يوميات مريض ممنوع من الكتابة
  • يوميات قرصَان
  • يوميات إمرأة
  • يوميات رجل مهزوم
  • يد
  • يدي
  • يا زوجة الخليفة
  • يجوز أن تكوني