لا بحر في بيروت!

الشاعر: غادة السمان · البحر: المتدارك

«لا بحر في بيروت!» من شعر غادة السمان، وتقع في 37 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

كيف أنسى تلك الغابات، — حيث ذرى الأشجار والقمر يتبادلان القبلات؟

وسيارتك تركض بنا إلى الليل.. — بينما نتشاجر ونتبادل الاتهامات،

ونلتهب غيرة حمقاء.. — دون أن نعي.. كم نحن سعداء!

متى تنتهي مواسم الديكة المتقاتلة هناك — ويبدأ موسم العودة إلى البحر؟

آه تعبنا من الهرولة في الغربة كالسلاطعين.. — على شطآن ليست لنا..

تعبت من ارتداء وجه لا يخصّني — راكضةً فوق خرائط مكهربة بالثلج والغبار الذري

تلك الذكريات هناك تدميني.. — من قال "لا بحر في بيروت"؟..

*** — ها أنا ضالة بدونك، أهيم في الفضاء

مثل بالون أفلتته يد طفل في العيد.. ونسيته!.. — ها أنت تلتصق بذاكرتي كصداع نصفي..

وتنهش زمني كسمكة قرش مثالية.. — ها أنا أقفز خلفك

على عكازيّ الأبجدية، — وأكاد أسقط على سلالم سوء التفاهم..

دلّني على الدرب إليك لأعود.. — من قال "لا بحر في بيروت"؟

*** — أنفاسي المحمومة في الصباحات الباردة

تكتب لك بأصابع البخار — على زجاج نوافذ محطات الغربة:

النجدة.. النجدة.. — خذني إليك.. لفّني حولك كالعباءة

ولا تدعني أغادرك أبداً.. كالكفن.. — آه عبثاً أداعب شعر فراقنا وألاطفه

وأزين له حقيبة سفره بالنياشين — وأصفق له مشجعة،

كي يغطس بقدميه في زرقة السفر — دون أن ينقضّ على ذاكرتي الطاعنة في الحب.. فيوقظها..

عبثاً أقنع نفسي أن حبك — يرعبني مثل خابية مليئة بالعظام والجماجم

تحت سريري!.. — ها أنت تنبض حياةً سرّية وتنتفض داخلي

كقلب طفل مريض تحت خيمة الأوكسجين... — من قال "لا بحر في بيروت"،

ولم يختنق بها؟.. — ***

تعبتْ مني باريس، — وتعبتُ من السلالم المتحركة للتشرد المعدني،

وأبواب الفنادق الفاخرة العدوانية — التي تنفتح من تلقاء نفسها

حين تقف أمامها كشبح من مملكة الجنون.. — تعبت من رائحة سم الصراصير

في المصاعد الخشبية العريقة، الضيّقة كالتوابيت.. — تعبت من السجاد العفن الفاخر

في البيوت المصفرة كأسنان المحتضرين، — وروائح النفتالين تفوح من نوافذ بلا شمس..

وأحجار المباني الصلدة بالغطرسة، المحيطة بي — شواهد متعددة الأشكال على قبري..

تعبت من رائحة "ماء جافيل" — في ملاءات فنادق الغربة

وأنا أنسل إليها حاملة حيرتي ووحشتي — وأغادرها فجراً مزرقة كالجثة في الترعة..

تعبت يا حبيبي من ذاكرة مضرجة بالأشواق — مثخنة بالوطن، فهلا علمتني كيف أنسى

كما نسي الآخرون مؤكدين: "لا بحر في بيروت"؟ — ***

تعبت من الإجابة على السؤال التاريخي: — "من أين أنت"؟.. "من أي بلد"؟

تعبت من إلقاء تحية الصباح بالفرنسية، — والإنكليزية والألمانية والإيطالية والسويدية والبولونية

والسيريلانكية.. — أريد أن أعود إلى هناك.. وأحبك هناك..

وأغسل جرحي بالبحر هناك.. — من قال "لا بحر في بيروت"؟....

_________ — 12-2-1988

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.

تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • ارتداء: [ر د ي]. (مصدر اِرْتَدَى). "لاَ يُحِبُّ ارْتِدَاءَ ثَوْبٍ لاَ يُنَاسِبُهُ" : لِبْسَهُ.
  • بالثلج: ثلج: الثَّلْجُ: الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، مَعْرُوفٌ. وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ: واغْسِلْ خَطايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، إِنما خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ تأْكيداً لِلطَّهَارَةِ وَمُبَالَغَةً فِيهَا لأَنهما ماءَان …
  • تعبنا: تعب: التَّعَبُ: شدَّةُ العَناءِ ضِدُّ الراحةِ. تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَباً، فَهُوَ تَعِبٌ: أَعْيا. وأَتْعَبه غيرُه، فَهُوَ تَعِبٌ ومُتْعَبٌ، وَلَا تَقُلْ مَتْعُوبٌ. وأَتْعَبَ فلان فِي عَمَلٍ يُمارِسُه إِذَا أَنْصَبَها فِيمَا …

قصائد ذات صلة

  • أشهد على مخاوفي
  • اشهد بطوابع البريد
  • أشهد على شاعر آخر أحببته
  • أشهد بفرح عرفته
  • أشهد بالضوء والنار
  • أشهد بمركز الدائرة
  • أشهد فراشة ليلية
  • أشهد بأجنحة نسائك