بين يديك أيُّها العالم

الشاعر: رياض الصالح الحسين · البحر: المتدارك

«بين يديك أيُّها العالم» من شعر رياض الصالح الحسين، وتقع في 103 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

فلتأتِ إليَّ الآن — فلتأتِ إليَّ الآن

الباب مفتوح و النافذة مفتوحة — و كل ما هو لي

و كل ما هو ليس لي — و كل ما رأيته و عشته و انتظرته

ينتظرك الآن: — المائدة و السرير و الضوء و رائحة جسدي

العشب و الأسماك و الأزهار و قلبي — كل شيء ينتظرك

كل شيء ينتظرك — فلتأتِ إليَّ الآن

إنَّ الزمن لا يتغيَّر أبدًا — إنَّ الزمن لم يتغيَّر قط

فالصيف كالخريف — و السبت يشبه الأحد و الأربعاء

أمَّا الذي تغيَّر دونما انقطاع — فهو نحن

نحن الذين نذهب إلى الحروب و المصانع و المراعي — و نبتكر كل ما له علاقة بنا:

الرصاص و الخبز — السجون و الحريَّة

السجائر و أقلام الرصاص — السكاكين و الورق و الأغاني

الألعاب و القيود و المبيدات الحشريَّة — إنَّنا نفعل كلّ ما نستطيع

بين يديك أيُّها العالم — ..

بين يديك أيُّها العالم — دمي يسيل الآن

يسيل و أراه — يسيل و يتبعثر و يتشابك و يفترق

ينحني و ينكسر و يميل يسارًا و يمينًا — إنَّهُ دمي أيُّها العالم

دمي الصامت الثرثار — الذي يرسم بنفسه صورتي الشخصيَّة

و وجه من أحبُّ و أكره — ..

بين يديك أيُّها العالم — متدفِّق و منطوٍ

بعيد و قريب — أتنقَّل من شارع إلى جدار

و من صديق إلى قاتل — و من أغنية إلى غبار

أتنقَّل و أتنقَّل — حاملاً خضاري و قمحي و كراريسي

بنادقي و زهوري و فراغي — دونما راحة و دونما تعب

ذلك أنَّني أعيش لأتساءل — أو أتساءل لأعيش:

ما الذي فعلت بنفسك يا هاملت؟ — و ما الذي تنتظرينه يا بنلوب؟

و ماذا أعطت لك الحياة يا سقراط؟ — و لم تثير رعبنا يا هيتشكوك؟

و أنتَ يا أبي... — أيُّها السكِّير، المريض، المقامر

أيُّها الحالم، الطيِّب، المسكين — أما زلت تتناول عشاءك المعتاد

بيضتين مسلوقتين — قليلاً من الزبدة

نصف رغيف — و همومًا كاملة

و أنتِ يا أمِّي... — أيَّتها الشجرة التي لم تثمر غيري

أما زلتِ تنامين باكرًا — عاريةً إلاَّ من أوراقك الخضراء

الخضراء دائمًا بين يدي العالم؟. — ..

بين يديك أيُّها العالم: — النافذة مشرعة و أنا وحيد

(من يأتي إلى من) — الأضواء ساطعة و أنا معتم

(من يضيئني من) — السفر... السفر... السفر...

هو ما أريد — الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة

هي ما أطلب — أن أضمَّ المرأة

و أسحب القمر من أنفه إلى غرفتي — أن أرقص و أرقص و أرقص

حتَّى تتعب الموسيقى — أن أحملك أيُّها العالم

أهدهدك كطفل — و أزعل منك إذا أخطأت في الحساب

أن آكل و أعمل و أشرب و أتنفَّس — كما يفعل المبدع الصغير الكبير

الذي يزرع القمح بين الصخرة و الصخرة — و يترك للطفل حريَّة الحركة و البكاء

المبدع الصغير الكبير — الذي يشبك يديه خلف ظهره

في العطلات الأسبوعيَّة — سعيدًا ببطاله النظيف

و ذقنه الحليقة — إبنك أيُّها العالم

إبنك الطويل، القصير، البدين، النحيل، الذكر، الأنثى، العاجز، العطشان، الخائف، المضيء، المتردِّد، المباشر، الصادق، البسيط، المغامر، المجنون... — إبنك الذي من سهول و ماعز و مطر كثيف

الضائع بين سبارتاكوس و نيرون — بين يسوع و يهوذا

الذي جرَّبَ كل شيء — و لم يتوصَّل إلى شيء

لأنَّهُ... — لأنَّهُ ما زال بين يديك أيُّها العالم.

.. — ... و أنا أنتظرك الآن

حزينًا كرسالة لم تصل — و وحيدًا كفزَّاعة عصافير

أنتظرك و أعرف أنَّك معي — رجلاً و امرأة و طفلاً

طيرًا و موسيقى و غابة و طريقًا طويلاً... — و سواء كنت في العمل أو البيت أو الشارع

أراك و أعرفك — أفتقدك و أسأل عنك

و أينما ذهبت سأتبعك — و كُلَّما التقيتك سأهرب منك

لكنَّني دائمًا... دائمًا — أفتح لك الباب و قلبي

و أقول تعال — قبّلني قبّلني قبّلني

قبّلني قبّلني قبّلني — هذه أصابعي و هاتان عيناي

هذه أظافري و أنيابي — و هذا هو جسدي

دافئًا و بردان و محمومًا — و هذه هي نفسي

فارغة إلاَّ من الصخور و الرمال — و ممتلئة بكل شيء

و كل شيء لا يستطيع احتواءها — حتَّى أنت...

حتَّى أنت أيُّها العالم. — ..

بين يديك أيُّها العالم — أعدُّ حروبي و هزائمي و انتصاراتي

و أسجِّلُ أسماء الجلاَّدين و الضحايا — أسماء العشاق و الفاشلين و المغامرين و المضطهَدين

و لا أنسى إسمي — إسمي الوحيد، المتكرِّر، المتفرِّد

الذي يعرفه الجميع و لا يعرفه أحد — محمود أو الياس أو مريم

رياض أو سوزان أو عادل... — ما الذي يهمّني من ذلك؟

فالجميع يحبُّون و يكرهون و يزورون المقابر — (على الأقلّ مرَّة واحدة بعد عمر مديد)

و الجميع عندما ينامون — ينامون بطريقة واحدة و مختلفة

و لذلك لا نختلف في شيء — سوى أن بعضنا ينام بعين مفتوحة

و بعضنا لا ينام أبدًا — و بعضنا ينام دائمًا:

في قبر، أو حانة، أو وظيفة — في صحيفة، أو كتاب، أو متحف

و الجميع الجميع — يملكون الأيدي و الرقاب و الصدور و الذكريات

غير أنَّ بعضهم لا يملكون القلب — و بعضهم قلوبهم سوداء

و بعضهم رموا قلوبهم في البالوعات و استراحوا — استراحوا بين يديك أيُّها العالم

.. — بين يديك أيُّها العالم

أدور و أدور و أدور — كدواليب الحظ

ثمَّ أتوقَّف على رقم — لا علاقة لي به

و سواء كنت ورقة يانصيب خاسرة أو رابحة — و سواء كنت رقمًا أحاديًّا أو مزدوجًا

فالحصان الخاسر لن ينال الجائزة — و الحصان الرابح لن يجني سوى القليل أو الكثير من التبن و الذرة

أمَّا الرابح الوحيد — فهو الذي يملك الحصان و يقوده و يوجِّهه

الرابح الوحيد — صاحب المهماز و السوط و القبضتين الفولاذيَّتين

و أنا ملكك أيُّها العالم — أنا جوادك الخاسر

و نحن ملكك أيُّها العالم — نحن جيادك الخاسرة

ننطلق و ننطلق و ننطلق — و أخيرًا إلى الاسطبلات نعود.

.. — بين يديك أيُّها العالم

المدراس — الأصدقاء

الثقافة — التاريخ

و الدولة هي الدولة — بين يديك أيُّها العالم

نحن لسنا سعداء — بين يديك أيُّها العالم

نحن لسنا تعساء — نحن لا شيء البتَّة

هذا ما يقوله النسيم — و هذا ما تقوله أمريكا

بين يديك أيُّها العالم — نردِّد الكلمات

الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة — الخبز... الخبز... الخبز

الحب... الحب... الحب — إنَّنا نردِّد الكلمات

منذ توت عنج آمون — و حتَّى آخر جثَّة في بيروت الشرقيَّة

الخبز أيَّتُها الأمم المتَّحدة و المتفرِّقة — الحب أيُّها الله

الحريَّة أيَّتُها الأصفاد و الأسلاك الشائكة — و الحياة... الحياة

بين يديك أيُّها العالم — __________

شباط – 1980

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.

تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • السبت: سبت: السِّبْتُ، بِالْكَسْرِ: كلُّ جلدٍ مَدْبُوغٍ، وَقِيلَ: هُوَ المَدْبُوغ بالقَرَظِ خاصَّةً؛ وخَصَّ بعضُهم بِهِ جُلودَ البَقر، مَدْبُوغَةً كَانَتْ أَم غيرَ مَدْبُوغَةٍ. ونِعالٌ سِبْتِيَّة: لَا شَعَرَ عَلَيْهَا. الْجَوْه …
  • فالصيف: صيف: الصَّيْفُ: مِنَ الأَزمنةِ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَصْيَافٌ وصُيُوفٌ. ويومٌ صَائِفٌ أَي حارٌّ، وَلَيْلَةٌ صَائِفَة. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَرُبَّمَا قَالُوا يَوْمٌ صَافٌ بِمَعْنَى صَائِفٍ كَمَا قَالُوا يَوْمٌ راحٌ ويو …
  • كالخريف: الخَرِيفُ : فصل من فصول السنة يقع بين الصَّيف والشِّتاء؛ في الخريف تتساقط أوراق الأشجار / خريفُ العُمُر، هو نهايته. -: المطر في فصل الخريف أو أوّل مطرة في أوْل الشِّتاء. -: الرُّطَبُ الذي يُقطف في الخريف؛ لبنٌ خَريفٌ أي …

قصائد ذات صلة

  • هيروشيما
  • غرفة السائح
  • ورق
  • حياتنا الجميلة
  • الحريَّة
  • دائمًا II
  • سورية
  • جدار