أخذت سفاقس منك عهد أمان

الشاعر: ابن حمديس · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة مدح

«أخذت سفاقس منك عهد أمان» من شعر ابن حمديس، من العصر الأندلسي، وتقع في 81 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة مدح.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أخذتْ سفاقسُ منك عهدَ أمانِ — وَرَدَدتَ أهليها إلى الأوطانِ

أطلقتَ بالكرم الصريح سراحَهُمْ — فرعوا بقاعَ العزّ بعد هوانِ

وعطفتَ عطفةَ قادمٍ أسيافُهُ — غُمِدَتْ على الجانين في الغفرانِ

كم من مُسيءٍ تحتَ حكمك منهمُ — قَلّدْتَهُ مِنَناً من الإحسانِ

ومروَّعٍ وقع الردى في رُوعِهِ — أطفأت جَمْرَةَ جَوْفهِ بأمان

كان الزّمانُ عدوّهم فثنيْتَهُ — وهو الصّديقُ لهم بلا عُدوانِ

أمسى وأصبح طيبُ ذكركَ فيهمُ — بأريجِهِ يَتَأرّج الملوانِ

ولقد يكون من الضلوع حديثُهُم — في مُعْضِلاتِ تَوَقّعِ الحدثانِ

يا يَوْمَ رَدّهِمُ إلى أوطانِهِمْ — لرددتَ أرواحاً إلى أبدانِ

نزَلتْ بك الأفراحُ في عَرَصَاتهمْ — وبها يكونُ تَرَحّلُ الأحزانِ

فِلَذُ القلوب إلى القلوب تَراجعتْ — في مُلْتَقَى الآباءِ بالولدانِ

والأمّهاتُ على البناتِ عَواطِفٌ — والمشفقاتُ على اللّداتِ حوانِ

سُرَّ القرابةُ بالقرابةِ منهمُ — وتَأنّسَ الجيرانُ بالجيرانِ

وَتَزَاوَرَ الأحبابُ بعد قطيعةٍ — دخلتْ بذكر الودّ في النّسيانِ

في كلّ بيتٍ نعمةٌ وَمَسَرّةٌ — شربوا سُلافتها بلا كيزانِ

ودُعاؤهم لك في السماء مُحَلّقٌ — حتى لضاقَ بعرضه الأفقانِ

كحجيج مكة في ارْتفاع عجيجهم — وطوافهمْ بالبيتِ ذي الأركانِ

صَيّرْتَ في الدّنْيا حديثك فيهمُ — مثلاً يمرّ بأهل كلّ زمانِ

فخرٌ يقيمُ إلى القيامة ذكرُهُ — مثلَ الشنوفِ تُناطُ بالآذانِ

لك يا ابن يحيى في علائك مُرْتَقى — لم تَرْقَهُ من أكبرٍ قدمانِ

إن كنتَ في الأيمان أشرعتَ القنا — فبها أقمْتَ شرائعَ الإيمانِ

أو كان فضْلُك ليس يُجحدَ حقُّه — فعليه مُتّفِقٌ ذوو الأديانِ

أو كنْتَ مرهوبَ الأناةِ فكامنٌ — فيها وثوبُ الضيغم الغضبانِ

لا يأمنِ الأعداءُ وقعَ صوارمٍ — نامتْ مناياهُنّ في الأجفانِ

فلها انتباهٌ في يديكَ وإنّها — لقطوف هامات الجُناةِ جَوانِ

كم للعدى في الروع من خَرَسٍ إذا — نطقَ الرّدى لهمُ من الخُرصْانِ

لله دَرّكَ من هُمامٍ حازمٍ — يَرْضى ويغضَبُ في رضى الرحمانِ

للَّه منك جميلُ صنعٍ سائحٌ — في الأرضِ منْه حديثُ كل لسانِ

سرّحْتَ مالكِ من يمينِ سميحةٍ — والمال في اليمنى السميحة عانِ

إنِّي امرؤ أبني القريض ولا أرى — زَمَناً يحاولُ هدْمَ ما أنا باني

صَنعٌ بتحبيرِ الثناءِ وَحَوْكِهِ — فكأنّما صنعاءُ تحت لساني

وأفيدُ نوّارَ البديع تضوّعاً — مُتَنَسمّاً بدقائقِ الأذهانِ

والشعرُ يسري في النفوس ولا كما — يَسْري معَ الصّهباءِ والألحانِ

ولقد شأوتُ الريح فيه مُسَابقاً — من بعد ما أمسكتُ فضْل عِناني

وطعنتُ في سنّ الكبير وما نبا — عن طَعنِ شاكلة البديع سناني

ولوَ انّني أصْفَيْتُ منه لولّدتْ — علياك في فكري ضروبَ معاني

فافخرْ فإنّكَ من مُلوكٍ لم يَزَلْ — لهمُ قديمُ مَفَاخرِ الأزمانِ

ولقد عكفتَ على مواصلَةِ النّدى — فكأنّهُ حُبٌّ بلا سلوانِ

وغمرْتَ بالطَّوْلِ الزّمانَ فقلْ لَنا — أهُوَ الهواءُ يعمّ كلّ مكانِ

نُفْني مدائِحَنا عَلَيكَ لأنَّها — سُقيَتْ ظماءً منك ماءَ بنانِ

والرّوْضُ إن رَوّى الغمامُ بقاعَهُ — أثْنى عليه تَنَفّس الريحانِ

سنحتْ في السرْبِ من حورِ الجنانْ — ظبيةٌ تبسم عن سِمْطَيْ جُمان

وكأنّ العَيْنَ منها تجتلي — بَرَداً للبرق فيه لَمَعَان

بنتُ سبعٍ وثمانٍ وَجَدَتْ — عُمُري ضَرْبَكَ سبعاً في ثمان

في شبابٍ بهجٍ وفّى لها — وثنى ريعانَهُ عنّي فخان

يستبي النّاسكَ منها ناظرٌ — ساحرُ الطرْفِ عليلُ اللّحظان

وأثيثٌ ذو عقاصٍ غَيّمَتْ — فيه للمندل أنفاسُ دخان

يا لها من جنّةٍ رمّانُها — ما دَرَتْ ما لمسُهُ راحةُ جان

يا عليلَ القلب كم ذا تشتهي — سَوْسَنَ النحرِ وَعُنّابَ البنان

وأوانُ الهجرِ لا يُجْنى به — ثَمَرٌ كان لها الوَصْلُ أوان

إذ شبَابي غَضّةٌ أوراقُه — وحديثي تُحَفٌ بين الحسان

وقطوفُ اللهوِ من قاطفها — دانياتٌ ببنيّاتِ الدّنان

كلّ عذراءَ عجوز قد علا — رأسَها في الدنّ شيبُ القُمُّحان

وكأنّ الكفّ من حُمرَتِها — غُمِسَتْ أنْملها في الأرجُوَان

صرْفُها يقسو فيبدي غضباً — فإذا أرضَيْتَهُ بالمزْجِ لان

رَبّةَ القُرْطِ الذي أحسبه — راشَ للقلب جَنَاحَ الخفقان

إن يكُنْ سحركِ قد خُصّ بهِ — لحظُ طرفٍ منك أو لفظُ لسان

فعليٌّ بأسُهُ خُصّ بِهِ — حدُّ سيفٍ منه أو حدُّ سنان

منعم تهوى القوافي مَدْحَهُ — أو مَا ناظِمُ مَعناها مُعان

معرقٌ في المجد من آبائه — أُسُدِ الرّوع وأملاكِ الزمان

جلّ مِنْ شبلٍ أبوه قَسْوَرٌ — بَطَلُ الحرْبِ بكفّيْهِ جبان

إن تلا يحيى عليٌّ في العلى — فبما دانَ من الإِحسان دان

كلّ يومٍ في المعاني قدرُهُ — بسماءِ الملك يَنْمي للعيان

وهلالٌ أوّلُ البدرِ الّذي — يَرْتدي بالنور منه الأفقان

كم طريدٍ مُستقِرٍّ عندهُ — من حَرُورِ الخوْفِ في ظلّ أمان

وفقيرٍ مُعْسِرٍ قد صانَهُ — من مهين الفقر بالمال المهان

كان في غير حماه غرضاً — لِسِهامٍ فُوّقَتْ بالحدثان

في جَفافِ العُدْمِ حتى غرَفَتْ — من يديه في الغنى منه يدان

يشتري بالحمدِ فَقْراً كيفَ لا — يُشْتَرى باقٍ معَ الدّهْرِ بفان

جادَ حتى قيلَ هلْ أموالهُ — عند أهل القصد في صَوْن اختزان

وإذا الهيجاءُ شَبّتْ نارُهَا — بالرّقاقِ البيضِ والسُّمرِ اللدان

وأثارتْ شُزَّبُ الجُرْدِ بها — عِثْيَراً يَسودّ منه الخافقان

فكأنّ الليلَ مما أظلمتْ — جُنّ أو ألقى على الأرض جِران

صادَ بالبأس عليٌّ صِيدَها — وَثَنى منها عن النصر عِنان

بيمينٍ صَيّرَتْ خاتمها — تاجَ عَضْبٍ يقطفُ الهامَ يمان

وكأنّ الليْثَ من صَعْدَتِهِ — بفؤادِ الذِّمْرِ يعني أفعوان

يسْرقُ المهجةَ من عامِلِهِ — في أضاةِ الدرع للنار لسان

لست أدري أدَمٌ في رمحه — مِنْ جَنَانِ الدهرِ أم وردِ الجنان

يا ابن يحيى أنتَ ذو الطَّوْل الذي — أوّلٌ نائله والبحر ثان

فابقَ للمعروفِ في العزِّ وَدُمْ — من علوّ القدر في أعلى مكان

وعلى وجهك للبشرِ سنا — وعلى قَصْدِكَ للنّجْمِ ضَمان

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الصريح: الصَّرِيحُ : الواضح؛ هذه الشهادة صريحةٌ لا غموض فيها/ كلامٌ صريح.-: الخالص مما يشوبه؛ شرابٌ صريحٌ/ نسب صَرِيح/ فرس صَرِيح، أي أصيل ج صُرَحاءُ.
  • الغفران: [غ ف ر]. (مصدر غَفَرَ). "يَرْجُو غُفْرَانَهُ" : عَفْوَهُ عَنْ ذَنْبٍ اِقْتَرَفَهُ.البقرة آية 285 وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (قرآن).
  • بالكرم: كرم: الكَريم: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وأَسمائه، وَهُوَ الْكَثِيرُ الْخَيْرِ الجَوادُ المُعطِي الَّذِي لَا يَنْفَدُ عَطاؤه، وَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُطْلَقُ. والكَرِيم: الْجَامِعُ لأَنواع الْخَيْرِ والشرَف وَالْفَضَائِلِ. والكَ …
  • بقاع: القَاعُ [قوع]: القعرُ؛ قاعُ البحر/ قاع البئر.-: أرض مستوية مطمئنَّة عمّا يحيط بها من الجبال والآكام وَيَسْألُونَكَ عنِ الْجِبَال فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفًا ج أَقْوَاعٌ وقِيعَان وقَيَعٌ …
  • جوفه: جوف: الجَوْفُ: الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الأَرض. وجَوْفُ الإِنسان: بَطْنُهُ، مَعْرُوفٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الجَوْفُ باطِنُ البَطْنِ، والجَوْفُ مَا انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ الكَتِفان والعَضُدان والأَضْلاعُ والصُّقْلانِ، وَجَمْعُهَا أَج …
  • حكمك: حكم: اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحْكَمُ الحاكمِينَ، وَهُوَ الحَكِيمُ لَهُ الحُكْمُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ اللَّيْثُ: الحَكَمُ اللَّهُ تَعَالَى. الأَزهري: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الحَكَمُ والحَكِيمُ والحاكِمُ، و …

قصائد ذات صلة

  • وأخضر لولا آية ما ركبته
  • ألا رب كأس تقتضي كل لذة
  • فعوضت شيبا من شبابي كأنني
  • طيارة ولها فرخان واعجبا
  • ومرتفع في الجذع إذ حط قدره
  • وحمام سوء وخيم الهواء
  • لهم رياض حتوف فالذباب بها
  • قد طيب الآفاق طيب ثنائه