يا صاح أين مضى قلبي فأطلبه
الشاعر: ظافر الحداد · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة عامة
«يا صاح أين مضى قلبي فأطلبه» من شعر ظافر الحداد، من العصر الأندلسي، وتقع في ٥٤ بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا صاحِ أينَ مضى قلبي فأطْلُبه ... قد غاب مُذْ غاب عن عيني وأندُبه
قد كنتُ أَندُب قلبي بعد ساكنه ... فصرت أندب أحبابي وأنُدبه
قد كنتُ حَذَّرتُه من فِعْلِ غادرةٍ ... فذاقَ ما كنتُ أخشاه وأَحسَبه
عجبتُ كيف ضلوعي منه خاليةٌ ... لكنَّها ما خَلا منها تَلهُّبُه
هو الذي غايةُ الأهوالِ أَهْوَنُه ... صعوبةً وأَمَرُّ الصَّابِ أَعْذَبُه
بالرغمِ ما كابدَتْ بعد النَّوَى كَبِدى ... وبالضرورة من قلبي تَقُّلبه
قد مَلَّني الليلُ مما بِتُّ أَسْهَرُه ... ورَقَّ لي النجمُ مما بتّ أرقُبه
قد شِبْتُ في طولِ هذا الليلِ من أَسفٍ ... أَمَا يَلوح له صبحٌ يُشيِّبه
كأنما الليلُ يُغْشى الصبحَ مَغْرِبه ... فكلَّما هَمَّ أَنْ ينشقّ يَشْعبُه
أو النجومُ عِطاشٌ وهْوَ مَوْرِدُهم ... فكلَّما فاض نورٌ منه تَشْربه
تُرَى يزولُ بِعادٌ صار يُبعِده ... عني ويَرجِع لي قُرْبٌ يُقرِّبه
للهِ دَرُّ لَيالٍ كُنَّ من قِصَرٍ ... يأتي أَوائُلها بالصُّبْحِ يَجْنُبه
وما تَغنَّت حَماماتُ العَشىِّ لنا ... إلا وجاوَبها في الصُّبْحِ مُطْرِبهُ
وللصَّبا خَلَلَ الأغصانِ وَسْوَسةٌ ... كالصَّبِّ للحِبِّ يشكوه ويُعْتِبه
والروضُ يَبْعَثُ مِسْكا من نَوافِجِه ... والطَّلُّ يَفْتُقه والريح تَجْلبِه
وقد تَبسَّم نَوْرٌ من كَمائِمه ... فَلاحَ فِضيُّه الزاهي ومُذْهَبه
وقد تَبدَّتْ دنانيرُ البَهار على ال ... كثبانِ تُطْرِف رائيها وتُعْجِبه
صفرٌ كناظِرَتَيْ ليثٍ تَكنَّفَه ... ليلٌ وقد حان من صيدٍ تَوثُّبه
وللشَّقيقِ احمرارٌ حين أَخْجَله ... ضَحْكُ الأَقاحيِّ حتى كاد يُغْضِبه
كَوَجْنةِ التَّرِف المعشوقِ نَقَّطها ... بالنَّقْشِ فارتاع أنْ يدرِي مُؤَدِّبه
والغصن يرقُص والدُّولاب زامِرهُ ... وللضفادعِ إيقاعٌ تُرتِّبه
والماءُ قد عَبِثتْ كفُّ النسيمِ به ... كسيفِ مرتعِشٍ أَضْحَى يجرِّبه
والليلُ زَنجيةٌ وَلَّتْ وقد نَشَرتْ ... من شعرها وافرَ الفَرْعين تَسْحَبه
والبدرُ في الأفُق الغربيِّ متسقا ... والغيمُ يكسوه جلبابا ويسلبه
كخدِّ محبوبةٍ تبدو لعاشِقها ... فإنْ بَدا لَهما واشٍ تُنَقِّبُه
وأقبل الصبحُ كالسلطان في بَهَج ... يُدْلِي على الجوِّ أنوارا تُجَلْبِبه
كأنه غُرَّة المُختارِ حين بَدا ... يَحُفُّه في جيوش النصرِ مَوْكِبُه
عيني التي ظَلمتْ قلبي بما جَلَبت ... له وأظلمُ من عيني مُؤنِّبه
يا عاذِلي أين سَمْعي منك وهْو إذا ... تَبيَّن الرُّشْدَ من لومٍ يُكذِّبه
يَعي بقيةَ سِرٍّ كان أَوْدَعه ... عندَ الغرامِ نَقىُّ الثَّغْرِ اَشْنَبُه
فعافَ كلَّ كلامٍ بعد مَنْطِقِه ... وزاد عن لفظِ من يَلْحَى تَجنُّبه
لو لاح بابُ خَلاصِى كنتُ أدخلُه ... أو ذلَّ ظهرُ جوادِي كنت أركبه
فالدهرُ يُسْرِع في عالي أوامرِه ... والسعدُ يَتْبَعُه والعزُّ يَحْجُبه
مَلْكٌ تُطيع العَوالي أمَره أبدا ... فالسيفُ والدهرُ يَخْشاه ويَرْهَبه
فالرمحُ يهتزُّ تِيها حينَ يَرْكُزه ... ويزدَهي الطِّرْفُ عُجبا حينَ يَرْكبه
فذا على قمم الأبطالِ يَرْكُضه ... وذاك من مُهَج الأٌقرانِ يَخْضِبه
نَجابَةٌ من نَجيب الدولة اجتمعَتْ ... فليس يَعْدم تَصْديقا مُلَقِّبه
ذو راحةٍ عُرِفت بالعُرْف لو لَمَسَتْ ... صخرا لأَثْمَر عند اللمسِ أَصْلَبه
عَجِبتُ منها وما الإمساك عادتها ... فكيف تَحْوى عِنانا حين تَجْذبه
فالنيلُ والبحر من جَدْواه في خَجَل ... والسُّحْب تَحْقِر ما تَهْمِي وتَسْكُبه
ولو رأى حاتمُ الطائيُّ أَيْسَرَ ما ... يُعْطِي لأيقنَ أنَّ الشُّحَّ مَذْهبُه
ول وُصفتَ لقُسٍّ كنتَ تُفْحِمه ... ولو ذُكرتَ لعَمرٍ وكنتَ تُرْعِبه
أَضَحَتْ بعَدْلِك أرضُ الشرق مُشْرِقةً ... ثم انْجلى عن ظلامِ الليل غَيْهَبُه
فكلُّ طالبِ بَغْىٍ منك في حَرَجٍ ... أجَلُّ عفوِك عنه حين تَصْلُبه
فللمُؤِالفِ إنعامٌ يقابلُه ... وللمُخالفِ سَيَّافٌ يُعَصبِّه
وسار خوفُك في بَدْوٍ وفي حَضَرٍ ... فلم تَدَعْ منهما من لا تُهذِّبه
حتى انتهى عن ضعيفِ الوحش أَغْلَبُها ... ونام في أُجُمِ الآسادِ رَبْرَبه
بمن نُشبِّه في الدنيا فَضائَلك ال ... عُليا فنُدْنِيه منها أو فنَنْسُبه
وما تركتُ بلادي معْ رَغيبتها ... إلا وجودُك بالإحسانِ يوجِبُه
هذا على أنّ شعري غيرُ مبتَذَلٍ ... فيمن سواك ولو أَضْحى يُرغِّبه
لي همّةٌ تهجر المرعى الدَّنىَّ على خِصْبٍ ... وتأتي العُلَى لو لاح أَجْدَبه
وقد قَصدتُك والدنيا ومَن جَمَعتْ ... كلٌّ يُسدِّد رأيي بل يُصوِّبه
فاخطُب وصَلِّ وعَيِّدْ راقيا رُتَبا ... يُضْنِي حَسودَك مَرآها ويُكْرِبه
لا زلتَ تبقَى جمالاً للوَرَى أبدا ... ما أصبح الدهرُ يُدْنِيه ويُقْربِه
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الصاب: صأب: صَئِبَ مِنَ الشَّراب صأَباً: رَوِيَ وامتَلأَ، وأَكثر مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ. وصَئِبَ مِنَ الماءِ إِذا أَكثر شُرْبَهُ، فَهُوَ رَجُلٌ مِصْأَبٌ، على مِفْعَل. والصُّؤَابُ والصُّؤَابة، بِالْهَمْزِ: بَيْضُ الْبُرْغُوثِ وَال … (لسان العرب)
- بالرغم: رغم: الرَّغْم والرِّغْم والرُّغْمُ: الكَرْهُ، والمَرْغَمَةُ مِثْلُهُ. قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ: بُعِثْتُ مَرْغَمَةً؛ المَرْغَمَة: الرُّغْمُ أَي بُعِثْتُ هَوَانًا وذُلًّا لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ رَغِمَهُ ورَغَمَهُ يَرْغَمُ، ور … (لسان العرب)
- تقلبه: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ … (لسان العرب)
- تلهبه: لهب: اللَّهَبُ واللَّهيبُ واللُّهابُ واللَّهَبَانُ: اشْتِعَالُ النَّارِ إِذا خَلَصَ مِنَ الدُّخَانِ. وَقِيلَ: لَهِيبُ النَّارِ حَرُّها. وَقَدْ أَلْهَبها فالْتَهَبَتْ، ولَهَّبَها فَتَلَهَّبَتْ: أَوْقَدَها؛ قَالَ: تَسْمَعُ … (لسان العرب)
- حذرته: حذر: الحِذْرُ والحَذَرُ: الْخِيفَةُ. حَذِرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَراً واحْتَذَرَهُ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وأَنشد: قلتُ لقومٍ خَرجُوا هَذالِيلْ: ... احْتَذِرُوا لَا يَلْقَكُمْ طَمالِيلْ ورجلُ حَذِرٌ وحَذُرٌ[[. قوله: [ … (لسان العرب)
- ساكنه: سكن: السُّكُونُ: ضِدُّ الْحَرَكَةِ. سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إِذَا ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غَيْرُهُ تَسْكيناً. وَكُلُّ مَا هَدَأَ فَقَدْ سَكَن كَالرِّيحِ والحَرّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وسَك … (لسان العرب)
- كابدت: كبد: الكَبِدُ والكِبْدُ، مِثْلُ الكَذِب والكِذْب، وَاحِدَةُ الأَكْباد: اللُّحْمَةُ السوْداءُ فِي الْبَطْنِ، وَيُقَالُ أَيضاً كَبْد، لِلتَّخْفِيفِ، كَمَا قَالُوا للفَخِذ فَخْذ، وَهِيَ مِنَ السَّحْر فِي الْجَانِبِ الأَيمن، … (لسان العرب)