الدهر يوعد فرقة وزوالا
الشاعر: ابو العتاهية · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة عامة
«الدهر يوعد فرقة وزوالا» من شعر ابو العتاهية، من العصر العباسي، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الدَهرُ يوعِدُ فُرقَةً وَزَوالا — وَخُطوبُهُ لَكَ تَضرِبُ الأَمثالا
يا رُبَّ عَيشٍ كانَ يُغبَطُ أَهلُهُ — بِنَعيمِهِ قَد قيلَ كانَ فَزالا
يا طالِبَ الدُنيا لِيُثقِلَ نَفسَهُ — إِنَّ المُخِفَّ غَداً لَأَحسَنُ حالا
إِنّا لَفي دارٍ نَرى الإِكثارَ لا — يَبقى لِصاحِبِهِ وَلا الإِقلالا
أَأُخَيَّ إِنَّ المالَ إِن قَدَّمتَهُ — لَكَ لَيسَ إِن خَلَّفتَهُ لَكَ مالا
أَأُخَيَّ كُلٌّ لا مَحالَةَ زائِلٌ — فَلِمَن أَراكَ تُثَمِّرُ الأَموالا
أَأُخَيَّ شَأنَكَ بِالكَفافِ وَخَلَّ مَن — أَثرى وَنافَسَ في الحُطامِ وَغالى
كَم مِن مُلوكٍ زالَ عَنهُم مُلكُهُم — فَكَأَنَّ ذاكَ المُلكَ كانَ خَيالا
وَالدَهرُ أَلطَفُ خاتِلٍ لَكَ خَتلُهُ — وَالدَهرُ أَحكَمُ مَن رَماكَ نِبالا
حَتّى مَتى تُمسي وَتُصبِحُ لاعِباً — تَبغي البَقاءَ وَتَأمُلُ الآمالا
وَلَقَد رَأَيتُ الحادِثاتِ مُلِحَّةً — تَنعى المُنى وَتُقَرِّبُ الآجالا
وَلَقَد رَأَيتُ مَساكِناً مَسلوبَةً — سُكّانُها وَمَصانِعاً وَظِلالا
وَلَقَد رَأَيتَ مَنِ اِستَطاعَ بجَمعِهِ — وَبَنى فَشَيَّدَ قَصرَهُ وَأَطالا
وَلَقَد رَأَيتُ مُسَلَّطاً وَمُمَلَّكاً — وَمُفَوَّهاً قَد قيلَ قالَ وَقالا
وَلَقَد رَأَيتُ الدَهرَ كَيفَ يُبيدُهُم — شيباً وَكَيفَ يُبيدُهُم أَطفالا
وَلَقَد رَأَيتُ المَوتَ يُسرِعُ فيهِمُ — حَقّاً يَميناً مَرَّةً وَشِمالا
فَسَلِ الحَوادِثَ لا أَبا لَكَ عَنهُمُ — وَسَلِ القُبورَ وَأَحفِهِنَّ سُؤالا
فَلتُخبِرَنَّكَ أَنَّهُم خُلِقوا لِما — خُلِقوا لَهُ فَمَضَوا لَهُ أَرسالا
وَلَقَلَّ ما تَصفو الحَياةُ لِأَهلِها — حَتّى تُبَدَّلَ مِنُهُم أَبدالا
وَلَقَلَّ ما دامَ السُرورُ لِمَعشِرٍ — وَلَطالَما خانَ الزَمانُ وَغالا
وَلَقَلَّ ما تَرضى خِصالاً مِن أَخٍ — آخَيتَهُ إِلّا سَخِطتَ خِصالا
وَلَقَلَّ ما تَسخو بِخَيرٍ نَفسُهُ — حَتّى يُقاتِلَها عَلَيهِ قِتالا
أَأُخَيَّ إِنَّ المَرءَ حَيثُ فِعالُهِ — فَتَوَلَّ أَحسَنَ ما يَكونُ فِعالا
فَإِذا تَحامى الناسُ أَن يَتَحَمَّلوا — لِلعارِفاتِ فَكُن لَها حَمّالا
أَقصِر خُطاكَ عَنِ المَطامِعِ عِفَّةً — عَنها فَإِنَّ لَها صَفاً زَلّالا
وَالمالُ أَولى بِاِكتِسابِكَ مُنفِقاً — أَو مُمسِكاً إِن كانَ ذاكَ حَلالا
وَإِذا الحُقوقُ تَواتَرَت فَاِصبِر لَها — أَبَداً وَإِن كانَت عَلَيكَ ثِقالا
فَكَفى بِمُلتَمِسِ التَواضُعِ رِفعَةً — وَكَفى بِمُلتَمِسِ العُلُوِّ سِفالا
أَأُخَيَّ مَن عَشِقَ الرِئاسَةَ خِفتُ أَن — يَطغى وَيُحدِثَ بِدعَةً وَضَلالا
أَأُخَيَّ إِنَّ أَمامَنا كُرَباً لَها — شَغبٌ وَإِنَّ أَمامَنا أَهوالا
أَأُخَيَّ إِنَّ الدارَ مُدبِرَةٌ وَإِن — كُنّا نَرى إِدبارَها إِقبالا
أَأُخَيَّ لا تَجعَل عَلَيكَ لِطالِبٍ — يَتَتَبَّعُ العَثَراتِ مِنكَ مَقالا
فَالمَرءُ مَطلوبٌ بِمُهجَةِ نَفسِهِ — طَلَباً يُصَرِّفُ حالَهُ أَحوالا
وَالمَرءُ لا يَرضى بِشُغلٍ واحِدٍ — حَتّى يُوَلِّدَ شُغلُهُ أَشغالا
وَلَرُبَّ ذي عُلَقٍ لَهُنَّ حَلاوَةٌ — سَيَعُدنَ يَوماً ما عَلَيهِ وَبالا
وَأَرى التَواصُلَ في الحَياةِ فَلا تَدَع — لِأَخيكَ جُهدَكَ ما حَيِيتَ وِصالا
أَأُخَيَّ إِنَّ الخَلقَ في طَبَقاتِهِ — يُمسي وَيُصبِحُ لِلإِلَهِ عِيالا
وَاللَهُ أَكرَمُ مَن رَجَوتَ نَوالَهُ — وَاللَهُ أَعظَمُ مَن يُنيلُ نَوالا
مَلِكٌ تَواضَعَتِ المُلوكُ لِعِزِّهِ — وَجَلالِهِ سُبحانَهُ وَتَعالى
لا شَيءَ مِنهُ أَدَقُّ لُطفَ إِحاطَةٍ — بِالعالَمينَ وَلا أَجَلُّ جَلالا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الحطام: الحُطَامُ :- من كل شيءٍ : ما تكسّر منه؛ لم يبق من السفينة الغارقة إلا حُطَامُها.- من النبات: يبيسُهُ المتناثر ثُمّ يَهِيجُ فَتَراهُ مصْفَرًّا ثمّ يَكونُ حُطَاماً.- من الدنيا: متاعها الفاني؛ ما زُخْرف الدُّنيا وزبربج أهله …
- بالكفاف: الكَفَافُ :- الشّيْءِ. مثْله ومقداره؛ ابتاع أرضاً كفافَ أرض أخيه.- من الرزق: ما كان مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقصان؛ يعيش مع عياله في كفافٍ / ليتني أخرج من هذا كفافاً، أي لا لي ولا عليَّ/ دَعنىِ كَفَافِ، أي كُفَّ عَن …
- بنعيمه: النَّعِيمُ : ما استُمتِعَ به. ـ: الخَفْضُ وحُسْن الحال يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ/ فلان نعيمُ البال، أي هادِئُه مُرتاحُه.
- تضرب: تَضَرَّبَ يَتَضَرَّبُ تَضَرُّباً : - الشيءُ: تحرّك وتموّج؛ هَبَّت الريحُ فتضرَّب الموجُ.