لئن ثلمتْ حدّي صُروفُ النّوائبِ

الشاعر: صفي الدين الحلي · البحر: الطويل

«لئن ثلمتْ حدّي صُروفُ النّوائبِ» من شعر صفي الدين الحلي، من العصر المملوكي، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لئن ثلمتْ حدّي صُروفُ النّوائبِ ... فقدَ أخلصتْ سبَكي بنارِ التَداربِ

وفي الأدبِ الباقي، الذي قد وهبنَني ... عَزاءٌ مِنَ الأموالِ عن كلِّ ذاهبِ

فكَم غايَة ٍ أدركتها غير جاهدٍ ... وكَم رتبة ٍ قد نلْتُها غيرَ طالبِ

وما كلّ وانٍ في الطِّلابِ بمُخطىء ... ٍ ولا كلّ ماضٍ في الأمورِ بصائبِ

سمَتْ بي إلى العَلياء نَفسٌ أبيّة ... ٌ تَرى أقبحَ الأشياءِ أخذَ المواهبِ

بعزمٍ يريني ما أمامَ مطالبي ... ، وحزم يُريني ما وراءَ العَواقبِ

وما عابَني جاري سوى أنّ حاجَتي ... أُكَلفُها مِنْ دونِهِ للأجانِبِ

وإنّ نَوالي في المُلِمّاتِ واصِلٌ ... أباعِدَ أهلِ الحيّ قبلَ الأقاربِ

ولَيسَ حَسودٌ يَنْشُرُ الفَضلَ عائباً ... ولكنّهُ مُغرًى بِعَدّ المَناقبِ

وما الجودُ إلاّ حلية ٌ مُستجادَة ٌ ... ، إذا ظَهَرَتْ أخفَتْ وُجوهَ المَعائبِ

لقد هَذّبَتني يَقظَة ُ الرّأيِ والنُّهَى ... إذا هَذّبتْ غَيري ضروبُ التجارِبِ

وأكسَبَني قَومي وأعيانُ مَعشَري ... حِفاظَ المَعالي وابتذالَ الرّغائِبِ

سَراة ٌ يُقِرُّ الحاسدونَ بفَضلِهِم ... كِرامُ السّجايا والعُلى والمناصِبِ

إذا جَلَسوا كانوا صُدورَ مَجَالسٍ ... وإنْ رَكِبوا كانوا صُدورَ مَواكِبِ

أسودٌ تغانتْ بالقَنا عن عَرينِها ... ، وبالبيضِ عن أنيابِها والمخالِبِ

يجودونَ للرّاجي بكلّ نفيسة ... ٍ لديهِمْ سوى أعراضِهِم والمنَاقِبِ

إذا نَزَلوا بطنَ الوِهَادِ لغامِضٍ ... من القَصدِ، أذكوا نارَهم بالمناكِبِ

وإن ركَزُوا غِبّ الطّعانِ رِماحَهُمْ ... رأيتَ رؤوسَ الأُسدِ فوقَ الثّعالِبِ

فأصبَحتُ أفني ما ملكتُ لأقتَني ... به الشّكرَ كَسباً وهوَ أسنى المكاسِبِ

وأرهنُ قولي عن فِعالي كأنّهُ ... عَصا الحارثِ الدُّعمي أو قوس حاجبِ

ومن يكُ مثلي كاملَ النفسِ يغتَدي ... قليلاً مُعادِيه كثيرَ المُصاحِبِ

فَما للعِدى دَبّتْ أراقِمُ كَيدِهمْ ... إليّ، وما دَبّتْ إليَهِمْ عقَارِبي

وما بالُهُمْ عَدّوا ذُنُوبي كَثيرَة ... ً وماليَ ذَنبٌ غَيرَ نَصرِ أقارِبي

وإنّي ليُدمي قائمُ السّيفِ راحَتي ... إذا دَمِيَتْ منهم حدُودُ الكَواعِبِ

وما كلّ مَن هَزّ الحُسامَ بضارِبٍ ... . ولا كلّ مَن أجرَى اليَراعَ بكاتِبِ

وما زِلتُ فيهِم مثلَ قِدحِ ابن مُقبلٍ ... بتسعينَ أمسَى فائزاً غَيرَ خائِبِ

فإنْ كَلّموا مِنّا الجُسومَ، فإنّها ... فُلُولُ سيوفٍ ما نبَتْ في المَضارِبِ

وما عابَني أنْ كلّمتني سيوفُهمْ ... إذا ما نَبَتْ عنّي سيوفُ المَثالِبِ

ولمّا أبَتْ إلاّ نِزالاً كُماتُهُمْ ... درأتُ بمُهري في صُدورِ المقَانِبِ

فَعَلّمتُ شَمّ الأرضِ شُمّ أُنوفِهِمْ، ... وعودتُ ثغرَ التربِ لثمَ التَرائبِ

بطرفٍ، علا في قَبضهِ الريحث، سابح، ... لهُ أربْعٌ تَحكي أناملَ حاسِبِ،

تلاعبَ أثناءَ الحُسامِ مزاحُهُ، ... وفي الكريبدي كرة ً غيرَ لاعبِ

ومَسرودَة ٍ من نَسجِ داودَ نَثرَة ... ٍ كلمعِ غديرٍ، ماؤهُ غيرُ ذائبِ

وأسمَرَ مَهزوزِ المَعاطفِ ذابِلٍ، ... وأبيَضَ مَسنونِ الغِرارينِ قاضِبِ

إذا صَدَفَتهُ العَينُ أبدَى تَوقَّداً ... ، كأنّ على متنيهِ نارَ الحباجبِ

ثنى حَدَّهُ فَرطُ الضُرابِ، فلم يزَل ... حديدَ فِرِندِ المَتنِ رَثّ المَضارِبِ

صدعتُ بهِ هامَ الخطوبِ فرعنَها ... بأفضَلِ مَضُروبٍ وأفضَلِ ضارِبِ

وصفراءِ من روقِ الأراوي نحيفة ... ٍ، غذا جذبتْ صرتْ صريرَ الجنادِبِ

لها وَلَدٌ بَعدَ الفِطامِ رَضاعُهُ ... يسر عقوقاً رفضُهُ غيرُ واجِبِ

إذا قرّبَ الرّامي إلى فيهِ نحرَهُ ... سعَى نحوَهُ بالقَسرِ سعيَ مجانبِ

فيُقبِلُ في بُطْء كخُطوَة ِ سارِقٍ، ... ويدبرُ في جريٍ كركضة ِ هاربِ

هناكَ فجأتُ الكَبشَ منهمْ بضَرْبَة ... ٍ فرَقْتُ بها بَينَ الحَشَى والتّرائبِ

لدَى وقعَة ٍ لا يُقرَعُ السمعُ بينَها ... بغيرِ انتدابِ الشُّوسِ أو ندبِ نادِبِ

فقُلْ للذي ظَنْ الكِتابة َ غايَتي، ... ولا فَضلَ لي بينَ القَنا والقَواضِبِ

بحدّ يَراعي أمّ حُسامي علَوتُهُ ... ، وبالكتُبِ أردَيناهُ أمْ بالكتَائِبِ

وكم لَيلَة ٍ خُضتُ الدُّجى ، وسماؤهُ ... مُعَطَّلَة ٌ من حَلْيِ دُرّ الكَواكِبِ

سريَتُ بها، والجَوُّ بالسُّحبِ مُقتِمٌ ... ، فلمّا تبَدّى النَجمُ قلتُ لصاحبي:

اصاحِ ترى برقاً أريكَ وميضَهُ ... يُضيءُ سَناهُ أم مَصابيحَ راهِبِ

بحَرْفٍ حكَى الحَرفَ المُفخَّمَ صَوتُها ... سليلَة ِ نُجبٍ أُلحِقَتْ بنَجائبِ

تعافُ ورودَ الماءِ إن سَبَقَ القَطا ... إليهِ، وما أمّتْ بهِ في المشاربِ

قطعتُ بها خوفَ الهوانِ سباسباً ... ، إذا قلتُ تمّتْ أردَفَتْ بسبَاسبِ

يسامرني في الفِكرِ كلُّ بديعة ... ٍ مُنَزَّهَة ِ الألفاظِ عن قَدحِ عائبِ

يُنَزّلُها الشّادونَ في نَغَماتِهِمْ ... ، وتحدو بها طوراً حُداة ُ الركائبِ

فأدركتُ ما أمّلْتُ من طَلبِ العُلا، ... ونزهتُ نفسي عن طِلابِ المواهبٍ

ونِلتُ بها سُؤلي منَ العِزّ لا الغِنَى ... ، وما عُدّ مَن عافَ الهِباتِ بخائِبٍ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:

  • التدارب: درب: الدَّرْبُ: مَعروف. قَالُوا: الدَّرْبُ بابُ السِّكَّة الواسِعُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: الواسِعة، وَهُوَ أَيضاً البابُ الأَكبَر، وَالْمَعْنَى واحدٌ، والجمع دِرابٌ. أَنشد سِيبَوَيْهِ: مِثْل الكِلابِ، تَهِرُّ عِنْدَ دِرابِ … (لسان العرب)
  • الطلاب: طلب: الطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه. والطِّلْبَةُ: مَا كَانَ لكَ عِنْدَ آخرَ مِنْ حَقٍّ تُطالِبه بِهِ. والمُطالَبة: أَن تُطالِبَ إِنساناً بِحَقٍّ لَكَ عِنْدَهُ، وَلَا تَزَالُ تَتَقاضاه وتُطالبه بِذَلِكَ … (لسان العرب)
  • المواهب: وَهَبَ: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الوَهَّابُ. الهِبةُ: العَطِيَّة الخاليةُ عَنِ الأَعْواضِ والأَغْراضِ، فإِذا كَثُرَتْ سُمِّي صاحِبُها وَهَّاباً، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالغة. غَيْرُهُ: الوَهَّابُ، مِنْ صفاتِ اللَّهِ … (لسان العرب)
  • بصائب: صيب: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة[[. قوله الصياب والصيابة [إلخ] بشد التحتية وتخفيفها على المعنيين المذكورين كما في القاموس وغيره.]]: أَصلُ الْقَوْمِ. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ؛ أَنشد ثعلب: إِني وَسَ … (لسان العرب)
  • ثلمت: ثلم: ثَلَمَ الإِناءَ والسيفَ ونحوَه يَثْلِمُهُ ثَلْماً وثلَّمه فانْثَلَم وتَثَلّم: كَسَرَ حَرْفَه. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ فِي الإِناء ثَلْم إِذا انْكَسَرَ مِنْ شَفَتِه شَيْءٌ، وَفِي السَّيْفِ ثَلْم. والثُّلْمة: الْمَ … (لسان العرب)
  • جاهد: جهد: الجَهْدُ والجُهْدُ: الطَّاقَةُ، تَقُولُ: اجْهَد جَهْدَك؛ وَقِيلَ: الجَهْد الْمَشَقَّةُ والجُهْد الطَّاقَةُ. اللَّيْثُ: الجَهْدُ مَا جَهَد الإِنسان مِنْ مَرَضٍ أَو أَمر شَاقٍّ، فَهُوَ مَجْهُودٌ؛ قَالَ: والجُهْد لُغَة … (لسان العرب)
  • حاجتي: الحَاجَة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبّته، وجمعها: حَاجٌ وحاجات وحوائج، وحَاجَ يَحُوجُ: احتاج، قال تعالى: ﴿إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ [يوسف : 68] ، وقال: ﴿حاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر : 9] ، والحَوْجَاء: … (مفردات الراغب)

قصائد ذات صلة

  • لئن حكمت بفرقتنا الليالي
  • شمس النهار بحسن وجهك تقسم
  • لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا
  • سلي الرماح العوالي عن معالينا
  • وحق من لا سواهم عندي القسم
  • من عاشق ناء هواه دان
  • كان الزمان بلقياكم يمنينا
  • كن عن همومك معرضاً