إن لم أزر ربعكم سعيا على الحدق

الشاعر: صفي الدين الحلي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة شوق

«إن لم أزر ربعكم سعيا على الحدق» من شعر صفي الدين الحلي، من العصر المملوكي، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف القاف، وغرضها قصيدة شوق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إِن لَم أَزُر رَبعَكُم سَعياً عَلى الحَدَقِ ... فَإِنَّ وُدِّيَ مَنسوبٌ إِلى المَلَقِ

تَبَّت يَدي إِن ثَنَتني عَن زِيارَتِكُم ... بيضُ الصِفاحِ وَلَو سُدَّت بِها طُرُقي

يا جيرَةَ الحَيِّ هَلّا عادَ وَصلُكُمُ ... لِمُدنَفٍ مِن خُمارِ الوَجدِ لَم يُفِقِ

لا تُنكِروا فَرَقي مِن بَعدِكُمُ ... إِنَّ الفِراقَ لَمُشتَقٌّ مِنَ الفَرَقِ

لِلَّهِ لَيلَتُنا بِالقَصرِ كَم قَصُرَت ... فَظَلتُ مُصطَبِحاً في زِيِّ مُغتَبِقِ

وَباتَ بَدرُ الدُجى فيها يُسامِرُني ... مُنادِماً فَيَزينُ الخَلقَ بِالخُلُقِ

فَكَم خَرَقنا حِجاباً لِلعِتابِ بِها ... وَلِلعَفافِ حِجابٌ غَيرُ مُنخَرِقِ

وَالصُبحُ قَد أَخلَقَت ثَوبَ الدُجى يَدُهُ ... وَلَيتَهُ جادَ لِلعُشّاقِ بِالخَلُقِ

أَبلى الظَلامَ وَماذا لَو يَجودُ بِهِ ... عَلى جُفونٍ لِطيبِ الغُمضِ لَم تَذُقِ

ما أَحسَنَ الصُبحَ لَولا قُبحُ سُرعَتِهِ ... وَأَعذَبَ اللَيلَ لَولا كَثرَةُ الأَرَقِ

هَبَّ النَسيمُ عِراقِيّاً فَشَوَّقَني ... وَطالَما هَبّ نَجدِيّاً فَلَم يَشُقِ

فَما تَنَفَّستُ وَالأَرواحُ سارِيَةٌ ... إِلّا اِشتَكَت نَسَماتُ الريحِ مِن حُرَقي

ذَر أَيُّها الصَبُّ تَذكارَ الدِيارِ إِذا ... مُتَّعتَ فيها بِعَيشٍ غَيرِ مُتَّسِقِ

فَكَم ضَمَمتَ وِشاحاً في الظَلامِ بِها ... ما زادَ قَلبَكَ إِلّا كَثرَةَ القَلَقِ

فَخَلِّ تَذكارَ زَوراءِ العِراقِ إِذا ... جاءَت نَسيمُ الصَبا بِالمَندَلِ العَبِقِ

فَهَذِهِ شُهُبُ الشَهباءِ ساطِعَةً ... وَهَذِهِ نَسمَةُ الفِردَوسِ فَاِنتَشِقِ

فَتِلكَ أَفلاكُ سَعدٍ لا يَلوذُ بِها ... مِن مارِدٍ لَخَفيِّ السَمعِ مُستَرِقِ

سَماءُ مَجدٍ بَدا فيها فَزَيَّنَها ... نَجمٌ تَخُرُّ لَديهِ أَنجُمُ الأُفُقِ

مَلِكٌ غَدا الجودُ جُزءاً مِن أَنامِلِهِ ... فَلَو تَكَلَّفَ تَركَ الجودِ لَم يُطِقِ

أَعادَ لَيلَ الوَرى صُبحاً وَكَم رَكَضَت ... جِيادُه فَأَرَتنا الصُبحَ كَالغَسَقِ

مُشَتَّتُ العَزمِ وَالأَموالِ ما تَرَكَت ... يَداهُ لِلمالِ شَملاً غَيرَ مُفتَرِقِ

إِذا رَأى مالَهُ قالَت خَزائِنُهُ ... أَفديكَ مِن وَلَدٍ بِالثُكلِ مُلتَحِقِ

لَولا أَبو الفَتحِ نَجمُ الدينِ ما فُتِحَت ... أَبوابُ رِزقٍ عَليها اللَومُ كَالغَلَقِ

مَلِكٌ بِهِ اِكتَسَتِ الأَيّامُ ثَوبَ بَهاً ... مِثلَ اِكتِساءِ غُصونِ البانِ بِالوَرَقِ

تَهوى الحُروبَ مَواضيهِ فَإِن ذُكِرَت ... حَنَّت فَلَم تَرَ مِنها غَيرَ مُندَلِقِ

حَتّى إِذا جُرَّدَت في الرَوعِ أَغمَدَها ... في كُلِّ سابِغَةٍ مَسرودَةِ الحَلَقِ

يَأَيُّها المَلِكُ المَنصورِ طائِرُهُ ... وَمَن أَياديهِ كَالأَطواقِ في عُنُقي

أَحيَيتَ بِالجودِ آثارَ الكِرامِ وَقَد ... كانَ النَدى بَعدَهُم في آخِرِ الرَمَقِ

لَو أَشبَهَتكَ بِحارُ الأَرضِ في كَرَمٍ ... لَأَصبَحَ الدُرُّ مَطروحاً عَلى الطُرُقِ

لَو أَشبَهَ الغَيثُ جوداً مِنكَ مُنهَمِراً ... لَم يَنجُ في الأَرضِ مَخلوقٌ مِنَ الغَرَقِ

كَم قَد أَبَدتَ مِنَ الأَعداءِ مِن فِئَةٍ ... تَحتَ العَجاجِ وَكَم فَرَّقتَ مِن فِرَقِ

رَوَيتَ يَومَ لِقاهُم كُلَّ ذي ظَمَإٍ ... في الحَربِ حَتّى حِلالَ الخيلِ بِالعَرَقِ

وَيَومَ وَقعَةِ عُبّادِ الصَليبِ وَقَد ... أَركَبتَهُم طَبَقاً في البيدِ عَن طَبَقِ

مَزَّقتَ بِالمَوصِلِ الحَدباءِ شَملَهُمُ ... في مَأزِقٍ بِوَميضِ البيضِ مُمتَزِقِ

بِكُلِّ أَبيَضَ دامي الحَدِّ تَحسُبُهُ ... صُبحاً عَليهِ دَمُ الأَبطالِ كَالشَفَقِ

آلى عَلى غِمدِهِ أَلّا يُراجِعَهُ ... إِلّا إِذا عادَ مُحمَرّاً مِنَ العَلَقِ

فَاِستَبشَرَت فِئَةُ الإِسلامِ إِذ لَمَعَت ... لَهُم بَوارِقُ ذاكَ العارِضِ الغَدِقِ

وَأَصبَحَ العَدلُ مَرفوعاً عَلى نَشَزٍ ... لَمّا وُلّيتَ وَباتَ الجَورُ في نَفَقِ

كَم قَد قَطَعتُ إِلَيكَ البيدَ مُمتَطِياً ... عَزماً إِذا ضاقَ رَحبُ الأَرضِ لَم يَضِقِ

يَدُلَّني في الدُجى مُهري وَيُؤنِسُني ... حَدُّ الحُسامِ إِذا ما بَتَ مُعتَنِقي

وَاللَيلُ أَطوَلُ مِن عَذلِ العَذولِ عَلى ... سَمعي وَأَظلَمُ مِن مَرآهُ في حَدَقي

أُهدي قَلائِدَ أَشعارٍ فَرائِدُها ... دُرٌّ نَهَضتُ بِهِ مِن أَبحُرٍ عُمُقِ

يَضُمُّها وَرَقٌ لَولا مَحاسِنُهُ ... ما لَقَّبوا الفِضَّةَ البَيضاءَ بِالوَرَقِ

نَظَمتُها فيكَ ديواناً أَزُفُّ بِهِ ... مَدائِحاً في سِوى عَلياكَ لَم تَرُقِ

وَلو قَصَدتُ بِهِ تَجديدَ وَصفِكُمُ ... لَكانَ ذَلِكَ مَنسوباً إِلى الحُمُقِ

تِسعٌ وَعِشرونَ إِن عُدَّت قَصائِدُها ... وَمِثلُها عَدَدُ الأَبياتِ في النَسَقِ

لَم أَقتَنِع بِالقَوافي في أَواخِرِها ... حَتّى لَزِمتُ أَواليها فَلَم تَعُقِ

ما أَدرَكَت فُصَحاءُ العُربِ غايَتَها ... قَبلي وَلا أَخذوا في مِثلِها سَبَقي

جَرَت لِتَركُضَ في مَيدانِ حَومَتِها ... قَومٌ فَأَوقَفتُهُم في أَوَّلِ الطَلَقِ

فَليَحسُنِ العُذرُ في إيرادِهُنَّ إِذا ... رَأَيتَ جَريَ لِساني غَيرَ مُنطَلِقِ

فَلَو رَأَت بَأسَكَ الآسادُ لَاِضطَرَبَت ... بِهِ فَرائِصُها مِن شِدَّةِ الفَرَقِ

يا آلَ أُرتُقَ لَولا فَيضُ جودِكُمُ ... لَدامَ خَرقُ المَعالي غَيرَ مُرتَتِقِ

لَقَد رَفَعتُم بِإِسداءِ الجَميلِ لَكُم ... ذِكراً إِذا قَبَضَ اللَهُ الأَنامَ بَقي

لا زالَ يَهمي عَلى الوُفّادِ نائِلُكُم ... بِوابِلٍ مِن سَحابِ الجَودِ مُندَفِقِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الحدق: حدق: حدَقَ بِهِ الشيءُ وأَحدقَ: اسْتَدارَ؛ قَالَ الأَخطل: المُنْعِمُون بنُو حَرْبٍ، وَقَدْ حَدَقَتْ ... بيَ المَنِيّةُ، واسْتَبْطأْتُ أَنصارِي وَقَالَ سَاعِدَةُ: وأُنْبِئْتُ أنَّ القومَ قَدْ حَدَقُوا بِهِ، ... فَلَا رَيْ … (لسان العرب)
  • الصفاح: صفح: الصَّفْحُ: الجَنْبُ. وصَفْحُ الإِنسان: جَنْبُه. وصَفْحُ كُلِّ شيءٍ: جَانِبُهُ. وصَفْحاه: جَانِبَاهُ. وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِنْجَاءِ: حَجَرَين للصَّفْحَتين وحَجَراً للمَسْرُبةِ أَي جَانِبَيِ المَخْرَج. وصَفْحُه: نَاحِ … (لسان العرب)
  • الملق: ملق: المَلَقُ: الوُدّ وَاللُّطْفُ الشَّدِيدُ، وأَصله التَّلْيِينُ وَقِيلَ: المَلَقُ شِدَّةُ لُطْفِ الْوُدِّ، وَقِيلَ: التَّرَفُّقُ وَالْمُدَارَاةُ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، مَلِقَ مَلَقاً وتمَلَّقَ وتَملَّقَهُ وت … (لسان العرب)
  • بالخلق: خلق: اللَّهُ تَعَالَى وتقدَّس الخالِقُ والخَلَّاقُ، وَفِي التَّنْزِيلِ: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ؛ وَفِيهِ: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ وإِنما قُدّم أَوَّل وَهْلة لأَنه مِنْ أَسماء اللَّهِ جَل … (لسان العرب)
  • بالقصر: قصر: القَصْرُ والقِصَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: خلافُ الطُّولِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: عادتْ مَحُورَتُه إِلى قَصْرِ قَالَ: مَعْنَاهُ إِلى قِصَر، وَهُمَا لُغَتَانِ. وقَصُرَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْصُرُ قِصَراً: خِلَافُ طَالَ؛ و … (لسان العرب)
  • تنكروا: نكر: النُّكْرُ والنَّكْراءُ: الدَّهاءُ والفِطنة. وَرَجُلٌ نَكِرٌ ونَكُرٌ ونُكُرٌ ومُنْكَرٌ مِنْ قَوْمٍ مَناكِير: دَاهٍ فَطِنٌ؛ حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: قُلْتُ لأَبي عَلِيٍّ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ: أَفنقول إ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • لئن حكمت بفرقتنا الليالي
  • شمس النهار بحسن وجهك تقسم
  • لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا
  • سلي الرماح العوالي عن معالينا
  • وحق من لا سواهم عندي القسم
  • من عاشق ناء هواه دان
  • كان الزمان بلقياكم يمنينا
  • كن عن همومك معرضاً