لا بحر في بيروت!
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كيف أنسى تلك الغابات،حيث ذرى الأشجار والقمر يتبادلان القبلات؟
وسيارتك تركض بنا إلى الليل..بينما نتشاجر ونتبادل الاتهامات،
ونلتهب غيرة حمقاء..دون أن نعي.. كم نحن سعداء!
متى تنتهي مواسم الديكة المتقاتلة هناكويبدأ موسم العودة إلى البحر؟
آه تعبنا من الهرولة في الغربة كالسلاطعين..على شطآن ليست لنا..
تعبت من ارتداء وجه لا يخصّنيراكضةً فوق خرائط مكهربة بالثلج والغبار الذري
تلك الذكريات هناك تدميني..من قال "لا بحر في بيروت"؟..
***ها أنا ضالة بدونك، أهيم في الفضاء
مثل بالون أفلتته يد طفل في العيد.. ونسيته!..ها أنت تلتصق بذاكرتي كصداع نصفي..
وتنهش زمني كسمكة قرش مثالية..ها أنا أقفز خلفك
على عكازيّ الأبجدية،وأكاد أسقط على سلالم سوء التفاهم..
دلّني على الدرب إليك لأعود..من قال "لا بحر في بيروت"؟
***أنفاسي المحمومة في الصباحات الباردة
تكتب لك بأصابع البخارعلى زجاج نوافذ محطات الغربة:
النجدة.. النجدة..خذني إليك.. لفّني حولك كالعباءة
ولا تدعني أغادرك أبداً.. كالكفن..آه عبثاً أداعب شعر فراقنا وألاطفه
وأزين له حقيبة سفره بالنياشينوأصفق له مشجعة،
كي يغطس بقدميه في زرقة السفردون أن ينقضّ على ذاكرتي الطاعنة في الحب.. فيوقظها..
عبثاً أقنع نفسي أن حبكيرعبني مثل خابية مليئة بالعظام والجماجم
تحت سريري!..ها أنت تنبض حياةً سرّية وتنتفض داخلي
كقلب طفل مريض تحت خيمة الأوكسجين...من قال "لا بحر في بيروت"،
ولم يختنق بها؟..***
تعبتْ مني باريس،وتعبتُ من السلالم المتحركة للتشرد المعدني،
وأبواب الفنادق الفاخرة العدوانيةالتي تنفتح من تلقاء نفسها
حين تقف أمامها كشبح من مملكة الجنون..تعبت من رائحة سم الصراصير
في المصاعد الخشبية العريقة، الضيّقة كالتوابيت..تعبت من السجاد العفن الفاخر
في البيوت المصفرة كأسنان المحتضرين،وروائح النفتالين تفوح من نوافذ بلا شمس..
وأحجار المباني الصلدة بالغطرسة، المحيطة بيشواهد متعددة الأشكال على قبري..
تعبت من رائحة "ماء جافيل"في ملاءات فنادق الغربة
وأنا أنسل إليها حاملة حيرتي ووحشتيوأغادرها فجراً مزرقة كالجثة في الترعة..
تعبت يا حبيبي من ذاكرة مضرجة بالأشواقمثخنة بالوطن، فهلا علمتني كيف أنسى
كما نسي الآخرون مؤكدين: "لا بحر في بيروت"؟***
تعبت من الإجابة على السؤال التاريخي:"من أين أنت"؟.. "من أي بلد"؟
تعبت من إلقاء تحية الصباح بالفرنسية،والإنكليزية والألمانية والإيطالية والسويدية والبولونية
والسيريلانكية..أريد أن أعود إلى هناك.. وأحبك هناك..
وأغسل جرحي بالبحر هناك..من قال "لا بحر في بيروت"؟....
_________12-2-1988
عن القصيدة
«لا بحر في بيروت!» من شعر غادة السمان، وتقع في ٣٧ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.