ما وراءَ حنجرة المغنِّي
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: البسيط
«ما وراءَ حنجرة المغنِّي» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف التاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مقاطع من قصيدة طويلة — على السُّهولِ التي تمتدُّ في لغتي
ما زال ينمو معي عنقودُ موهبتي — ما للقصائدِ من حَدٍّ لأختمَها..
يفنَى خيالي ولا تفنَى مُخَيَّلَتي! — في صِحَّةِ (الشِّعرِ).. ألوي من زجاجتِهِ
جيداً، وأسكبُ (تشبيهي) و(توريتي) — لي خمرةٌ شابهتني في غوايتِها
من (تاءِ تأنيثِـ)ـها استوحيتُ قافيتي — كأنَّني - والحُمَيَّا حين تُرْعِشُني-
عَلِقْتُ ما بين أسلاكٍ (مُكَهْرَبَةِ)! — أغتالُ نشوةَ كأسي حين آنَسُها
تُرغي بخمرةِ أسلافي على شفتي — عُذرُ (المذنَّب) إذْ يعصي مجرَّتَهُ
عُذري لأُولدَ من أحشاءِ معصيتي — ***
مضَـى أبـي وتَبَقَّتْ لي وَصِيَّتُهُ: — كُنْ كامرئِ القيسِ واخلدْ في (مُعَلَّقَةِ)!
كُنْ صورةَ الحزنِ في (السَّيَّابِ) منطفئًا — كالليلِ يبكي على (عمياءَ مومسةِ)!
لا تُشْقِنِي يا أبـي.. لا تُعْطِنِي شَفَةً — أشدو بها.. لا تَلِدْنـي عبر أُغنيتي
لا تَسْتَعِدْ لي مشاويراً وأرصفةً.. — إنـِّي ابتكرتُ مشاويري وأرصفتي
يرقى بِـيَ الوَرَقُ العالي على دَرَجٍ — من البياضِ إلى آفاقِ مملكتي
للمفرداتِ لحاءَاتٌ أُقَشِّـرُها — على يَدَيَّ وأحيا عُرْيَ مفردتي!
ما أتعسَ الغصنَ حظاًّ حين تفطمُهُ — فأسٌ ويكبرُ في أحضانِ مقلمتي!
*** — طيرُ النبوءةِ لم يبرحْ يُشَبِّهُ لي
في الحُلْمِ أَنِّيَ مخلوقٌ بأجنحةِ! — وحدي ولكنْ أُشَظِّي وحدتـي بَشَراً
فيلتقي في فؤادي كونُ أفئدةِ! — صَلَّيتُ للخلقِ.. كلِّ الخلقِ.. واتَّسَعَتْ
لِماَ وراء خطوطِ الطولِ، صومعتي! — همسُ النسيمِ.. خريرُ النَّهْرِ.. زغردةُ الــ
عصفورِ.. هذي ترانيمي وأدعيَتي — ورُبَّما سجدةٌ تكفي لِتُلْهِمَني
أنَّ السماواتِ باتَتْ تحتَ ناصيتي — في قلبيَ الكُرَةُ الأرضيَّةُ امَّسَحَتْ
من الخطوطِ فقلبي وحدةُ الكُرَةِ! — حُبًّا لهذا الثرى.. حُبًّا يُمانعُني
أنْ أهتدي بنجومٍ غيرِ مُوحِلَةِ! — الحبُّ يشهدُ أنِّي في وثائقِهِ
أسجِّلُ الأرضَ من أفرادِ عائلتي — (واوُ المعيَّةِ) لا تكفي لِتُوصِلَني
بالخلقِ أروعَ ما في الحبِّ من صِلَةِ — الحبُّ يحتاجُ (أفعالاً مضارعةً)
(مرفوعةً) بمعاناتي وتضحيتي — الحبُّ يحتاجُ (حبراً) لا تُطاوِعُهُ
كفَّاهُ في قطعِ شريانٍ بِـ(ـفاصلةِ) — الحبُّ يحتاجُ وقتاً لا يُقاسُ بِهِ
يومٌ يفوتُ بيَومٍ بعدُ لم يَفُتِ — والحبُّ ما الحبُّ في هذا الزمانِ سوى
جَرْوٍ قضَـى نزهةً في كفِّ سَيِّدَةِ! — ***
(بضعٌ وعشرونَ).. فَصَّلتُ الجناسَ لها — تفصيلَ (زِيٍّ) على أعطافِ (عارضةِ)
أهديتُ للرَّمزِ طربوشاً يُظَلِّلُهُ — وما بخلتُ على المعنَى بِقُبَّعَةِ
ذاتي إذا ما نَأَتْ مقدارَ قافيةٍ — عنِّي، دَنَوْتُ إليها قابَ نَرْجِسَةِ!
يأبىَ لِيَ الفَنُّ أنْ آوي إلى حَجَرٍ — ما لم أُغاَدِرْهُ مسكوناً بِلُؤْلُؤَةِ
لا أدَّعي الوحيَ عُلْوِيَّ المدَى، فأنا — لم أنتسبْ لِسماءٍ غير جمجمتي
(بضعٌ وعشرونَ) سهماً كنتُ أطلقُها — صوبَ الحقيقةِ من أقواسِ أسئلتي
والشكُّ فردٌ وحيدٌ لا نصيرَ لهُ — يلوي بميمنةٍ مِنِّي، وميسرةِ
ليتَ اليقينَ الذي طالَتْ أظافرُهُ — يَحُكُّ ما لم أَطَلْ من ظَهْرِ وَسْوَسَتي!
في خارجي ألفُ حربٍ قادَها بَشَرٌ — وداخلي ألفُ حربٍ بين آلهةِ
لو كان للسَّهمِ أنْ يرتدَّ ثانيةً — حَطَّمتُ قوسي وما كَرَّرتُ معركتي!
عدالةُ الريحِ في توزيعِ ثروتِها — تُغري بِأَنْ أَتَمَنَّى الريحَ مقبرتي!
*** — حسبي من الغيبِ دربٌ كنتُ أقطعُهُ
من المشيئةِ حتَّى كفِّ قابِلَتي — عَبَرْتُ بالنَّهْرِ مخفوراً فأَوْقَفَني
في الضِّفَتَينِ على مَهْدٍ وشاهِدَةِ! — بئسَ (العبورُ)! نَزَفْتُ (الأربعينَ) لهُ
وما أَزاَلُ أُوَفِّي أَجْرَ (تذكرتي) — لا حبلَ أعقدُ آمالَ النجاةِ بهِ
إذا الهُوِيَّةُ أَضْحَتْ (بئرَ) هاويتي — (بضعٌ وعشرونَ).. أمشي في مناكبِها
مشيَ العواصفِ إذْ فَوْضايَ خارطتي — فما ائتلقتُ ولونـي لونُ سنبلةٍ !
وما اهتديتُ وطولـي طولُ مئذنةِ! — مُزَمَّلٌ في مزاجِ الريحِ حيث دمي
لا يحتفي بـجِيادٍ غيرِ نافرةِ — هذي تضاريسُ روحي لوْ تَسَلَّقَها
وَعْلٌ لعاَدَ بِأقدامٍ مُجَرَّحَةِ — لا يعرفُ النَّاسُ منِّي غيرَ حنجرةٍ..
يا ليتَهُمْ عَرِفوا ما خلف حنجرتي! — أنا الجمالُ الذي عيناهُ تُنكِرُهُ..
هل بعد ذلك للنُّكرانِ من سَعَةِ؟! — حقلٌ ولكنْ تَخَلَّتْ عنهُ غابتُهُ
فجَفَّ من لَمَعاَنِ القمحِ والذُّرَةِ — سكنتُ إسمي فكان الإسمُ لِي وَطَناً
ولم أغادرْهُ منفياًّ إلى صِفَتي — لا تنسبوني إلى (البئرِ) التي اشْتَرَكَتْ
في ظُلْمِ (يوسفَ).. لا تستغفلوا (أَبَتِي)! — لا تبحثوا وَسْطَ (رحلي) عن مآربِكُمْ..
فما هناكَ (صواعٌ) بين أمتعتي — بلى..(شماغي) دماغي لستُ أنزعُهُ
من فرط ما اتَّحَدَتْ رأسي و(أشمغتي) — يا (إخوةَ) القلبِ.. لم أبرحْ أُعَوِّذُكُمْ
في الحبِّ أنْ تخلطوا مِلْحاً بِسُكَّرَةِ — إنِّي صفحتُ.. فلا تستنهضوا سَبَباً
يسعَى إليَّ على أقدامِ معذرةِ — ما كان (يوسفُ) أحلىَ في وسامتِهِ
من الوسامةِ في صَفْحي ومغفرتي! — ***
يَظَلُّ آخِرَ ما أَشقَى بهاجسِهِ — أنْ يصبحَ الغيبُ سِكِّيناً بخاصرتي
آمنتُ باللحظةِ الحبلَى فشاغَلَني — فردوسُ دنيايَ عن فردوسِ آخرتي
عندي من الزيتِ ما أذكي بهِ قَمَراً — لكنَّني لم أُضِئْ وجهاً لطاغِيَةِ
حسبي من الأرضِ أن ألقَى عناصرَها — تنحلُّ كالعطرِ في أنفاسِ أغنيتي
معي الهواءُ الذي ما مَدَّ لي نَفَساً — إلاَّ ليحرسَ سِرَّ الله في رئتي
معي (الحسينُ) يُماَشيني على دَمِهِ — نحو الخلاصِ ويلوي جيدَ بُوصَلَتي
معي البنفسجُ لم أعبرْ بموسمِهِ — إلاَّ تَوَرَّطْتُ في ذكرىَ بنفسجةِ
معي الطفولةُ ما أنقصتُ حِصَّتَها — -في آخرِ العُمْرِ- من أحلامِ شيطنتي
معي القصيدةُ ما عَرَّيتُ سُرَّتَها — إلاَّ بمقدارِ ما أسقطتُ أقنعتي
لا أدَّعي بغلةَ (الحلاَّجِ) تحملُني — على الطريقِ الذي يُفضـي لِـ(ـرَابِعَةِ)
في ألفِ وادٍ رماني الشوقِ ما لَمَحَتْ — عينايَ (ليلى) وكانتْ ملءَ أوديتي
ليسَ الغيابُ غيابًا بل محاولةٌ — من القصيدةِ أن تُغني عن امرأةِ!
***
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- السهول: السَّهُولُ : الدواءُ المسهِل؛ تَنَاوَل السهولَ ما دام بطنك منقبضا.
- المذنب: المِذْنبُ : الذنَبُ الطويل.-: المِغْرفة؛ لا تسمع عند الأكل إلا صوت المذانب.-: مسيل الماء إلى الأرض ج مَذَانِبُ.
- تاء: : التَّاءُ: حَرْفُ هِجَاءٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ تاءٌ حَسَنَةٌ، وَتُنْسَبُ الْقَصِيدَةُ الَّتِي قَوافِيها عَلَى التَّاءِ تائيّةٌ، وَيُقَالُ تاوِيَّةٌ، وَكَانَ أَبو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسي يَقُولُ بَيَوِيَّة وتَيَوِيَّة؛ ا …
- تشبيهي: جمع: ـات. [ش ب هـ]. (مصدر شَبَّهَ). 1."أَوْرَدَ الشَّاعِرُ تَشْبِيهاً جَمِيلاً" : أَتَى بِصُورَةٍ يُشَبِّهُ فِيهَا مَثَلاً وَجْهَ الْمَرْأَةِ بِالقَمَرِ. 2."رَجُلٌ كَالأَسَدِ" : الكَافُ فِي الجُمْلَةِ أَدَاةُ تَشْبِيهٍ. …
- جيدا: الجَيْدَاءُ : مذ الأجْيَدُ، الطويلة العنق مع حسن ج جُودٌ وجَيْداواتٌ.