بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ
الشاعر: ابن المعتز · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
«بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ» من شعر ابن المعتز، من العصر العباسي، وتقع في 207 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ ... ذي العِزِّ وَالقُدرَةِ وَالسُلطانِ
الحَــــــمــــــدُ لِلَّهِ عَــــــلى آلائِهِ ... أَحمَدُهُ وَالحَمدُ مِن نَعمائِهِ
أَبدَعَ خَلقاً لَم يَكُن فَكانا ... وَأَظهَرَ الحُجَّةَ وَالبَيانا
وَجَــــعَــــلَ الخاتَمَ لِلنُبُوَّةِ ... أَحمَدَ ذا الشَفاعَةِ المَرجُوَّه
الصـــــادِقُ المُهَـــــذَّبَ المُــــطَهَّرا ... صَلّى عَلَيهِ رَبُّنا فَأَكثَرا
مَضى وَأَبقى لِبَني العَبّاسِ ... ميراثَ مُلكٍ ثابِتَ الأَساسِ
بِرُغمِ كُلِّ حاسِدٍ يَبغيهِ ... يَهــــدِمُهُ كَــــأَنَّهــــُ يَبنيهِ
هَذا كِتابُ سِيَرِ الإِمامِ ... مُهَذَّباً مِن جَوهَرِ الكَلامِ
أَعني أَبا العَبّاسِ خَيرَ الخَلقِ ... لِلمَــــلكِ قَولُ عالِمٍ بِالحَقِّ
قامَ بِأَمرِ المُلكِ لَمّا ضاعا ... وَكانَ نَهباً في الوَرى مُشاعا
مُـــــذَلِّلاً لَيـــــسَــــت لَهُ مَهــــابَهُ ... يَــــخافُ إِن طَنَّتـــ بِهِ ذُبابَه
وَكُــــلَّ يَــــومٍ مَــــلِكٌ مَــــقتولٌ ... أَو خــــــــائِفٌ مُـــــــرَوَّعٌ ذَليـــــــلُ
أَو خالِعٌ لِلعَقدِ كَيما يَغنى ... وَذاكَ أَدنـــــــى لِلرَدى وَأَدنـــــــى
وَكَم أَميرٍ كانَ رَأسَ جَيشِ ... قَد نَغَّضوا عَلَيهِ كُلَّ عَيشِ
وَكُــــلَّ يَــــومٍ شَــــغَــــبٌ وَغَــــصــــبُ ... وَأَنــــفُــــسٌ مَــــقــــتولَةٌ وَحَربُ
وَكَم فَتىً قَد راحَ نَهباً راكِباً ... إِمّا جَليسَ مَلِكٍ أَو كاتِبا
فَوَضَعوا في رَأسِهِ السِياطا ... وَجَعَلوا يُردونَهُ شَطاطا
وَكَم فَتاةٍ خَرَجَت مِن مَنزِلِ ... فَغَصَبوها نَفسَها في المَحفِلِ
وَفَضَحوها عِندَ مَن يَعرِفُها ... وَصَدَّقوا العَشيقَ كَي يَقرِفَها
وَحَصَلَ الزَوجُ لِضُعفِ حيلَتِه ... عَلى نُواحِهِ وَنَتفِ لِحيَتِه
وَكُلَّ يَومٍ عَسكَراً فَعَسكَرا ... بِالكَرخِ وَالدورِ مَواتاً أَحمَرا
وَيَطلِبونَ كُلَّ يَومٍ رِزقاً ... يَرَونَهُ دَيناً لَهُم وَحَقّا
كَذاكَ حَتّى أَفقَروا الخِلافَه ... وَعَوَّدوها الرُعبَ وَالمَخافَه
فَتِلكَ أَطلالٌ لَهُم قِفارا ... تَرى الشَياطينَ بِها نَهارا
بِالتَلِّ وَالجَوسَقِ وَالقَطائِعِ ... كَم ثَمَّ مِن دارٍ لَهُم بِلاقِعِ
كانَت تُزارُ زَمَناً وَتُعمَرُ ... وَيُتَّقى أَميرُها المُؤَمَّرُ
وَتَصهَلُ الخَيلُ عَلى أَبوابِها ... وَيَكثُرُ الناسُ عَلى حُجّابِها
وَكَم هُناكَ والِجاً كَريما ... وَراجِعاً مُدَفَّعاً مَظلوما
وَواقِفاً يَنظُرُ مِن بَعيدٍ ... مَخافَةَ العِقابِ وَالتَهديدِ
حَتّى إِذا ما اِرتَفَعَ النَهارُ ... ضَجَّتــ بِها الأَصواتُ وَالأَوتارُ
وَدارَتِ السُــــقــــاةُ بِــــالمُــــدامِ ... وَاِرتَكَبَت عَظائِمُ الآثامِ
ثُمَّ اِنقَضى ذاكَ كَأَن لَم يَفعَلِ ... وَالدَهرُ بِالإِنسانِ ذو تَنَقُّلِ
فَما بَكَت عَلَيهِمُ السَماءُ ... لَمّا أُتيحَ لَهُمُ القَضاءُ
وَكانَ قَد مَزَّقَ ثَوبَ المُلكِ ... طَوائِفٌ إيمانُهُم كَالشَركِ
فَمِنهُمُ فِرعَونُ مِصرَ الثاني ... عاصي الإِلَهِ طائِعُ الشَيطانِ
وَالعَـــــلَوِيُّ قـــــائِدُ الفُــــسّــــاقِ ... وَبائِعُ الأَحرارِ في الأَسواقِ
وَالدُلَفِــــيُّ العَــــودُ وَالسَفّارُ ... وَمِنهُمُ إِسحَقٌ البَيطارُ
أَعلَمُ خَلقِ اللَهِ بِالماخورِ ... وَعَـــــــدَدٍ مُـــــــثَـــــــلَّثٍ وَزيـــــــرِ
وَأَعشَقُ الناسِ لِمَن لا يَنصُرُه ... حَتّى يُطيلَ لَيلَهُ وَيَسهَرُه
وَمِنهُمُ عيسى اِبنُ شَيخٍ وَاِبنُهُ ... كِــــلاهُــــمــــا لِصٌّ حَلالٌ لَعنُهُ
يَدعونَ لِلإيمامِ كُلَّ جُمُعَة ... وَلا يَـــــرَدّونَ إِلَيـــــهِ قُــــطَــــعَه
وَهُم يَجورونَ عَلى الرَعِيَّه ... فَــــســــادُ دينٍ وَفَسادُ نِيَّه
وَيَأخُذونَ ما لَهُم صُراحا ... وَيَخضِبونَ مِنهُمُ السِلاحا
وَلَم يَـــــــزَل ذَلِكَ دَأبَ النـــــــاسِ ... حَتّى أُغيثوا بِأَبي العَبّاسِ
الساهِرِ العَزمِ إِذا العَزمُ رَقَد ... الحاسِمِ الداءِ إِذا الداءُ وَرَد
فَجَمَعَ الرَأيَ الَّذي تَفَرَّقا ... وَأَبرَأَ الداءَ الَّذي أَعيا الرُقى
كَم عَزمَةٍ بِنَفسِهِ أَمضاها ... لَم يَكِلِ الأَمرَ إِلى سِواها
كانَ لَنا كَأَزدَشيرِ فارِسٍ ... إِذ جَدَّ في تَجديدِ مُلكٍ دارِسِ
حَتّى اِتَّقوهُ كُلُّهُم بِالطاعَةِ ... وَصارَ فيهِم مَلِكَ الجَماعَه
فَلَم يَزَل بِالعَلَوِيِّ الخائِنِ ... المُهــــلِكِ المُــــخَرَّبِ المَدائِنِ
وَالبائِعِ الأَحرارِ في الأَسواقِ ... وَصــــاحِبِ الفُجّارِ وَالمُرّاقِ
وَقاتِلِ الشُيوخِ وَالأَطفالِ ... وَنــــاهِــــبِ الأَرواحِ وَالأَمــــوالِ
وَمالِكِ القُصورِ وَالمَساجِدِ ... وَرَأسِ كُـــــلِّ بِـــــدعَـــــةٍ وَقـــــائِدِ
حَتّى عَلا رَأسَ القَناةِ رَأسُهُ ... وَزالَ عَــــنــــهُ كَــــيدُهُ وَبَأسُهُ
شَيخُ ضَلالٍ شَرُّ مِن فِرعَونِ ... لِحــــيَــــتُهُ كَــــذَنَــــبِ البِــــرذَونِ
إِمــــامُ كُــــلِّ رافِضِيٍّ كافِرِ ... مِن مُظهِرٍ مَقالَةً وَساتِرِ
يَلعَنُ أَصحابَ النَبِيِّ المُهتَدي ... إِلّا قَليلاً عُصبَةً لَم تَزدَدِ
فَكَفَّرَ الناسُ سِواهُم عِندَهُ ... فَلَعنَةُ اللَهِ عَلَيهِ وَحدَهُ
ما زالَ حيناً يَخدَعُ السودانا ... وَيَدَّعي الباطِلَ وَالبُهتانا
وَقالَ سَوفَ أَفتَحُ السَوادا ... وَأَمــــلِكُ العِــــبادَ وَالبِلادا
وَيَدخُلونَ عاجِلاً بَغداذا ... فَــــلَم يَرَ الكَذّابُ ذا وَلا ذا
صاحَبَ قَوماً كَالحَميرِ جَهَلَه ... وَكُلُّ شَيءٍ يَدَّعيهِ فَهوَ لَه
وَقالَ إِنّي أَعلَمُ الغُيوبا ... لَم يَرَ فيها عالِماً مُجيبا
بَعضُهُمُ يُريدُ مِنهُ نَفَقَه ... وَيَترُكُ الدَرسَ عَلَيهِ صَدَقَه
فَــــخَــــرَّبَ الأَهــــوازَ وَالأُبُــــلَّه ... وَواسِطاً قَد حَلَّ فيهِ حَلَّه
وَتَــــرَكَ البَــــصــــرَةَ مِن رَمادِ ... سَوداءَ لا توقِنُ بِالميعادِ
وَأَطعَمَ الذُبوحَ أَطفالَ الناس ... مَكيدَةً مِنهُ فَأَعظِم مِن باس
فَواحِدٌ يُشدَخُ بِالعَمودِ ... وَواحِدٌ يُدخَلُ في السَفّودِ
وَبَعضُهُم مُسَمَّطٌ مَربوطُ ... وَبَعضُهُم في مِرجَلٍ مَسموطُ
وَجَعَلَ الأَسرى مُكَتَّفينا ... أَغراضَ نَبلٍ وَمُعَلَّقينا
وَبَعضُهُم يُحرَقُ بِالنيرانِ ... وَبَعضُهُم يُلقى مِنَ الحيطانِ
وَبَعضُهُم يُصلَبُ قَبلَ المَوتِ ... وَبَعضُهُم يَإِنُّ تَحتَ البَيتِ
وَهَزَمَ العَساكِرَ الجَليلَه ... بِشِدَّةِ البَأسِ وَلُطفِ الحيلَه
وَرامَهُ مــــوسى فَما أَطاقَه ... وَمَجَّهُ مَن فيهِ حينَ ذاقَه
وَقَد سَقى مُفلِحَ كَأسَ القَتلِ ... وَشَكَّهُ بِمِخصَفٍ ذي نَصلِ
وَتَرَكَ الأَتراكَ بَعدَ فَقدِهِ ... كَذي يَدٍ قَد قُطِعَت مِن زَندِهِ
وَقَتَلَ اِبنَ جَعفَرٍ مَنصورا ... وَكانَ قَبلَ قَتلِهِ كَبيرا
مِن بَعدِ ما صابَرَ أَيَّ صَبرِ ... وَأَرجَفَ الناسُ لَهُ بِالنَصرِ
وَالشَيخُ قَد غَرَّقَهُ نَصيرا ... وَقالَ حَسبي فَقدُ هَذا خيرا
أَعني غُلاماً لِسَعيدِ الأَعوَرا ... قَد كانَ في الحُروبِ مَوتاً أَحمَرا
وَكَـــــم سِـــــوى ذاكَ وَهَــــذاكَ وَذا ... أَبادَهُم حَتفاً وَقَتلاً هَكَذا
حَتّى إِذا ما أَسخَطَ الإِلَها ... وَبَــــلَغَت فِتنَتُهُ مَداها
وَشَــــكَــــتِ الأَرضُ إِلى السَماءِ ... ما فَوقَها مِن كَثرَةِ الدِماءِ
وَضاقَتِ القُلوبُ في الصُدورِ ... وَأَيقَنَت بِحادِثٍ كَبيرِ
وَاِرتَفَعَت أَيدي العِبادِ شُرَّعا ... بَعدَ الصَلاةِ جُمَعاً فَجُمَعا
أَغرى بِهِ اللَهُ هِزَبراً ضَيغَما ... إِذا رَأى أَقــــرانَهُ تَــــقَــــدَّمــــا
قَد جَرَّبَ الحُروبَ حَتّى شابا ... فَــــإِن دَعــــاهُ حــــادِثٌ أَجابا
لا عاجِزَ الرَأيِ وَلا بَليدا ... لَكِن شُجاعاً يَخضِبُ الحَديدا
فَلَم يَزَل عاماً وَعاماً ثانِيا ... وَثالِثاً يُكابِدُ الدَواهِيا
مُــــجــــاهِداً بِرَأيِهِ وَنَصلِهِ ... وَمــــــالِهِ وَقَــــــولِهِ وَفِـــــعـــــلِهِ
حَتّى لَقَد سَمّوهُ بِالكَنّاسِ ... وَعايَنوا صَعباً شَديدَ الباسِ
مُسائِفاً مُطاعِناً مُنابِلا ... مُواقِفاً مُنازِلاً مُجاوِلا
فَكَم لَهُ مِن شِدَّةٍ وَحَملَهُ ... وَضَــــربَةٍ وَطَعنَةٍ وَقَتلَه
إِن رَقَدوا فَإِنَّهُ لا يَرقُدُ ... أَو قَعَدوا فَإِنَّهُ لا يَقعُدُ
يَحبو المُطيعَ وَيُبيدُ العاصِيا ... وَيَخضِبُ السُيوفَ وَالعَوالِيا
وَيَقبَلُ المُستَأمِنَ المُنيبا ... وَيَغفِرُ الزَلّاتِ وَالذُنوبا
وَلا تَــــراهُ ناقِضاً لِعَهدِهِ ... وَلا يَشوبُ باطِلاً بِجَدِّهِ
حَتّى قَضى اللَهُ لَهُ بِالفَتحِ ... مِن بَعدِ طولِ تَعَبٍ وَكَدحِ
وَنَصَبَ الناسُ لَهُ القِبابا ... وَشَكَروا المُهَيمِنَ الوَهّابا
ثُمَّ سَما مِن بَعدُ لِلشَآمَين ... فَجُرِّعوا مِن كَأسِهِ الأَمَرَّين
وَعَرَفوا عِندَ اللِقاءِ صَبرَهُ ... وَشَــــــدَّهُ يَــــــومَ الوَغــــــى وَكِّرِّه
سَل عَنهُ قيلاً صُرِعوا بِشَيزَرا ... وَآخَــــــــراً وَآخَـــــــراً وَآخَـــــــرا
وَراكِباً عَلى النَجيبِ هارِبا ... لَمّا رَأى مَن فِعلِهِ العَجائِبا
جاءَ مِنَ الشامِ إِلى الفُسطاطِ ... يَحُثُّ عَدوَ الخَيلِ بِالسِياطِ
وَحارَبَ الصَفّارَ بَعدَ الزَنجِ ... فَــــطــــارَ إِلّا أَنَّهــــُ في سَرجِ
وَفَـــــرَّ مِـــــن قُـــــدّامِهِ فِـــــرارا ... وَكانَ قِدماً بَطَلاً كَرّارا
وَما نَسينا مَصرَعَ الكَفورِ ... الجاهِلِ المُخَلِّطِ المَغرورِ
إِذ قَدَّرَ الخِلافَ وَالعِصيانا ... فَــــزادَهُ رَبُّ العُــــلى هَــــوانــــا
يُكنى بِصَقرٍ وَأَبوهُ بُلبُلُ ... هَذا لَعَمري باطِلٌ لا يُقبَلُ
ما زالَ في نَخوَتِهِ وَتيهِهِ ... لا يَأخُذُ الصَوابَ مِن وُجوهِهِ
يُجَهوِرُ اللَفظَ إِذا تَكَلَّما ... وَيَزجُرُ العافِيَ وَالمُسَلِّما
أَجرَءُ خَلقِ اللَهِ ظُلماً فاحِشا ... وَأَجوَرُ الناسِ عِقاباً بِالوِشا
يَأخُذُ مِن هَذا الشَقِيِّ ضَيعَتَه ... وَذا يُريدُ ما لَهُ وَحُرمَتَه
وَوَيلُ مَن ماتَ أَبوهُ موسِرا ... أَلَيسَ هَذا مُحكَماً مُشَهَّرا
وَطالَ في دارِ البَلاءِ سَجنُهُ ... وَقالَ مَن يَدري بِأَنَّكَ إِبنَهُ
فَقامَ جيراني وَمَن يَعرِفُني ... فَنَتَفوا سِبالَهُ حَتّى فَني
وَأَسرَفوا في لَكمِهِ وَدَفعِهِ ... وَاِنطَلَقَت أَكُفُّهُم في صَفعِهِ
وَلَم يَزَل في أَضيَقِ الحُبوسِ ... حَتّى رَمى إِلَيهِمُ بِالكيسِ
وَتــــاجِــــرٍ ذي جَــــوهَــــرٍ وَمــــالِ ... كانَ مِنَ اللَهِ بِحُسنِ حالِ
قيلَ لَهُ عِندَكَ لِلسُلطانِ ... وَدائِعٌ غـــــالِيَـــــةُ الأَثــــمــــانِ
فَقالَ لا وَاللَهِ ما عِندي لَهُ ... صَغيرَةٌ مِن ذا وَلا جَليلَه
وَإِنَّما رَبِحتُ في التِجارَه ... وَلَم أَكُن في المالِ ذا خَسارَه
فَــــدَخَّنــــوهُ بِدُخانِ التِبنِ ... وَأَوقَــــدوهُ بِــــثِــــفالِ اللِبنِ
حَتّى إِذا مَلَّ الحَياةَ وَضَجِر ... وَقالَ لَيتَ المالَ جَمعاً في سَفَر
أَعطاهُمُ ما طَلَبوا فَأَطلَقا ... يَستَعمِلُ المَشيَ وَيَمشي العَنَقا
ثُمَّ بَنى مِنَ الغُصوبِ دارا ... فَأَصبَحَت موحِشَةً قِفارا
ما ماتَ حَتّى اِنتُهِبَت وَهوَ يَرى ... وَبَلَغوا في هَدمِها إِلى الثَرى
وَأَثبَتَ الأَعرابَ في الديوانِ ... وَقالَ إِنّي مِن بَني شَيبانِ
مُــــضــــطَرِبُ الآراءِ وَالأَحوالِ ... وَالزَيِّ وَالأَلفــــاظِ وَالأَفعالِ
يَستَعمِلُ الغَريبَ في خِطابِهِ ... وَغامِضاتِ النَحوِ في كِتابِهِ
وَيَزجُرُ الناسَ إِذا تَكَلَّما ... مُفَخَّماً مُجَهوَراً مُغَلصِما
كَــــأَنَّهُ قَحطانُ أَو مَعَدٌّ ... وَدارُهُ تِهـــــامَـــــةٌ أَو نَـــــجـــــدُ
وَكانَ قَد كَنّى اِبنَهُ بِثَعلَبِ ... كَذا يَكونُ العَرَبِيُّ وَاِقلِبِ
وَهوَ عَلى الفِطامِ ذو زَئيرِ ... أَبلَغَ لِلمُجدي مِنَ التَنّورِ
مُـــــرَسِّمـــــٌ لِيــــافِــــعٍ طَــــويــــلِ ... مِثلَ جَناحِ الطائِرِ المَبلولِ
ثُمَّ إِذا ما قامَ عَن غِذائِهِ ... وَفُـــــرِّغَـــــت قَهــــوَتُهُ بِــــمــــائِهِ
تَناوَلَ الريشَةَ وَالطَنبورا ... فَأَضحَكَ الصَغيرَ وَالكَبيرا
وَضاعَتِ الأُمورُ عِندَ ذاكا ... وَأَظهَرَ التَعطيلَ وَالإِشراكا
وَمَدحَ أَفلاطونَ وَالفَلاسِفَه ... وَساعَدَتهُ في هَواهُ طائِفَه
وَذَكَرَ السُعودَ وَالنُحوسا ... وَالجَوهَرَ المَعقولَ وَالمَحسوسا
وَذَرعَ طـــــولِ الأَرضِ وَالأَفـــــلاكِ ... وَكَم بِلادِ الصينِ وَالأَتراكِ
وَالعَرَضَ الظاهِرَ في التَجسيمِ ... وَالقَولَ في طَلائِعِ النُجومِ
وَذَكَرَ التَعديلَ وَالإِقامَه ... وَقَدَّموا النِظامَ أَو تَمامَه
وَاِستَثقَلوا مَن قامَ لِلصَلاةِ ... فَكَيفَ مَن طَوَّلَ في القِراةِ
وَطَعَنوا في الفُقهِ وَالحَديثِ ... وَعَجِبوا مِن مَيِّتٍ مَبعوثِ
فَلَم يَزَل ذَلِكَ دَأبَ الجاهِلِ ... حَتّى رُمي بِسَهمِ حَتفِن قاتِلِ
فَلَيتَ شِعري كانَ ذا في لَجمِهِ ... وَكانَ ذا فيما يَرى مِن عِلمِهِ
سُبحانَ مَن أَراحَ مِنهُ الخَلقا ... فَكَيفَ يَحيا مِثلُهُ وَيَبقى
ثُمَّ اِستَوَت مِن بَعدِهِ الخِلافَه ... وَزالَتِ الرَهــــبَــــةُ وَالمَخافَه
وَوَلِيَ المُــــــلكَ إِمـــــامٌ عـــــادِلُ ... قائِلُ كُلَّ حِكمَةٍ وَفاعِلُ
مِثلُ حُسامِ العَضبِ في جَلائِهِ ... عَــــدا بِهِ صَــــيقَلُهُ بِمائِهِ
فَلُقِيَت بَيعَتُهُ بِالطاعَه ... وَرَضِــــيَــــت بِــــذَلِكَ الجَــــمــــاعَه
فَأَنفَذَت مِصرُ إِلَيهِ مالَها ... فَأَصلَحَت حَصراً إِلَيهِ حالَها
وَسارَعَ الصَفّارُ بِالإِذعانِ ... وَقَبِلَ البَيعَةَ غَيرَ وانِ
وَاِختارَ مِن جُنودِهِ كُلَّ بَطَل ... مُجَرَّبٍ إِن حَضَرَ المَوتُ قَتَل
ثُمَّ نَفى كُلَّ دَخيلٍ قَد مَرَق ... إِذا رَأى السَيفَ قَضى مِنَ الفَرَق
فَإِن غَدا مِن فَوقِ ظَهرٍ نَدبِ ... كانَ إِلى الأَرضِ سَريعَ الجَنبِ
وَإِن رَمى كانَ مَريضَ السَهمِ ... ذا وَتَرٍ رِخوٍ ضَعيفِ الرَجمِ
يَضحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن يَراهُ ... وَيَشتَهي بِرجاسُهُ قَفاهُ
وَهَــــرَبَت سِهامُهُ مِنَ الهَدَف ... كَأَنَّهُ يَرمي بِرِجلٍ لا بِكَف
وَإِن بَدا بِالرُمحِ كانَ أَعجَبا ... تَحسَبُهُ قِرداً يَجُرُّ ذَنَبا
حَتّى إِذا صَغا خِيارُ الجُندِ ... وَقالَ يا حَربُ اِهزِلي وَجُدّي
سارَ إِلى المَوصِلِ يَنوي أَمرا ... فَمَلَأَ البَرَّ مَعاً وَالبَحرا
وَكَــــبَــــسَ اللُصوصَ وَالأَفرادا ... وَأَمَّنــــَ البِــــلادَ وَالعِــــبــــادا
وَجَزِعَت مِن خَوفِهِ الفَراعِنَه ... وَأَصبَحَت سُفنُ البِحارِ آمِنَه
وَكانَ في دِجلَةَ أَلفُ ماخِر ... لَم يَعنِها إِلّا جَناحُ طائِر
يَجبونَ كُلَّ مُقبِلٍ وَمُدبِرِ ... مُجاهِرينَ بِفِعالِ المُنكَرِ
كَــــم تاجِرٍ رَوَّغَهُم بِزَورَقِه ... فَأَغمَدوا سُيوفَهُم في مَفرِقِه
وَفَرَّتِ الأَعرابُ في البِلادِ ... وَءُهلِكوا إِهلاكَ قَومِ عادِ
فَأودِعوا السُفنَ مُكَتَّفينا ... مُــــغَــــلَّليــــنَ وَمُــــصَــــفَّدينا
وَبَعضُهُم مُراقَةٌ دِمائُهُم ... قَد عَبِقَت بِريحِهِم صَحرائُهُم
وَكُلُّهُم قَد كانَ لِصّاً عادِيا ... ما زالَ قِدماً يَعمَلُ الدَواهِيا
لَمّا رَأى مِنَ السُيوفِ بَرقا ... مَلا السَراويلَ الطِوالَ ذَرقا
فَداسَهُم دَوسَ الحَصيدِ اليابِسِ ... بِالخَيلِ وَالرِجالِ وَالفَوارِسِ
حَتّى أَتى المَوصِلَ فَاِستَهَلَّتِ ... لَو قَــــدِرَت صــــامَــــت لَهُ وَصَــــلَّتِ
وَأَرسَلَ الرُسلَ إِلى اِبنِ عيسى ... وَكادَ أَن يَجعَلَهُ قِسّيسا
وَهَـــــمَّ أَن يَـــــدخُــــلَ أَرضَ الرومِ ... وَظَلَّ في كَربٍ وَفي هُمومِ
حَتّى اِفتَدى حَياتَهُ وَأَدّى ... مالاً يَهُدُّ الحامِلينَ هَدّا
وَوَرَدَ الرُســــلُ مَــــعَ الهَدايا ... مِن عِندَهُ فَكانَ هَذا رايا
فَآثَرَ الحَياةَ وَالهَوانا ... وَما هَدا حَتّى رَأى الأَمانا
وَجاءَ إِسحاقُ مُطيعاً سامِعا ... وَلَم يَجِد شَيئاً سِوى ذا نافِعا
وَقَد أَتى حَمدانُ مِثلَ هَذا ... فَأَدخَلوهُ صاغِراً بَغداذا
وَهُدِمَت قَلعَتُهُ الحَصينَه ... وَأُخِذَت نِعمَتُهُ الثَمينَه
وَلَم يَدَع مِن بَعدِهِ هارونا ... وَكانَ رَأياً لِلشَراةِ حينا
مُراوِغاً كَالثَعلَبِ الجَوّالِ ... مُستَبصِراً في الكُفرِ وَالضَلالِ
يَلعَنُ عُثمانَ وَيَبرا مِن عَلي ... وَاللَهُ ذو الجَلالِ مِنهُ قَد بَري
خَليفَةَ الأَكرادِ وَالأَعرابِ ... وَقــــائِدَ الفُــــجّــــارِ وَالخُــــرّابِ
يَدعونَهُ أَميرَ مُؤمِنينا ... بَل كافِراً أَميرَ كافِرينا
حَتّى حَواهُ كَفُّهُ أَسيراً ... وَأَلبَسوهُ الوَشيَ وَالحَريرا
وَأَركَــــبوهُ أَكبَرَ البَهائِمِ ... مَركَبَ كِسرى مَلِكِ الأَعاجِمِ
آكَــــلُ خَــــلقِ اللَهِ لِلعَــــصــــائِدِ ... وَمُضغَةِ اللُحومِ وَالسَرائِدِ
يَشرَبُ جُبّاً وَيُعَرّي مائِدَه ... وَهيَ عَلَيهِ في العَشِيِّ عائِدَه
حَتّى إِذا قامَ إِلى الحَفيرَه ... أُلفي كَعَنزٍ رَبَضَت كَسيرَه
بِمِثلِ هَذا طَلَبوا الرِياسَه ... وَلِلحَميرِ مِنهُ أَضحَوا ساسَه
لا لِمَــــقــــالاتٍ وَعَــــقدِ دَينٍ ... لَكِن لِخَدعِ الجاهِلِ المَفتونِ
فَــــنَــــزَلوا مَــــنــــازِلاً عَــــلِيَّه ... وَاِرتَفَعوا عَن مَوضِعِ الرَعِيَّه
وَكانَ مِمّا كانَ قَبلُ رافِعُ ... الناكِثُ العَهدِ الغَرورِ الخالِعُ
غَرسٌ مِنَ الرَفضِ زَكا وَأَينَعا ... فَاِجتُثَّ مِن مَكانِهِ وَاِقتُلِعا
إِذا أَرادَ فِتنَةً لا يُجتَرى ... خَوفاً وَيُبدي غَيرَ ذاكَ وَيَرى
ما زالَ يُبدي طاعَةً مَريضَه ... وَهوَ يَرى عِصيانَها فَريضَه
حَتّى إِذا ما اِستَحكَمَت مَرائِرُه ... وَثَــــقُلَت مِن دائِهِ ضَمائِرُه
وَقــــادَ آلافــــاً مِــــنَ الضَــــلالِ ... يُعِدُّهُم لِلحَربِ وَالقِتالِ
ناداهُ سُلطانُ الأَماني الكاذِبَه ... وَهيَ عَلى رَأسِ الشَقِيِّ غالِبَه
وَأَظهَرَ الخِلافَ وَالعِصيانا ... وَنُصرَةَ الباطِلِ وَالبُهتانا
وَبَــــيَّضَ الزَيَّ عَلى أَجنادِهِ ... فَــــخَلَعَ السُؤدَدَ مِن سَوادِهِ
وَما الَّذي أَنكَرَ مِن تَسويدِنا ... وَمَن عَلَيهِ لَجَّ في تَفنيدِنا
وَإِنَّمــــا كانَ حِدادُ الهيمِ ... عَلى الحُسَينِ وَعَلى اِبراهيمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- الخاتم: لخا: اللَّخَا: كَثْرَةُ الْكَلَامِ فِي الْبَاطِلِ، وَرَجُلٌ أَلْخَى وامرأَة لَخْوَاء، وَقَدْ لَخِيَ، بالكسر، لَخاً. واللَّخا: أَن تَكُونَ إِحدى رُكْبَتَيِ الْبَعِيرِ أَعظم مِنَ الأُخرى مِثْلَ الأَرْكَب، تَقُولُ مِنْهُ: ب … (لسان العرب)
- الصادق: صدق: الصِّدْق: نَقِيضُ الْكَذِبِ، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً. صَدَّقه: قَبِل قولَه. وصدَقَه الْحَدِيثَ: أَنبأَه بالصِّدْق؛ قَالَ الأَعشى: فصدَقْتُها وكَذَبْتُها، ... والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُهْ وَيُقَال … (لسان العرب)
- المرجوه: رجه: ابْنُ الأَعرابي: الجَرَهُ الشَّرُّ الشَّدِيدُ، والرَّجَهُ التَّثَبُّتُ بالأَسْنان والتزعزعُ. وأَرْجَهَ إِذَا أَخَّرَ الأَمر عَنْ وَقْتِهِ، وَكَذَلِكَ أَرْجَأَهُ، كأَنَّ الْهَاءَ مبدلة من الهمزة. (لسان العرب)
- المهذب: هذب: التَّهْذيبُ: كالتَّنْقِيةِ. هَذَبَ الشيءَ يَهْذِبُه هَذْباً، وهَذَّبه: نَقَّاه وأَخْلصه، وَقِيلَ: أَصْلَحه. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: التَّهْذيبُ فِي القِدْحِ العَملُ الثَّانِي، والتَّشْذيبُ الأَوَّل، وَهُوَ مَذْكُورٌ … (لسان العرب)
- فكانا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)