بريد من قطاع 50
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كَمَنْ يتعقَّبُ آثار المَطر الذيمشى تحته الرعاةُ،
أنا أكتبُ المشاغبات.نكايةً بما اقترفْتُ من محبَّة
وندماً عَلَىْ كنايات محجوزة في المسْتقْبلِ،أجرِّدُ النِّسورَ من طيرانِها إلى ذكرياتي
كمَنْ يَضَعُ قفْلاً عَلَىْ حياتِه ويهرب.طبول التشابيه تثيرُ فجْراً نائماً منذُ عشرة أيَّام،
نحاس أصواتِ يطرقُ الأبوابَ المحنَّاة منذُ ثلاثة أيام،وأبواقٌ ـ نحاسية أيضاً ـ تتشاجَرُ في ممرَّات الفضاء
مع بيارقَ تخشْخشُ رؤوسُ ألوانها.وبقفْزة واحدة،
كمن عضَّه حلمٌ من نومهِكان الصبيُّ يتخلَّص من شبكة النعاس في سريره
ويتعقَّبُ ـ حافياً ـروائحَ تبتعدُ في طرفِ الزُّقاق.
رُبَّمَاْ لهذا،يَكْتَمِلُ حُلُمِيْ ـ دائماً ـ
وأنا أتمشَّىْ حَاْفِياًوبكاملِ أناقتي في المدينة!
ولا ينتبهُ الناسُ لصرخاتي النائمةوهي تناديني إلى السَّرير.
رُبَّمَاْ لهذا،كلَّما مسحْتُ العرقَ عنْ وجهي
ابتعدْتُ أكثرَ خارجَ النهار.أيقظوه،
فلا ينطقُ من نومٍوكلِّموه،
فهْو لا يُخْبرُ عن حَيَاْة.أمامه صحْراء مقتولين،
وماؤه مختلٌّكأنه يتذكَّر صورتَه.
ليتَه ليهذا الذي ليسَ لأحد،
لأشاهدَ الغيابَممهوراً بإعجابي.
أجراسُ ماءٍأم سماءٌ هدَّها الزلزالُ
أم صافرةُ أوبئةٍ،هذه التي تحْتضنُني في المنام؟
ترْتَفعُ آلامي في هروبِهاكآبارٍ منْزليَّة
يئنُّ طينُها وحيداً آخر الليل.المكان يستبْدلُ حنجرتَهُ
وأنا أسمعُ أنينَ ألعابٍ شعبيةوأنفاسَ درَّاجاتٍ مزركشة
تمضي لقتلِ دروسِها خلفَ التلال.ألغامٌ في النوم،
تتنفَّسُ قبْلَ أشجاريوأحلامي تسْعل في كلِّ اتجاه.
أنا منْذ أن تهندَستْ جثَّتي،أمدُّ يديَّ بعلوِّهما،
مصفِّفاً شعْرَ ملائكةٍ غرْقى،تاركاً قدميَّ تخوضانِ في ملحِ الماضي.
يوميَّاً نلتمُّ،كأنَّنا وباءٌ قادمٌ من حدودٍ أخرى.
يومياً ننْقصُ في الأيام،وأنا أجمعُ غروبَهُم
كما لو انَّ السَّماء تلتقطُ صورةًلأرضِ معْركةٍ غادروها للتوِّ!
كنَّا نتبوَّلُ عَلَىْ ظلال بعْضنا،مشيِّدينَ مجْداً من الكراهية،
وها بعدً أرضٍ مرَّ فوقها القطارُ،ظلالنا جفَّتْ تماماً.
ومجدُنا ما زال.أيضاً كنَّا نكتبُ عَلَىْ الأرْضِ أسماءنا
بمياهِ قضبانِنا الحارة.من يدري
لعلّنا ماء يهربُ من التسْمية؟(الدشاديشُ) المخطَّطةُ،
تلْمعُ إزاءَ منبِّهاتِ الشاحناتِ،وأيدٍ تطشُّ الترابَ عَلَىْ دمٍ من إبهام قدمٍ مهشَّم…
الأرْضُ أيضاً مُصطكَّةُ الأسنان.( الدشاديشُ) ذاتُها
تطْبخُ في قدورٍ سوداءَ،لتفْرَحَ
حتَّى العاشرِ من الحزْنِعندما القدورُ ذاتها
تسْهرُ حتَّى الفجْربالقمْح والخرْفان.
لمْ يتهدَّم أمام عينيَّتمثالُ النعاسِ،
فمنْ سأقاومُ بعدَ نهاري هذا؟الألعابُ
لم نُنجزْها إلى الآن،علينا أن نغادرَ هذه اللعبة،
بلا مراهنات.درَّاجاتٌ رجوليِّة تمرَّ بنا
إلى مواعيدَ خارجَ المدينة.وبما يشبهُ منافساتٍ مع الآلهة
نركضُ خلْفها.طرَفُ( الدشاديش) بين أسناننا
وأفخاذنا الملساءُ النحيفةُترتجفُ
في كسل الوعورة.نحتضنُ أعمدة الكهرباء
كصاعدي النخيل،وبينَ أفخاذنا
يلمعُ ماءُ الشهْوة.لسنا مسنينَ بما يكفي
لفقدانِ العظام في الظلام،وأحدُنا يهربُ
طارقاُ عمودً الكهْرباءبعظامٍ أخرى،
ملوِّحاً بعودةٍ إلى الحَيَاْةِ التي لم نجدْ.هل تركْنا الأبطالَ
وحيدينَ في السينماوعدنا إلى بيوتنا
منْشغلينَبصنعِ أسلحة وأعداء
ننافسُهم في الشوارعوالذكريات.
وهؤلاء أيضاًرجعوا
إلى تركاتهممقوِّسينَ أيَّامَهم
ليمرُّوامن شاشة الحروب.
أكنَّا جميعاً شعراءَ،مفرداتنا الأشياء التي
لا تتشكَّلُ إلاَّ بالخوفِأم ترانا
صيادونَ خائبونيعودونَ إلى منازلِهم
بالشهْرةوأحاديثَ عن المشاهدات؟
منْ شرفةٍ أخيرةٍ،لتوديع زورقٍ مليءٍ بالأقليِّات
صرخْتُ:هذا أنا المتثائبُ خلْفَ جسدهِ.
وهنا تقريباًدفنتُ رأسي بينَ ركبتيَّ
متورِّطاً برحلةٍمع قياصرة
بأكاليلَ مسمومة.بكيتُ تقريباً،
بلا أصدقاء،مع أن الزوْرقَ
لم يتعقَّب مجرى النَّهْر، فقط،أنا أصغر الغرباء عَلَىْ اليابسة.
الماضي ثورٌ في شاحنةنَسيَ عينيه في مكان آخر
وها هو مائلٌ كغيمة في شاحنة!يجدرُ بي أن أحييه
كأننا نرى بعضنا من خُرمِ إبرة.
عن القصيدة
«بريد من قطاع 50» من شعر محمد مظلوم، وتقع في ٧٣ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.