تراءت لنا والبدر وهنا على قدر
الشاعر: الأبيوردي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رومانسية
«تراءت لنا والبدر وهنا على قدر» من شعر الأبيوردي، من العصر الأندلسي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة رومانسية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَراءَتْ لنا والبدْرُ وَهْناً على قَدْرِ — فحَطَّتْ لِثامَ الليلِ عن غُرّةِ الفَجْرِ
بَدَتْ إذْ بَدا والحَليُ عِقْدٌ ومَبسِمٌ — وليسَ لهُ حَليٌ سوى الأنْجُمِ الزُّهرِ
فقُلتُ لصَحْبي والمطيُّ كأنّها — قَطاً بِجنوبِ القاعِ منْ بَلَدٍ قَفْرِ
أأحْلاهُما في صَفَعةِ الليلِ مَنْظَراً — أمَيمَةُ أم رأْيُ المُحِبِّ فلا أدري
أجلْ هِيَ أبْهى أينَ للبَدر زينَةٌ — كعِقْدَينِ من نَحرٍ وعِقْدَينِ من ثَغْرِ
مُهَفْهَفَةٌ كالرّيمِ تُرسِلُ نَظْرَةً — بِها تَنْفُثُ الحَسْناءُ في عُقَدِ السِّحرِ
بنَجلاءَ تَشكو سُقْمَها وهْوَ صِحّةٌ — إذا نَظَرَتْ لا تَسْتَقِلُّ منِ الفَتْرِ
كأنّي غَداة البَينِ منْ رَوعَةِ النّوى — أُقَلِّبُ أحْناءَ الضّلوعِ على الجَمْرِ
نأتْ بَعدَما عِشْنا جَميعاً بغِبْطَةٍ — وأيُّ وِصالٍ لم يُرَعْ فيه بالهَجْرِ
إذا ابْتَسَمَتْ عُجْباً بَكَيْتُ صَبابةً — فمِن لُؤلُؤٍ نَظْمٍ ومِنْ لُؤلؤٍ نَثْرِ
يُذَكّرُنيها البَرقُ حين أَشيمُهُ — وإنْ عَنَّ خِشْفٌ بِتُّ منْها على ذِكْرِ
وهَبْنيَ لا أرمي بطَرفي إلَيْهِما — فأذْكُرُها الشان في الشّمسِ والبَدْرِ
وقد غَرِيَتْ بالبُعْدِ حتّى بودّها — وبالبُخْلِ حتى بالخَيالِ الذي يَسْري
وبالهَضْبَةِ الحَمْراءِ منْ أيمَنِ الحِمى — لهَا مَنزِلٌ ألْوَتْ بهِ نُوَبُ الدّهْرِ
كأنّ بقايا نَشْرِها في عِراصِهِ — تَبُثُّ أريجَ المِسْكِ بالجُرَعِ العُفْرِ
فَلا بَرِحَتْ تَكْسوهُ ما هَبّتِ الصَّبا — أنامِلُ منْ قَطْرٍ غَلائِلَ منْ زَهْرِ
حَمَتْهُ سُراةُ الحَيِّ غُنْمُ بنُ مالِكٍ — وإخوَتُها الشّمُّ العَرانينِ منْ فِهْرِ
بصُيّابَةٍ مَجْرٍ وكُرّامَةٍ ثُبًى — ومُرهَفَةٍ بيضٍ ومُشرَعَةٍ سُمْرِ
وكَمْ فيهمُ منْ صارِخٍ ومُثَوِّبٍ — ومنْ مَجلِسٍ فَخْمٍ ومنْ نِعَم دَثْرِ
وسِرْبِ عَذارى بينَ غابٍ منَ القَنا — كَسِربِ ظِباءٍ في ظِلالٍ منَ السِّدْرِ
سَمَوْتُ لها والليلُ رَقَّ أديمُهُ — وكادَ يَقُصُّ الفَجْرُ قادِمةَ النَّسْرِ
ورُمنا عِناقاً نَهْنَهَتْ عنهُ عِفّةٌ — شَديدٌ بِها عَقْدُ النِّطاقِ على الخَصْرِ
ولمْ تَكُ إلا الوُشْحُ فينا مُذالَةً — وإنْ حامَ بي ظنُّ الغَيورِ على الأُزْرِ
وإني لَيُصْبيني حَديثٌ ونَظرَةٌ — يُعارِضُها الواشونَ بالنّظَرِ الشَّزْرِ
حَديثٌ رقيقٌ منْ سُعادَ كأنّها — تَشوبُ لَنا ماءَ الغَمامَةِ بالخَمْرِ
فما راعَنا إلا الصّباحُ كَما بَدا — مِنَ الغِمْدِ حَدُّ الهِنْدوانِيِّ ذي الأَثْرِ
ومنْ عَجَلٍ ما لَفَّ جيداً وداعُنا — بِجيدٍ ولا نَحْراً أضَفْنا إِلى نَحْرِ
فعُدْتُ أجُرُّ الذّيْلَ والسّيفُ مُنْتَضًى — وهُنَّ يُبادِرْنَ الخِيامَ على ذُعْرِ
وقَدْ مُحيَتْ آثارُها بذُيولِها — سِوى ما أعارَتْهُ التّرابَ منَ النَّشْرِ
مَشَيْنَ فعَطَّرْنَ الثّرى بِذَوائِبٍ — غَرِضْنَ بسِرّي لا نُفِضْنَ منَ العِطْرِ
كما نَمَّ حسّانُ بنُ سَعدِ بنِ عامِرٍ — بِغُرِّ مَساعِيهِ على كَرَمِ النَّجْرِ
أخو هِمَمٍ لمْ يَمْلأِ الهَولُ صَدْرَهُ — ولا نالَهُ خَطْبٌ بِنابٍ ولا ظُفْرِ
يُلاحِظُ غِبَّ الأمرِ قَبلَ وقُوعِهِ — ويَبلُغُ ما لا تَبلُغُ العَيْنُ بالفِكْرِ
ويَنظِمُ شَمْلَ المَجْدِ ما بَيْنَ مِنحَةٍ — عَوانٍ وتَصْميمٍ على فَتْكَةٍ بِكْرِ
إذا المُعْضِلاتُ استَقْبَلَتْ عَزَماتِهِ — فلَمْ يَلتَفِتْ إلا إِلى حادِثٍ نُكْرِ
نَكَصْنَ على الأعقابِ دونَ ارتيابِهِ — تَعَثّرُ في أذيالِهنَّ على صُغْرِ
وإنْ كان يومٌ غادَرَ المَحْلُ أُفْقَهُ — يَمُجُّ نَجيعاً وهْوَ في حُلَلٍ حُمْرِ
فَزِعْنا إليه نَمْتَري من يَمينِهِ — سَحائِبَ يَسْحَبْنَ الضُّروعَ منَ الغُزْرِ
أقَمْنا صُدورَ الأرحَبيَّةِ نَحْوَهُ — طَوالِبَ رِفْدٍ لا بَكِيٍّ ولا نَزْرِ
فمَدَّت لنا الأعناقَ طَوعاً وما اتّقَتْ — بِلَيِّ خُدودٍ في أزِمَّتِها صُعْرِ
تُرَنِّحُها ذِكراهُ حتّى كأنّنا — نَهُزُّ بِها أعْطافَهُنّ منَ السُّكْرِ
ويَسلُبُها السَّيْرُ الحَثيثُ مِراحَها — إِلى أنْ يَعودَ الخَطْوُ أقْصَرَ منْ شِبْرِ
وذي ثَرْوَةٍ هَبَّتْ بهِ خُيَلاؤُهُ — ومَنْشَؤُهُ بينَ الخَصاصَةِ والفقْرِ
دَعاها فَلوْ أصْغَتْ إليه مُجيبَةً — لقُلْتُ عَثَرْنا لا لَعاً لكَ منْ عَثَرِ
فَجاءَتْهُ لمْ تَذْمِمْ إليهِ طَريقَها — ولَمْ تَثْوِ منْ واديهِ بالمَبْرَكِ الوَعْرِ
وبالنَّظْرةِ الأولى تَيَقّنْتُ أنّهُ — إذا مُدِحَ اختارَ الثّناءَ على الوفْرِ
فَساقَ إلينا ما نَروم منَ الغِنى — وسُقْنا إليهِ ما يُحِبُّ منَ الشُّكْرِ
فَلا أحْسَبُ العَصْرَ الذي قد طَوَيْتُهُ — لَدى غَيْرِهِ طَيَّ الرِّداءِ منَ العُمرِ
ألَمْ آتِهِ والدَّهْرُ في غُلَوائِهِ — قَليلَ غِرارِ النّومِ مُنتَشِرَ الأمرِ
فأعْذَبَ منْ شِربي بِما مَدِّ منْ يَدي — وآمَنَ منْ سِرْبي بما شَدَّ منْ أزْري
وخَوّلني ما ضاقَ ذَرْعُ المُنى بهِ — منَ البِشْرِ في أثناءِ نائِلهِ الغَمْرِ
وقلَّدْتُهُ مَدْحاً يَروضُ لهُ الحِجَى — قَوافيَ لا تُعطي القِيادَ على القَسْرِ
إذا ما نَسَبْناهُنَّ كانَ انتِماؤُها — إليهِ الدُّرِّ يُعْزَى إِلى البَحْرِ
لَنِعْمَ مُناخُ الرَّكْبِ بابُكَ للوَرى — وآلُ عَدِيٍّ نِعْمَ مُنتَجَعُ السَّفْرِ
تُفيضُ ندىً غَمْراً ويُثْني عُفاتُهُ — علَيكَ كما تُثْني الرّياضُ على القَطْرِ
فعِشْ طَلَقَ الأيامِ للمَجْدِ والعُلا — صَقيلَ حَواشي العِرْضِ في الزّمنِ النَّضْرِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- القاع: القَاعُ [قوع]: القعرُ؛ قاعُ البحر/ قاع البئر.-: أرض مستوية مطمئنَّة عمّا يحيط بها من الجبال والآكام وَيَسْألُونَكَ عنِ الْجِبَال فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفًا ج أَقْوَاعٌ وقِيعَان وقَيَعٌ …
- بجنوب: الجَنُوبُ : الجِهَةُ المقابلة للشَّمال، تقع مدينتنا في جنوب البحر الأبيض المتوسط.-: الريحُ التي تهبُّ من جهة الجنوب؛ هبَّت علينا جَنُوبٌ حارّةٌ/ ريحُهُما جَنُوبٌ، أي هما متصافيان ج جَنَائبُ.
- بنجلاء: النَّجْلاءُ : مذ أنْجَلُ.- من العيون: الواسعة الحسنة؛ طعنةٌ نجلاءُ، أي واسعةٌ/ ليلةٌ نجلاءُ، أي طويلةٌ ج نُجْلٌ.
- ترسل: تَرَسَّلَ يَتَرَسَّلُ تَرَسُّلاً : ـ في الأَمرِ: تمهّل فيه وترفَّقَ؛ ترسَّل الباحثُ في دراسة الموضوع متوخّياً الدِّقة. ـ الكاتبُ: أتى بكلامِهِ مرسلاً غير مسَّجع؛ يندر أن يترسل الكُتَّابُ المعاصرون فيما يكتبون. ـ في القعو …
- سقمها: سقم: السَّقامُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ: المَرَض، لُغَاتٌ مِثْلَ حُزْنٍ وحَزَنٍ، وَقَدْ سَقِمَ وسَقُمَ سُقْماً وسَقَماً وسَقاماً وسَقامَةً يَسْقُمُ، فَهُوَ سَقِم وسَقِيمٌ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالْجَمْعُ سِقامٌ جاؤوا بِهِ عَ …