معزوفة بالوتر الأسود

الشاعر: شادي حلاق · البحر: الرمل · الغرض: قصيدة حزينة

«معزوفة بالوتر الأسود» من شعر شادي حلاق، وتقع في 62 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

سَكبَ الوقتُ العَتْمةَ في كأسِ الآفاقِ — فأغرَقَنا في وحلِ الليلْ

نَسَلَ النورَ الأبيضَ منْ عينينا — و رمى نوراً أسودَ في العينينْ .

و ليالي شَعركِ تمتصُّ الليلَ لتَنْقُلَني — مع هذا الليلِ فأغرقُ في ليلينْ .

تتوترُ أعصابُ الليلْ — تتشعَّبُ في جسدِ العَتْمَةِ أمواساً تزحَفُ ... تَزْحَفُ فيهْ

تَجْرَحُ جلدَ الليلِ فَتَقْطُرُ زخاتٌ منْ دَمِهِ — المصنوعِ منَ التاريخِ و تهطلُ فوقَ شراشِفِ روحي

توخِزُ أحزاني توقِظُها — تَسري في ذاكرتي برقاً

حتى تقسمَها وجهينْ — يَلبسُني وجهُ التاريخِ و ألبسُ وجهَ المستقبلِ

أمشي نهراً ضوئياً بينَ الوجهينِ — فَيَشْطُرُني سيفُ الليلِ

و تَعبُرُني قافلةٌ منْ رائحَةِ الدمعِ — و قافلةٌ منْ رائحةِ الدمْ

تَرْسُمُني مخلوقاً دَمـْدَمْعِيّاً — أمسكُ بالوترِ الليليِّ و أعزفُ أغنيتي

فَتسيلُ الموسيقى زخاتٍ زخاتْ ، — أمواجاً أمواجاً ،

أنهارَ دموعٍ سوداءْ — أطرقُ بابَ الليلِ و أطرقُ ، أطرقُ ، أطرقُ ،

لا أحدٌ يسمعني — فألملمُ منْ أذنِ الليلِ ، ألملمُ جثَثَ الطَّرْقاتِ

و أدفُنُها في مقبرةِ الشهداءْ — أصطادُ منَ الآفاقِ رنينَ الطَّرْقاتِ

و أسكُبُها في كأسٍ منْ حزنٍ — أشرَبُها حتى السكْرِ فألمحُ وجهَكِ في قعرِ الكأسِ كئيباً و يُناديني بالصمتِ

و يَبكي دونَ دموعٍ فأُغني : — ضُميني يا عاصمةَ الأحزانِ و يا قلبَ الجسدِ الكرويّْ

يا منْ ضخَّتْ دَمَها حُبّا حتى آخرِ أطرافِ شعيراتٍ بشريَّة ْ — ضخَّتْ دَمَها أسراباً أسرابْ

يا منْ تَرضعُ منْ ثديِ الأيامِ حليبَ الموتِ — و تُرضِعُ أبناءَ الأرضِ حليبَ حياةْ

تعصرُ منْ عينيها وطناً ليَعودَ الغُيَّابْ — يا منْ تَدخلُ كالآتي ، المسنونِ ، بخاصرةِ التاريخِ

و تبني مستقبلََها بيديها — ليصيرَ المستقبلُ بيتاً مفتوحَ الأبوابْ

يا منْ لبستْ كلَّ الليلِ — و ما خلَّتْ للحزنِ ثيابْ

* * * — نرسم وجه الأيام علينا باللون الليليِّ

عساها تغدو ـ يوما ـ صبحاْ — نغمس بالأسودِ أوجاعَ الأرضِ

لكي تتبخرَ ، تصبح غيماتٍ — تهطل فوقَ التربةِ قمحاْ

نَفْرُشُ فوقَ الليلِ عباءتنا السوداءَ ، نغطيهِ . — نحن الليل ، وهذا الليل الـ نعرفه يُوحَى

و أنا أنتِ ، و أنتِ أنا — من دمعاتك ـ تلك ـ تَكوّنَ جسمي

و من العينين أخذت الرّوحاْ . — صبّي حزنك بين الناس ِ

يَنبت من عينيهم عيدُ — دوري من عزف الكاس ِ

كي نُنْشدَ : — دو ري مي فا صول لا سي

* * * — ما زلنا نحنُ الاثنان وحيدين

نسيرُ على حبلِ وريدٍ ـ منّا ـ منفردٍ — عينانا وَسعتْ كلَّ الدنيا,

و الدنيا نهرٌ عذبٌ يُسكبُ في تابوتْ — ضمّيني أكثر، أكثر، أكثرَ

فالأرضُ اهتزّتْ — و الجوُّ بداخلنا رعدٌ و رصاصٌ

صرنا الآن غشاءَ الصمتِ الـ يخرُقُهُ سيفُ الصوتْ. — تعدو الأفراحُ على أرصفةِ و هامشِ شارعنا

وبقينا في منتصفِ الشارعِ حزناً مجروحاً، — يتّكئُ ـ الآن ـ على صبرِهْ

و يُضمِّدُ جرحَهُ ـ هذا ـ بلفافةِ صمتْ ، ـ — يغمرنا بالوحلِ الأسودِ، يشعرنا بالموتِ الضاحكِ,

نضحكُ، نضحكُ، نضحكُ ... — حتى اهتزَّتْ خاصرةُ الموتْ

فارتعشتْ كلُّ زوايا الآفاقْ. — أجملُ منْ كلِّ الأشياءِ و أصعبْ

وجهٌ رُسمتْ فيه البسمةَُ و هو يموتْ. — أحتاجكِ يا وطناً من أنثى

يا امرأةً كاملةً تحضنني بينَ ذراعيها — تغرسُ في صدري خنجرَ نهديها

تقتلني، تقتلني — ثمَّ تثورُ و تبكي، تحملني بالدّمعِ

و تقبرني في العينينْ — أحتاجكِ يا امرأةً

لا تَصنَعُ بينَ القلبين إشاراتِ مرورٍ أو قانونْ — أحتاجكِ يا امرأةً

تَدْخُلُ روحاً فيَّ و أَدخلُ روحاً فيها — أصبِحُها ، تُصبِحُني ,

نغدو ماءً مصبوبا في ماءٍ ، لا نَعرفُ منْ منا الآخرَ ؛ — أحتاجُ ، و أحتاجُ ، و أحتاجْ ...

من مالِ الله يا محسنُ — يا ناسُ أعينوا هذا المجنونْ .

تَعِبَتْ روحي , تعبتْ أجزائي و بقايا عمري — تعبتْ ، تعبتْ ، تعبتْ

من شدَّةِ هذا الصّدق ِ ، — فإن الصدقَ كما الوقت إذا يكثُرُ قلَّ العمرُ ،

فيا كلماتِ الصّدقِ لقد حرَّضتِ على ألمي ، ألمي . — كلماتُ الصّدق تعرّشُ أشجارَ سيوفٍ

في عينيَّ و في قلبي و فميْ — فتسيلُ الكلماتُ ، من الثغر، مضمَّخةً بالدَّمِّ

فرفقاً بي يا صدقُ — فإنكَ تسحبُ منْ جسدي كلَّ دميْ .

* * * — هل ، لبحارِ الدمع ِ، لدينا ساحلْ ..؟‍‍

هل لطريقِ المنفى ، منزلْ ؟ — هل ، لمدادِ الحزن ِ، لدينا سُورْ ؟

كانت أسئلةٌ تعبُرُني — تُلْصَقُ في وجهي منها بصماتُ بقايا أجوبةٍ

و ذهولٌ — فأدورُ ... أدورُ ... أدورْ

أسقطُ في منفايَ وحيداً مع ذاكرتي — أصرخُ ، تصرخُ روحي

صرخت كلُّ عروقي و عظامي ، لحمي و دمي — صرخت سائلةً ريحَ الأفراح

بأنْ تأتي و تمشِّطَ فيَّ ضفائرَ حزني — راحتْ تجري ريحُ الأفراح و تركضُ ، تلهَثُ ،

تمشي و تُهروِلُ ، تزحفُ — حتى عبَرتْ ـ منْ بعض ضفائر أحزاني تلك ـ ضفيرةْ .

قالتْ مُرهقة ً: — إنكَ تطلبُ مني أنْ أحيا وأموتَ وأحيا و أموتَ وأحيا وأموت ...

لا أقدرُ أنْ أنهي تمشيطَ ضفائرِ حزنِكَ في هذا العمرِ — فإنَّ ضفائرَ حزنِكَ أطولُ ، أطولُ ، أطولُ

منْ عُمْري بعصورْ .

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • المستقبل: المُسْتَقْبَلُ : الزّمن الذي يأتي بعد الحاضر؛ نتوقَّع له مستقبَلاً باهرًا/ بحث المتفاوضان مستقبل العلاقات بين دولتيهما/ عِلْمُ المستقبَل هو علم حديث يعتمد أحدث المُعْطَيات الاقتصاديّة والعلوم المتطورة والتقنيات المتقدّمة …
  • المصنوع: المَصْنُوعُ : مفعـ. ـ: ما يُصْنَع باليَد أو بالآلة، يظَلُّ المصنوعُ باليد أغلى من المصنوع بالآلة. ـ: ما صنعه بعض النحويين من الشِّعْر ونسبه إلى القُدامى لإثبات دعواه في المسائل النحوّية. ـ: ضدُّ/ المطبوع من الأدب والشعر، …
  • برقا: البَرْقَاءُ : أرض غليظة اختلطت فيها الحجارة بالرمل. ج بَراقَى وبَرْقَاواتٌ.
  • تزحف: تَزَحّفَ يَتَزَحَّفُ تَزَحُّفاً : زَحَف، أي مشى على بطنه أو انسحب على مَقْعَدَتِهِ قبل أن يمشي؛ معظم الأَطفال يَتَزَحَّفُون قبل أن يمشوا/ تَزَحَّف الثعبانُ، أي تقدَّم في ثقل/ تَزَحَفَ الجيش نحو عدوّه.

قصائد ذات صلة

  • إِعرابات
  • أيها الليل هل سننقرض ؟!
  • كيف هبط آدم وحوّاء ..؟!
  • عندما كنتُ كبيرا
  • الطواف حول فصول الأزمان
  • من ترى يملك وصفا لامريء
  • يا وحيدا للأماني والمنا
  • صالح للخير لما أن بنى